"الأرضُ الْمُبـاركـة".. موضوع خطبة الجمعة
تأتي خطبة صلاة الجمعة، اليوم، تحت عنوان:"الأرضُ الْمُبـاركـة"، حيث تتناول قيمة أرض سيناء في القرآن الكريم، بينما تشدد الخطبة الثانية على عدم الإغلاء في المهور.
وفيما يلي نص خطبة صلاة الجمعة:
الحمدُ للهِ الذي جَعلَ مصرَ كِنانتَهُ في أرضِهِ، وبسطَ عليها رِداءَ أمنِهِ وفضلِهِ، وأشهدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ لهُ، اصطفَى من بِقاعِ الأرضِ سيناءَ لتكونَ مهدًا للرسالاتِ، ومُستقَرًّا للبركاتِ، ومُلتقًى للأنوارِ والتجلياتِ، وأشهدُ أنَّ سيدَنا محمدًا عبدُهُ ورسولُهُ، الذي أُسريَ بهِ فكانتْ سيناءُ في طريقِهِ محطةً للقدسيّةِ والضّيَاءِ، صلّى اللهُ عليهِ وعلى آلِهِ وصحبِهِ الأوفياءِ، أما بعدُ، فيا عبدَ اللهِ:
١- قِفْ بخشوعٍ عندَ ذكرِ سيناءَ، فهيَ الأرضُ التي ارْتَدَتْ حُللَ الجلالِ، وتزينتْ بتِيجانِ الهيْبةِ والجمالِ، هيَ الفيروزُ في عِقدِ الوطنِ، والدرعُ الحصينُ على مرِّ الزمنِ، فيها صمتَتِ الكائناتُ لتسمعَ كلامَ ربِّ العالمينَ، واهتزتِ الجبالُ فرقًا من هيبةِ الحقِّ المبينِ، فترابُها مِسكٌ عبيرٌ، وتاريخُها مجدٌ أثيرٌ، وفضلُها على القلوبِ كبيرٌ، فمن زارَها استشعرَ الطمأنينةَ في أركانِها، ومن قرأَ تاريخَها رأى العِزةَ في سكانِها، فهي موطنُ القداسةِ والإجلالِ، ومَنبعُ البُطولةِ والرجالِ، فسِرُّ بركاتِها في هذا النداءِ الإلهيِّ: ﴿إِنِّيٓ أَنَا۠ رَبُّكَ فَٱخۡلَعۡ نَعۡلَيۡكَ إِنَّكَ بِٱلۡوَادِ ٱلۡمُقَدَّسِ طُوٗى﴾.
٢- استشعِرْ في رحابِ سيناءَ جلالَ المكان، واستنشِقْ من أرجائِها قُدسيَّةَ الزمانِ، وتأمّلْ بعينِ البصيرةِ في قدسيّةِ أرضِ التجلي الأعظمِ، حيثُ تجلّى عليها ربُّها بصفاتِ الجلالِ والجمالِ، فما ذُكِرَ في القرآنِ الكريمِ جبلٌ كما ذُكِرَ جبلُها، ولا عُظِّمتْ في الوادي المُقدسِ رِمَالٌ كما عُظِّمتْ رمالُها؛ فهيَ الأرضُ التي تشرَّفتْ بسماعِ الكلامِ القديمِ، والبلدُ الذي أقسمَ بهِ الحقُّ - سبحانهُ - بأعلى مراتبِ التفخيمِ، فقِفْ هنالكَ خاشِعًا أمامَ جبَلِ الطورِ، مُستحضِرًا هَيْبةَ النداءِ في ذلكَ النورِ؛ واجعلْ في قلبِكَ إجلالًا لتُرابٍ اختارَهُ اللهُ مَوْطِنًا لعظيمِ آياتِهِ، واصطفاهُ - سبحانهُ - مُنطلَقًا لرسالاتِهِ ومحرابًا لنبواتِهِ، واعلمْ أنَّ التعلقَ بسيناءَ من صادِقِ اليقينِ، فهيَ البُقعةُ التي باركَها ربُّ العالمينَ، وحماها بمَددٍ من عندِهِ متينٍ، وكفَى بها شرفًا وفخرًا، وعلوًّا وذكرًا، أنَّ اللهَ - جلَّ وعلا - قرنَها بمقدّساتِ الأمّةِ، وجعلَها مَنبعًا للرحمةِ، وعظَّمَ قدرَها في الكتابِ المسطورِ حينَ قالَ: ﴿وَٱلتِّينِ وَٱلزَّيۡتُونِ * وَطُورِ سِينِينَ * وَهَٰذَا ٱلۡبَلَدِ ٱلۡأَمِينِ﴾.
٣- أيقنْ بعظمةِ التضحيةِ والفداءِ، وحُرمةِ الترابِ، واعلمْ أنَّ سيناءَ هي دِرعُ الأمةِ وحصنُها الحصينُ، وأنَّ الوقوفَ على ثغرِها طاعةٌ يُتقرَّبُ بها إلى ربِّ العالمينَ، فقد جعلَ اللهُ في الروحِ حُرمةً، وفي أرضِ سيناءَ عرضًا وصيانةً، فمن ماتَ دونَ أرضِها فهو شهيدٌ، ومن عاشَ يبنِيها ويعمِّرُها فهو في جِهادٍ مَجيدٍ، فسيناءُ هي مَجمعُ البحرينِ، ومُلتقى القارّتينِ، وهيَ الأمانةُ التي تسلمتْها الأجيالُ جيلًا بعدَ جيلٍ، لتبقى رايتُها خفّاقةً بالسّلامِ والإسلامِ، ولقدْ تعلَّمنا من تضحياتِ أبطالِنا في سيناءَ أنَّ الوطنَ لا يُصانُ إلا بدماءِ أبنائِهِ، وأنَّ العِزةَ تُبنى بالصبرِ والإيمانِ والعملِ الصادقِ الدؤوبِ، فإيّاكَ أن يغيبَ عنكَ أنَّ صونَها واجبٌ، وتعميرَها فرضٌ، والذودَ عن ذرّةِ رملٍ منها هو ذودٌ عن حِياضِ الدينِ والوطنِ، وفي ذلكَ يقولُ النبيُّ ﷺ: «عينانِ لا تمسُّهما النارُ: عينٌ بكتْ من خشيةِ اللهِ، وعينٌ باتتْ تحرسُ في سبيلِ اللهِ».
