رئيس مجلس الادارة

عمــر أحمــد ســامي

رئيس التحرير

طــــه فرغــــلي


قبل فوات الأوان بين "زد" و"ألفا".. كيف تتشكل هوية وثقافة المواطن الرقمي؟!

6-4-2026 | 12:22


الكاتب الصحفي طه فرغلي - رئيس التحرير

طه فرغلي,

ضجيج لا ينقطع، وعالم صاخب، وتطور تكنولوجي متسارع بلا حدود، نقف على أطراف أصابعنا، نعض بالنواجذ على هويتنا وقيمنا وحضارتنا وتاريخنا، ثابتون على مبادئنا، ندافع عن وطننا بكل ما أوتينا من قوة.

وسط هذا الخضم المتلاطم ينشأ جيل جديد بفكر مختلف بين عواصف وأنواء التكنولوجيا، جيل رقمي تختلف رؤيته كليا بحسابات الأرقام والزمان، نشأ بالكامل في قلب محيط هادر، وخورازميات تمخر في عبابه تشق طريقها باندفاع هائل لا تلوى على شيء وغير قابلة للترويض البشري، وذكاء اصطناعي يسد الأفق ويحجب الرؤية السديدة ويفرض قوانينه الجديدة ويحاول أن يتسيد ويصبح صاحب الكلمة العليا في مجالات عديدة.

ينشأ أبناؤنا مواليد 1997 – 2012 وما بعدها من سنوات ليس على ما اعتادوه في البيئات التقليدية "البيت – المدرسة.... إلخ"، ولكن ما شبوا عليه في البيئة الرقمية التي تحاصرهم من كل اتجاه، مواطن رقمي تفتحت عيناه على أضواء الشاشات، يبكى صغيرا فتلقمه أمه هاتفها المحمول ليسكت مبهورًا وتجلس هي هادئة البال، فيفطم الصغير على شاشة صغيرة تبقى في يده من لحظة الفطام إلى البلوغ، فيبلغ الفتى رقميا تشكلت هويته عبر الشاشات.. وينشأ ناشئ الفتيان على ما عودته الشاشات تحريفا لبيت الشعر الشهير "وينشأ ناشئ الفتيان منا على ما كان عوده أبوه".

جيل زد ومن بعده جيل ألفا وما بعدهما من أجيال تحتاج منا نحن الآباء والأمهات أن نتعلم مبكرا كيف نتعامل معهم، هذه أجيال لم تخلق لزماننا، لذلك لابد أن نفهم كيف يمكن أن تتشكل هويتهم وثقافتهم وفقا لمعطيات مختلفة بعيدًا عن الدرس والتلقين التقليدي، هذه أجيال مختلفة ولا يصلح معها تعامل بأساليب قديمة، فقبل أن نعلمهم ونقف على تشكيل ثقافتهم لا بد أن نتعلم نحن أولا أدواتهم لنعرف كيف نتعامل معهم بلغتهم وطريقتهم.

يجلس الابن ملاصقا لأبيه وأمه، يمسك شاشته متوحدا معها، ولا يدرى الأب والأم ماذا يفعل الابن الجالس بجوارهما، مع من يتواصل؟!، وممن يتعلم، وماذا يتلقي، وأي ثقافة يقضي معها ساعات طويلة وأى مخاطر محتملة تحدق به، وعلى ماذا يراهن ويلعب، ومن يلعب معه.

تعيش هذه الأجيال عالمًا بلا جدران تحمى وتقى، يقضون ساعات طويلة في "الطل" بدون سقف، يتلقون السهام الرقمية من كل اتجاه بلا رحمة ولا هوداة.

"الهلال" انطلاقا من دورها تناقش هذه القضية الخطيرة في ملف رئيسي هذا الشهر، يحاول كتابها البحث عن إجابات لأسئلة حائرة عن كيفية التعامل مع المواطن الرقمي وتشكيل هويته الثقافية ووعيه وانتمائه الوطني، فنحن مطالبون بالسرعة في التعامل مع هذه الأجيال، تماشيا واتساقا مع نفس السرعة التي يتعاملون بها مع الشاشات الرقمية ومنصات تكنولوجية لا ترحم.

علينا دور كبير في معرفة كيف نثقف هذه الأجيال ونبصرهم ونبني وعيهم بقضايا الوطن وثوابته وحضارته وهويته، والتحديات التي يواجهها، نحن مطالبون أن تعرف هذه الأجيال ما تعرض له الوطن من مؤامرات وأحداث عقب 2011 وحتى 2013، والحرب الشرسة، التي خاضها ضد جماعة الإخوان الإرهابية الغاشمة التي كان هدفها هدم الوطن، والثمن الذي دفعه الأبطال لحمايته والبقاء قويًا وسط محيط هادر عاصف ومخاطر محدقة من كل الاتجاهات الاستراتيجية، وفي وقت سقطت فيه كثير من الدول حولنا، لا بد أن تعرف هذه الأجيال قصص من ضحوا بأرواحهم حتى يعيشوا في وطن آمن يمارسون حياتهم في عالمهم الرقمي مطمئنين.

مسؤوليتنا كبيرة تجاه هذه الأجيال، فخلال سنوات معدودات ستكون هي المسؤولة عن حماية الوطن وأرضه والوقوف في وجه المخططات والمؤامرات المحدقة به من الاتجاهات كافة.

تشكيل هوية وثقافة هذه الأجيال بعيدا عن العالم الرقمي تحتاج تضافر وجهود كل المؤسسات الرسمية وغير الرسمية وخريطة واضحة تتضمن خطة عمل فاعلة وملزمة وفقا لطبيعة العصر والتطور التكنولوجى المتسارع حتى ينشأ أبناء هذا الوطن أمام أعيننا وتحت أبصارنا وليس خلف الشاشات والهواتف.

وهناك تحرك الآن لإعداد تشريع لحماية النشء والمراهقين من مخاطر الفضاء الإلكتروني وتنظيم استخدامهم لمنصات التواصل الاجتماعي، وسبق هذا قرار حجب منصات بعض الألعاب الإلكترونية مثل "لعبة روبولوكس" لحماية المراهقين من المحتوى العنيف ومخاطر التنمر والتحرش، بعد أن تم رصد تحولات مقلقة في سلوكيات الأطفال والمراهقين إثر استخدام هذه المنصة الملعونة.

الإسراع مطلوب في تقنين استخدام الفضاء الإلكتروني والرقمي للنشء والمراهقين، وإذا كان على المؤسسات الرسمية دور كبيرة، فالأسرة عليها الدور الأكبر في حماية أبنائها وأطفالها ومراقبة استخدامهم للهواتف المحمولة والشاشات وألا تتركهم فريسة سهلة للعالم الرقمي وأمراضه النفسية والعضوية وليس أقلها "تعفن الدماغ".