صلاح جاهين.. موج ثائر في وجه الزمن لا يهدأ
حالة نادرة لا تُفهم بالشرح بقدر ما تُستشعر، حضوره أقرب إلى نفس دافئ يمر في الذاكرة فيترك أثرًا لا يُرى لكنه يُحس، فيه بساطة تخدعك في البداية، ثم تكتشف أنها تخفي عمقًا واسعًا يشبه البحر حين يبدو ساكنًا وهو في الداخل ممتلئ بالحركة والمعنى، إنه عمنا صلاح جاهين، كان ينظر إلى الحياة بعين لا تكتفي بما هو ظاهر، بل تبحث عما خلف التفاصيل الصغيرة من ضحكة عابرة، جملة في الشارع، لحظة إنسانية بسيطة، ثم يعيد تشكيلها لتصبح شيئًا أكبر من لحظتها.
فيه خفة تجعل كلامه قريبًا من القلب، لكن خلف هذه الخفة يقف فكر يقظ، وروح تعرف كيف تلمس الإنسان دون أن تُثقل عليه، كأنه يكتب وهو يبتسم، ويبتسم وهو يطرح أسئلة عميقة لا تُقال مباشرة، بل تُترك لتعيش داخل القارئ.
ولد صلاح جاهين في 25 ديسمبر 1930، في شارع جميل باشا بشبرا بالقاهرة، ودرس الفنون الجميلة قبل أن يلتحق بكلية الحقوق، كما تزوج مرتين، الأولى من سوسن محمد زكي وأنجب منها أمينة وبهاء جاهين الشاعر، والثانية من منى جان قطان وأنجب منها سامية جاهين عضو فرقة إسكندريلا الموسيقية.
تميز صلاح جاهين بإسهاماته الكبيرة في السينما المصرية، فقد أنتج عدة أفلام منها «أميرة حبي أنا» و«عودة الابن الضال»، وكتب سيناريوهات ناجحة مثل «خلي بالك من زوزو» الذي تجاوز عرضه 54 أسبوعًا متتاليًا، بالإضافة إلى أعمال مثل «شفيقة ومتولي» و«المتوحشة». ولم يقتصر عمله على الإنتاج والكتابة، بل دخل عالم التمثيل وشارك في أفلام مثل «شهيد الحب الإلهي»، «لا وقت للحب»، «المماليك» و«اللص والكتاب».
كما كان صلاح جاهين رسام كاريكاتير في جريدة الأهرام، حيث اشتهرت رسوماته بخفة الظل والنقد البناء، وكان له باب ثابت في الجريدة يتابعه الجمهور بشغف. أما رباعياته الشعرية، فقد حازت على شهرة واسعة وبلغت مبيعاتها أكثر من 125 ألف نسخة خلال أيام، ولحنها سيد مكاوي وغناها علي الحجار، وعرض التلفزيون المصري رباعياته في 21 أبريل 2005 بمناسبة مرور 21 عامًا على وفاته.
ألف جاهين حوالي 161 قصيدة، من بينها «على اسم مصر» و«تراب دخان»، كما كتب أشهر أوبريت للعرائس في مصر «الليلة الكبيرة»، مؤكدًا بذلك مكانته كأحد أبرز فناني مصر وأكثرهم تأثيرًا في الثقافة والفن المصري الحديث.