د. ميرى مجدى أنور كامل
تمثل العمارة القبطية المسيحية في مصر إرثًا حضاريًا فريدًا يعكس تفاعلًا غنيًا بين الفنون الفرعونية واليونانية الرومانية والبيزنطية، مما أفرز طرازًا معماريًا مميزًا يعبر عن الهوية الدينية والثقافية للأقباط.
لذا تُعد العمارة القبطية أحد أبرز ملامح التراث المصري، حيث نشأت وتطورت في بيئة دينية وثقافية معقدة، متأثرة بالعوامل السياسية والاجتماعية التي مرت بها مصر في القرون الأولى للمسيحية. تميزت هذه العمارة بقدرتها على التعبير عن العقيدة المسيحية القبطية من خلال عناصرها المعمارية والزخرفية. وعند التحدث عن العمارة القبطية يجب أن نشير لمعنى كلمة قبطى في البداية، إن كلمة قبطى هى كلمة عربية نسبة إلى "قبط" التى زيدت عليها ياء النسبة العربية. أما كلمة "قبط" أو "جبت" Kypt و التى تدل على سكان وادى النيل من المسيحيين حالياً فهى مشتقة من اللفظ اليونانى "إيجيبتوس " الذى أطلقه قدماء الإغريق على مصر ثم الرومان وكلمة "AIYUTTOS" هى فى الأصل ترجع إلى الاسم المصرى القديم، والذى عرف من ضمن المجموعة الثانية من الأسماء التى أطلقت على مصر فى عصر الدولة الحديثة وهو (حت- كا-بتاج ) الذى هو فى الأصل اسم لأحد أشهر معابد الإله بتاح فى منف (ميت رهينة حالياً، مركز البدرشين -الجيزة) والذى أقيم فى الدولة الحديثة ولاتزال أطلاله باقية حتى الآن وهو يعنى" مقر قرين الإله بتاح".
والظاهر أن المصرى القديم كان يطلق اسم العاصمة منف مجازاً على مصر كما هو الحال فى أيامنا هذه حيث تسمى المحافظة باسم عاصمتها. وعندما وفد العرب إلى مصر وجدوا صعوبة كبيرة فى نطق " إيجوبتى" فنطقوها "أيقوبطى" وقبطى...و من هنا نستدل أن أهل مصر هم القبط سواء كانوا مسيحيين او مسلمين أو يهوداً.
بداية وجود فكرة إنشاء الكنائس:
لم يكن بالعهد الجديد كنائس مشيدة إذ كان المؤمنون يجتمعون في أي مكان يهيأ لهم للصلاة وإقامة القداس، وأول هذه الأمكنة العلية في بيت مرقس الرسول بأورشليم، وذلك نظراً لأن الضيقات الشديدة التي انتابتهم والعذابات المروعة التي لاقوها جعلتهم لم يتمكنوا من بناء أمكنة خاصة للعبادة، وحدا بهم ذلك إلى استعمال بيوت بعضهم بعضاً عندما تهيأت لهم فرصة يكونون فيها بمأمن مطاردة المستبدين. وفي حالة هروبهم من أمام الطغاة أو الحكم عليهم بالنفي كانوا يجتمعون في أي مكان للعبادة ويسمونه "كنيسة" ونظرا لأن الكنيسة الأولى كانت مضطهدة لذلك جعلوا من المغارات والسراديب في بعض الاحيان كنائس ، وكثيراً ما كانت المغائر متصلة بسراديب سرية في جوف الأرض تنتهي إلى مكان لإقامة الصلاة على الراقدين.
