رئيس مجلس الادارة

عمــر أحمــد ســامي

رئيس التحرير

طــــه فرغــــلي


في ذكرى ميلاده.. كيف غيّر سيد درويش ملامح الموسيقى المصرية وأصبح «فنان الشعب»؟

17-3-2026 | 10:18


سيد درويش

ياسمين محمد

تحل اليوم ذكرى ميلاد أحد أبرز رموز الموسيقى في العالم العربي، الموسيقار سيد درويش، الذي استطاع خلال سنوات قليلة أن يحدث ثورة حقيقية في شكل الأغنية المصرية، ويترك إرثًا فنيًا لا يزال حاضرًا في وجدان المصريين حتى اليوم، رغم رحيله المبكر قبل أن يبلغ الثانية والثلاثين من عمره.

 

وُلد سيد درويش، واسمه الكامل السيد درويش البحر، في مدينة الإسكندرية في 17 مارس عام 1892، ورحل في 10 سبتمبر عام 1923،وعلى الرغم من قصر عمره، فإنه ترك بصمة فنية عميقة، بعدما قدم عشرات الموشحات والطقطوقات، إلى جانب ألحان المسرحيات الغنائية والأوبريتات التي أسهمت في تأسيس مرحلة جديدة في تاريخ الموسيقى العربية.

لم تكن بداياته سهلة؛ إذ اضطر في سنواته الأولى إلى العمل في مهنة البناء لمساعدة أسرته. وبينما كان يعمل بين الطوب والحجارة، كان صوته يصدح بالغناء، فيلفت انتباه من حوله من العمال وأصحاب الورش. وفي أحد الأيام، صادف وجود الأخوين أمين وسليم عطا الله بالقرب من موقع عمله، فاستوقفهما صوته القوي، وأدركا سريعًا أنه يمتلك موهبة فنية استثنائية تستحق الاكتشاف.

واتفق الأخوان مع الشاب السكندري على مرافقتهم في رحلة فنية إلى بلاد الشام عام 1908، وكانت تلك الرحلة نقطة تحول مهمة في مسيرته، حيث احتك بالموسيقى الشرقية وتعرّف على أنماط جديدة من الأداء والتلحين، لتبدأ بعدها موهبته في الازدهار، ويقدم أول أدواره الغنائية «يا فؤادي ليه بتعشق».

وفي عام 1917 انتقل إلى القاهرة، وهناك بدأ نجمه يسطع سريعًا، ليصبح خلال سنوات قليلة أحد أبرز الملحنين في مصر. تعاون مع عدد من أهم الفرق المسرحية آنذاك، من بينها فرقة نجيب الريحاني، وفرقة جورج أبيض، إلى جانب فرقة علي الكسار، وقدم لها ألحانًا مسرحية مميزة أسهمت في انتشار المسرح الغنائي بين الجمهور.

ومع اندلاع ثورة 1919، تحولت موسيقاه إلى صوت يعبر عن طموحات المصريين في الحرية والاستقلال، فقدم عددًا من الأغنيات الوطنية التي جسدت روح النضال الشعبي، من أبرزها «قوم يا مصري»، ما منحه لقب «فنان الشعب».

كما يُعد من أبرز إنجازاته تلحين النشيد الذي أصبح لاحقًا النشيد الوطني المصري «بلادي بلادي»، المقتبس من كلمات الزعيم الوطني مصطفى كامل، ولا يزال هذا النشيد يُردد حتى اليوم باعتباره النشيد الرسمي لجمهورية مصر العربية.

وترك سيد درويش مجموعة من الأغنيات التي أصبحت جزءًا من التراث الموسيقي العربي، من بينها «أهو ده اللي صار»، و«زوروني كل سنة مرة»، و«الحلوة دي قامت تعجن»، و«أنا هويت»، و«سلمى يا سلامة»، وهي أعمال ما زالت حاضرة في الذاكرة الشعبية حتى الآن.

ورغم هذا النجاح الكبير، جاءت نهاية حياته غامضة ومثيرة للجدل. ففي أوائل سبتمبر عام 1923 عاد إلى الإسكندرية للمشاركة في ترتيبات استقبال الزعيم الوطني سعد زغلول بعد عودته من المنفى، لكنه توفي فجأة في التاسع من سبتمبر من العام نفسه في ظروف لم تُحسم حقيقتها حتى اليوم.

وتشير بعض الروايات إلى احتمال تعرضه لتسمم مدبر بسبب أغنياته الوطنية التي كانت تحفّز المصريين على مقاومة الاحتلال البريطاني، بينما ذكر أحد أحفاده أن خبر الوفاة تم التكتم عليه سريعًا، ودُفن جثمانه على عجل في مقابر المنارة بالإسكندرية، ولم يحضر جنازته سوى عدد محدود من الأقارب والجيران خشية أن تتحول إلى مظاهرة شعبية.

ورغم مرور أكثر من قرن على رحيله، لا يزال سيد درويش علامة فارقة في تاريخ الموسيقى العربية، إذ أعاد تشكيل روح الأغنية المصرية ومنحها طابعًا وطنيًا واضحًا، ليصبح إرثه الفني الأساس الذي استندت إليه أجيال لاحقة من الموسيقيين والمطربين.