٤- استبشِرْ بمستقبلِ النّماءِ وعمرانِ الأرواحِ، وانظرْ إلى سيناءَ اليومَ وهيَ تنفُضُ عنها غُبارَ التعبِ لترتديَ ثوبَ النماءِ والبناءِ، فالمؤمنُ لا يرى في الأرضِ يباسًا بل يرى فيها وعدَ اللهِ بالخُضرةِ والخيرِ، فاجعلْ من يقينِكَ بقدسيّةِ هذهِ الأرضِ دافِعًا للعملِ والإتقانِ، واعلمْ أنَّ يدًا تزرعُ في سيناءَ هيَ يدٌ يحبُّها اللهُ ورسولُهُ، وأنَّ عقلًا يفكِّرُ في رفعتِها هو عقلٌ مستنيرٌ بنورِ الشريعةِ، فسيناءُ كانتْ ولا تزالُ أرضَ الفيروزِ والبركةِ، ومُنطلقَ الإبداعِ والحضارةِ، فكنْ ممن يُسْهِمُ في كتابةِ تاريخِها الجديدِ، واثقًا بنصرِ اللهِ، مُستظلًّا بظلالِ رحمتِهِ، مُدركًا أنَّ من حافظَ على أمانةِ الأرضِ حفِظَهُ اللهُ في يومِ العرضِ، مُستبشرًا بقولِهِ تعالى في وصفِ بركاتِ هذهِ البقعةِ: ﴿وَشَجَرَةٗ تَخۡرُجُ مِن طُورِ سَيۡنَآءَ تَنۢبُتُ بِٱلدُّهۡنِ وَصِبۡغٖ لِّلۡأٓكِلِينَ﴾.
الحمدُ للهِ وكفَى، وصلاةً وسلامًا على عبدِهِ المصطفى، وعلى آلهِ المستكملينَ الشرفَ، أما بعدُ:
فيا عبادَ اللهِ، لَا تُغالُوا في المهورِ، واعلمُوا أنَّ مسؤوليتَنا تجاهَ شبابِنا تقتضي مدَّ يدِ المعونةِ، والمُسارعةَ إلى تخفيفِ المؤونةِ، فكلُّ درهمٍ يَرفُقُ بشابٍّ يرومُ الحلالَ، هو لَبِنَةٌ في صَرْحِ السكينةِ وراحةِ البالِ، فاستعيدوا هَيبةَ التواضعِ في مظاهرِ الأفراحِ، واجعلوا من بيوتِكم واحاتٍ للسكينةِ والانشراحِ، تفيضُ سَمْتًا وأدبًا، وتجتنبُ صخبًا، وترتقي بالنفوسِ عن مَباذلِ الاستعراضِ، وتصونُ القلوبَ عن زائلِ الأغراضِ، قالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلمَ: «يَسِّرُوا ولَا تُعسِّروا».
اجعلوا التيسيرَ لهم منهجًا وعُنوانًا، فبنتُكم في أعناقِكم أمانةٌ غاليةٌ، وسعادتُها في نفسٍ تقيّةٍ وصافيةٍ، في رجلٍ يرعى فيها حقَّ اللهِ والذمةِ، ويحفظُ لها مُقتضياتِ المودةِ والإكرامِ، فاعمُروا قلوبَهم بالثقةِ والرضا، وكونُوا سَدًّا يمنعُ عنهم قلقًا مضى، واحمُوا حياتَهم من شقاءِ التطلُّعاتِ الزائفةِ، وجنبُوهم مَرَارَةَ الديونِ الجارفةِ، فالتيسيرُ أمانٌ، والرفقُ ضمانٌ، والوفاءُ عُنوانٌ، والصدقُ برهانٌ، قالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلمَ: «إذَا جَاءَكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ دينَهُ وخلقَهُ فزوِّجوهُ».
أيها المكرّمونَ: لنجعلْ من تيسيرِ المهورِ ميثاقًا أخلاقيًا، ومن خفِضِ التكاليفِ نهجًا حضاريًّا، يعيدُ للمجتمعِ توازنَهُ المفقودَ، ويفتحُ للشبابِ أبوابَ الكرمِ والجودِ، فباليسرِ تدومُ النعِمُ، وبالقصدِ تستقرُّ الأممُ، وبالبساطةِ يسكنُ الوجدانُ، وبالقناعةِ يطمئنُّ الإنسانُ، استجابةً لقولِهِ تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُواْ عَلَى ٱلۡبِرِّ وَٱلتَّقۡوَىٰۖ﴾.
حفِظَ اللهُ مصرَ وأهلَها ومقدراتِها وخيرَها وبركتَها من كلِّ مكروهٍ وسوءٍ.