ولكن لما انتشرت المسيحية وعلا شأنها ولما شعروا بالطمأنينة والاستقرار قاموا بتشييد أماكن العبادة حيث أصبح يوجد في كل مدينة كنيسة يجتمع فيها الشعب ولها أسقف خاص بها، ولما ازداد عدد المسيحيين، شيدت كنائس أخرى في نواحي متعددة وكان يتولاها الأسقف بنفسه، وهكذا تزايد عدد الكنائس وبالأخص في عهد البابا ثاؤفيلس البطريرك الـ 23 من تعداد البطاركة فى مصر إذ عندما كثر المؤمنون وضاقت بهم الكنائس طلبوا إليه تحويل معابد الأصنام الموجودة إلى كنائس فسعى لذلك حتى وضع يده عليها بأمر الملك ثيؤدوسيوس الكبير فحولها جميعها إلى كنائس حتى ضرب به المثل " كثاؤفيلس باني الكنائس" .
ومن قبل ازداد عدد الكنائس في أورشليم أيضاً بأمر الملكة هيلانة والدة الامبراطور قسطنطين الكبير التي شيدت كنيسة المهد وكنيسة القيامة وكنيسة البشارة.
أما عن بداية العمارة الدينية القبطية في مصر والممثلة في الكنائس، فقد بدأت منذ دخول المسيحية إلى مصر وانتشارها على يد القديس مرقس الرسول الذى جاء إلى مصر في منتصف القرن الأول الميلادى، وبدأ يجوب بشوارع الإسكندرية ليبشر بالديانة المسيحية الجديدة. وبعد تزايد عدد المؤمنين بنى لهم كنسية فى المنطقة الشرقية من الإسكندرية عرفت باسم "بوكاليا" وهى تعنى "دار البقر". وقد قيل أنها سميت كذلك لأنها كانت حظيرة للبقر أو لأنه كانت تنبت فى ذلك المكان حشائش وأعشاب برية وكانوا يرعون فيها البقر أو المكان المخصص لجز صوف الأغنام والماعز وموضعها الآن هو الكنيسة المرقسية بالإسكندرية.
وفى القرن الرابع الميلادى بدأت تظهر الرهبنة القبطية بمصر على يد القديس الأنبا أنطونيوس أبو الرهبان وهى الرهبنة التوحدية وكذلك ظهرت بصعيد مصر الرهبنة على يد القديس الأنبا باخوميوس أب الشركة. ومع ازدياد الأعداد الرهبانية بدأت تظهر التجمعات الديرية المختلفة، وأصبح للأديرة مكونات معمارية واضحة ومميزة حيث يكون الدير عبارة عن بناء رباعي الاضلاع (قد يكون مربعاً أو مستطيلاً) ويحيط به سور مرتفع مزود بمدخل، ويضم بداخله مجموعة من المباني تشمل: حصنا كبيرا، وعددا من القلالي، وكنيسة، أو أكثر (بالإضافة إلى كنائس اخرى صغيرة chapels، وقاعة طعام (مائدة) ومطبخ ومكتبة وقصر (دار الضيافة) ، هذا بالإضافة إلى وجود بئر لتوفير المياه ومعاصر، ومطاحن ومخازن ووحدات أخرى كالحدائق والحظائر والبساتين والإسطبلات.
وقبل التحدث عن الطرز المختلفة للكنائس بمصر، يجب أن نبرز التأثيرات المصرية القديمة على العمارة القبطية.
التأثيرات الفرعونية على العمارة القبطية:
- إن الشكل المستطيل المتبع بالكنائس متأثر بالمعبد المصري القديم (مع المعمودية والسلالم) ويختلف إن كان في الصخر. فالبازيليكا ربما سليلة صالة الأعمدة في المعبد المصري القديم (بهو الأعياد في الكرنك والذى انشأه الملك تحتمس الثالث) وقد ربط Vitruvius أيضا بين البازليكيا والقاعات المصرية وخاصة قاعة الأعمدة والبعض يرى انهم ظاهرياً مرتبطون وليس واقعياً حيث إنها مأخوذة من ساحة العدل عند الرومان. نجد اعتقاد بأن مباني الكنائس الأولى فيما بعد الحرية للعبادة قد تأثرت بالإقليم المقامة فيه فسكان الساحل يستخدمون الحجر الموجود في البيئة أما الطمي والطوب النيئ فنجده في مصر العليا.
