يُعد كتاب «كليلة ودمنة» من أشهر الأعمال الأدبية العالمية التي جمعت بين المتعة والفائدة، إذ قدمت حكاياته عبر حوارات الحيوانات دروسًا أخلاقية وحِكمًا إنسانية خالدة، قام عبد الله بن المقفع بترجمة الكتاب إلى العربية في العصر العباسي، مستفيدًا من النسخة الفارسية التي نقلت بدورها عن الأصل الهندي، وأضاف ابن المقفع لمسته الأدبية المتميزة، فصارت النسخة العربية مرجعًا مهمًا للأدب والفكر.
يُروى أن أصل الكتاب يعود إلى رغبة الملك الهندي دبشليم في تعلم الحكمة بأسلوب مسلٍ، فطلب من حكيمه بيدبا وضع كتابٍ يقدّم الدروس الأخلاقية بطريقة ممتعة. فجاءت الحكايات في قالب أدبي مميز، استخدم فيه بيدبا الحيوانات كأبطال لتوضيح طبائع البشر ودروس الحياة بطريقة مشوقة، فصارت هذه الطريقة علامة مميزة للكتاب.
تتكون النسخة العربية من خمسة فصول تحتوي على خمسة عشر بابًا رئيسيًا، تنقل تجارب البشر عبر حوارات الحيوانات، وقد اعتبر النقاد العرب القدماء «كليلة ودمنة» ضمن أرقى كتب الأدب العربي، وصنّفوه ضمن أبرز أربعة كتب مميزة. وانتشر الكتاب بعد ذلك إلى لغات عدة حول العالم، ليصبح إرثًا عالميًا خالدًا.
وخلال شهر رمضان المبارك لعام 1447 هـ، تقدم بوابة «دار الهلال» حكايات يومية من هذا الكتاب، لتعيد للقراء عبق التراث وروح الحكمة، واليوم نستعرض قصة بعنوان «الجاهل المحتال»:
تدور القصة حول مدينة كان بها طبيب ماهر، ذو فطنة وخبرة، يُعرف بقدرته على معالجة الأمراض بدقة. وحدث أن ضعفت بصيرته وكبر سنه، وكان عليه واجب معالجة ابنة الملك، التي تعرضت لمتاعب الحمل. وعندما حضر الطبيب، استمع للجارية وأحسن تشخيص مرضها وأوصى بالدواء المناسب، قائلاً:
"لو كنت أبصر، لجمعّت الأخلاط على معرفتي بأجناسها، ولا أثق بذلك إلا بنفسي."
لكن رجلًا سفيهًا سمع بالأمر، فادعى علم الطب والخبرة في مزج الأدوية. فأمره الملك بالدخول إلى خزانة الأدوية واختيار ما يحتاجه، إلا أن السفيه لم يكن يعرف شيئًا عن الأدوية. فأخذ صرة تحتوي على سم قاتل، وخلطها مع الأدوية، فأعطيت للفتاة فماتت على الفور. وعندما علم الملك، دعا بالسفيه، فسقيه من نفس الدواء فمات فورًا، مصداقًا لقول القصة: كل من يخرج عن حدّه، يواجه ما يواجه الجاهل المخالف، فتكون نفسه ملومة.
وهكذا تحمل القصة عبرة واضحة: من ادّعى معرفةً لا يملكها، ولم يحترم حدوده، يوقع نفسه في الهلاك، بينما الحكمة والمعرفة الحقّة تأتي بالحرص والصبر والصدق في العمل.