- المداخل الجانبية والحوائط الحاجزة (المدخل المنكسر) يعطى تأهب واستعداد للكنيسة وفي الكنائس الأولى لم نجد مدخلا مواجها للهياكل مباشرة وكان يعلو المدخل قبة على مربع والحوائط الجانبية فقد أخذت من المعابد المصرية من العمارنة الذين استخدموها لحجب المدخل المحوري الذي يؤدي للأماكن المقدسة (مثال كنائس النوبة، بازيليكا دندرة، منطقة البجوات)
- وجود اللقان والمغطس بجوار المدخل في الكنائس القديمة نجد حوض مماثل في المعابد الفرعونية فى الفناء للتطهير.
- بالنسبة للنوافذ والفتحات الموجودة أعلى الحائط أو في القباب فهي مأخوذة من الن الفرعوني الذي كان من عادته إنارة الاماكن المقدسة بواسطة إضاءة علوية.
- الحوائط كانت تبيض من الداخل والخارج ولكن كثيرا ما تختلف الحوائط الداخلية عن طريق استخدام الجص أو الجبس كثير الألوان. ولم يكن الفنان القبطي يهتم بالحوائط الخارجية مثل أسلافه القدماء لأنه كان يحيط المنشأ بواسطة حائط مرتفع وسميك ومائل مثل الموجود في المعابد الفرعونية.
- وجد الكورنيش الفرعوني أعلا الواجهة الخارجية مثلما نجده في دير الأنبا شنودة رئيس المتوحدين بسوهاج (الدير الابيض) ودير الأنبا بيشاي (الدير الاحمر) كما تأثر القبط بالفراعنة في تصميم أعتاب الابواب.
- القبة فوق المذبح Ciborium ، Baldachin أصبحت تطلق على البناء على بيت القربان في الكنائس الرومانية وعلى عرش الحكام المصريين في الدولة الحديثة نجد مظلة Ciborium.
كذلك تأثرت العمارة القبطية بالعمارة الرومانية في وجود الحنيات الكبيرة أو الصغيرة ووضع الحنية الكبيرة في نهاية الهيكل لشد الانتباه ناحيتها.
- وجود الطابق العلوي بالكنيسة فوق الممرين الجانبين والذي يتم الصعود إليه بسلالم عند الزوايا القائمة للمبنى ربما اقتبس من المعابد المصرية من الفترة البطلمية.
- والـAtrium أى الفناء بالكنيسة ربما مستمد من الحوش بالبيت اليونانى والروماني، وكان وجوده نادراً في كنائس مصر وهذا واضح في منطقة أبو مينا الأثرية بمريوط.
- العقد الانتصاري أو قوس النصر هو قوس النصر القائم بذاته فى العمارة الرومانية وهو العقد القائم فوق مدخل الحنية أو الشرقية بالكنيسة ومنذ القرن الثاني بنى الرومان مثل هذه العقود تخليدا لذكرى أحداث سياسية وانتصارات وكانت تقام على الطرق ومن تحتها ممر واحد وأحيانا 3 مرات ووصف في الكنائس القبطية العقد الذي يفتح الحنية بقوس النصر أو العقد الانتصار ابتداء من بداية القرن التاسع الميلادي وهو استعارة من العمارة الرومانية ومنها جاءت فكرة كنائس الـ Transept.
- منطقة الأكليورس Presbytery هي معناها أن الارض ترتفع بواسطة عدة درجات أو سلالم ويطلق عليه Bema وهي كلمة يونانية تعني الأرض المرتفعة وكان يحوطها حاجز يفصلها عن باقي فراغ الكنيسة المتروك للعبادة.
أما عن عمارة وطرز الكنائس القبطية:
يكاد ينحصر تخطيط الكنيسة عامة في عدة أنواع رئيسية منها التخطيط البازيليكي والتخطيط البيزنطي والتخطيط القبطي والتخطيط الصليبى، ويوجد مميزات تجمع بين الثلاثة طرز وأخرى تختلف على كل طراز.
والواقع أن الكنيسة المصرية قد أخذت عناصرها من الطرازين البازيليكي والبيزنطي إذ لا نكاد نجد كنيسة مصرية واحدة اقتصرت على طراز بعينه، بل جمعت في معظم الأحيان بين طرازين أو ثلاثة طرز. فاعتباراً من القرن الرابع صار المسيحيون يبنون كنائسهم على الطراز البازيليكي أو البيزنطي.
والتخطيط البازيليكى هو عبارة عن بناء مستطيل يقع مدخله في الناحية الغربية وتكون الكنيسة من الداخل مكونة من ثلاثة أروقة رأسيه أكثرها اتساعاً وارتفاعاً الرواق الأوسط عن الرواقين الجانبين، بواسطة صفين من البائكات. في الناحية الشرقية توجد حنية الكنسية الرئيسية أوشرقيتها على شكل نصف دائري في معظم الأحيان حيث كان يوضع بهذه الحنية كرسي الأسقف، على جانبه مدرج رخامي لبقية رجال الدين، يقابل الحنية في الضلع الغربي من البناء على نفس محور الحنية باب الكنيسة الرئيسي.
أما عن التخطيط البيزنطى فهو مربع الشكل، حيث تمتاز الكنائس البيزنطية بأستخدام القباب domes في تغطية كثير من مساحتها خاصة استخدام القبة المركزية الشاهقة الارتفاع والتي كان لها الدور الرئيسي في تغطية المساحة الرئيسية في الكنيسة البيزنطية. بالإضافة إلى استخدام أنصاف القباب semi-domes والقباب الصغيرة والأقبية vaults المختلفة الأشكال. لقد ترتب على وسيلة التغطية في الكنيسة البيزنطية بالسقوف المقببة، إن حل الإيوان المربع محل الرواق المستطيل في الكنيسة البازيليكية.
أصبح على كل جوانب المربع (ممرا) قصيرا يغطيه قبو وبذلك يصبح مسطح الكنيسة على شكل صليب بحيث يتجه النظر مباشرة في الكنيسة البيزنطية نحو القباب بدلاً من أن يتجه في الكنيسة البازيليكية نحو الحنية الرئيسية.
ويعتبر التخطيط القبطي مزيجاً من العناصر المعمارية البازيليكية، بالإضافة إلى بعض العناصر المعمارية المحلية. والواقع ان تخطيط الكنيسة المصرية قائم في جوهره على البازيليكا وهو الأمر الذي يوجد في معظم الكنائس المصرية.
ولعل التغيرات المعمارية التي طرأت على جوهر التخطيط البازيليكي في النهاية الشرقية من جسم الكنيسة (الهياكل) هو أهم ما تتميز به الكنيسة القبطية سواء في النوع المستطيل أو في النوع المربع عن الكنائس الغربية الأخرى.
وقد تعرضت العمارة الكنسية القبطية للعديد من التحديات عبر العصور، مثل الغارات المستمرة، والإهمال، والتحطيم، مما أدى إلى فقدان العديد من المباني والآثار القبطية. ومع ذلك، لا تزال بعض المباني الديرية والكنائس تحتفظ بشكلها الأول الأصيل، مما يسمح بدراسة أساسيات المعمار القبطي.
لذا تُعد العمارة القبطية المسيحية في مصر شاهدًا حيًا على التفاعل الحضاري والديني والثقافي الذي شهدته البلاد عبر العصور. ومن خلال دراسة هذه العمارة، يمكن فهم تطور الفنون المعمارية والدينية في مصر، وأهمية الحفاظ على هذا التراث الفريد للأجيال القادمة.