ما بين الدولة الصلبة والدولة السائلة طريق واحد بدايته ونهايته الحفاظ على قوة الدولة الوطنية، هذا هو النداء المصرى الأمين منذ سنوات طويلة، وقت أن بدأت أحداث غاشمة على منطقتنا ودولنا لم تكن أبدًا ربيعًا ولا عربيًا، ولكنها كانت بمثابة عواصف مصنعة داخل دهاليز أجهزة لهدم الدول وإثارة الفوضى وإعادة صياغة وتشكيل المنطقة بأكملها أشبه باتفاق "سايكس – بيكو" جديد –هذا الشهر تحل ذكرى مرور 110 أعوام على هذا الاتفاق المشؤوم وداخل "الهلال" ملف خاص يقرأ دروس التاريخ علنا نستفيد بعبره في الحاضر- وفصوله تتوالى أمام ناظرينا حقيقة تجسدها الأحداث على الأرض.
مصر الدولة الصلبة القوية كانت سابقة وسباقة في كشف المخطط المشؤوم المرسوم للمنطقة بأسرها خدمة لمشروع الكيان الصهيوني، وأهداف دولة الاحتلال التوسعية وأوهامها في إسرائيل الكبرى وهيكلها المقدس المزعوم.
انتبهت مصر مبكرًا لما يحاك ضد دول المنطقة ومخططات إسقاط وتفتيت الدول الوطنية، وصدح الصوت المصري عاليا ينطق بالحق وفي أكثر من محفل إقليمي ودولي وعلى مدار السنوات الماضية شدد الرئيس عبد الفتاح السيسي على ضرورة
تعزيز دور الدولة الوطنية ذات الهوية الجامعة، ودعم ركائز مؤسساتها الدستورية، وتطوير ما لديها من قدرات وكوادر وإمكانات ذاتية لتضطلع بمهامها وتحقيق الأمن وإنفاذ القانون ومواجهة القوى الخارجة عنه.
كانت مصر تبصر من بعيد إذا سقطت الدولة الوطنية، فالنتيجة الحتمية سيولة كاملة ليحل مفهوم الدولة السائلة، ويتجسد حقيقة مشؤومة يحصل عليها مواطنوها، ولكن بعد فوات الأوان.
في مفهوم علماء الاجتماع أبرز ملامح الدولة السائلة تآكل السلطة وفقدان القدرة على التحكم في الأحداث السياسية والاجتماعية والاقتصادية وتراجع دور الدولة وقدرتها على حماية مواطنيها وشؤونهم وسيطرة الفردية والقبلية والعصبية، ما يتحول معه الأمر إلى هشاشة المواطنة وفوضى المؤسسات وانقسامها، ما يعزز عدم الاستقرار وتصبح الدولة كيانا هشا وعرضة لكل تدخل خارجى.
انظر حولك جيدًا وطبق هذا المفهوم على المحيط الإقليمي ومنطقة الشرق الأوسط بأكملها، ستجد حتما ظلال هذا المفهوم ممتدة بلون أسود قاتم على خرائط المنطقة، التي تحولت بعض دولها إلى كيانات هشة تعاني سيولة مفرطة ولا تملك من أمر نفسها شيئًا كما هو المخطط الصهيوني.
في المقابل يبرز مفهوم الدولة الصلبة القادرة على تحقيق أهدافها وتأمين حدودها ومصالحها الاستراتيجية، وحماية أمنها القومى، تفرض كلمتها وترسم خطوطها التي لا يمكن تجاوزها، وتمتلك القوة الشاملة بمفهومها الواسع.
وتطبيقًا عمليًا لهذا المفهوم نجد مصر الدولة الصلبة في المنطقة السائلة، والقوة الحقيقية، التي أدركت مبكرا مخططات إضعاف الدول وتحويلها إلى كيانات هشة.
واضطلعت الدولة المصرية بدورها ومسؤوليتها في محيط مضطرب تتحرك بمفهوم حكمة القوة للحفاظ على مقدرات ومصالح الأشقاء في كل المنطقة العربية تتعامل بشرف مع الجميع، ولا تتآمر أو تخون حتى وإن لاقت العنت وتجرعت المرارة، يبقى هدفها الواضح حماية الأشقاء والحفاظ على مفهوم الدولة الوطنية.
أزمتان متتاليتان كان موقف مصر الدولة الصلبة يبرهن على كل ما سبق، أزمة غزة والعدوان الإسرائيلي الغاشم، وأزمة الحرب الإيرانية وتبعاتها الخطرة على المنطقة.
في أزمة غزة كانت مصر حائط الصد ضد مخططات دولة الاحتلال لتنفيذ مؤامرة التهجير القسري للفلسطينيين من أراضيهم وتفريغ القطاع، وأعلنت منذ اللحظة الأولى أن هذا المخطط لن يحدث وبمثابة خط أحمر، وفرضت مصر إرادتها الصلبة القوية ونجحت في إفشال المخطط المشؤوم، وكانت كلمتها هي العليا أمام العالم بأسره، ونجحت جهودها في التوصل إلى اتفاق وقف إطلاق النار والتهدئة.
وفى أزمة الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، والتي لا تزال تراوح مكانها دون التوصل إلى اتفاق كان موقف الدولة المصرية واضحًا بضرورة الوقف الفوري لهذه الحرب، وفى نفس الوقت دعم الأشقاء في الخليج والعراق والأردن، والتنديد بالهجوم الإيراني على الدول الشقيقة والرفض القاطع لأي مساس بسيادة الدول العربية دون مواربة أو مهادنة.
وعلى كل المحاور الاستراتيجية تتحرك مصر بمفهوم الدولة الصلبة لا تقبل أن يمس أمنها القومى أو مصالحها، وتضع بل وتفرض خطوطها الحمراء غير القابلة للتجاوز.
وستظل مصر الدولة الصلبة الركن الركين للأمن القومي العربي وحجر العثرة أمام مخططات الصهيونية العالمية، شاء من شاء وأبى من أبى ستبقى الرقم الصعب في المنطقة المستباحة.
وأستلهم في هذا الصدد ما قاله الرئيس عبد الفتاح السيسي في كلمته بمناسبة الذكرى الـ44 لتحرير سيناء: "أطمئنكم؛ بكل ثقة ويقين في الله تعالى، أنه مهما تعاظمت التحديات، وتفاقمت الصراعات والأزمات في محيطنا الإقليمي، فإن مصر؛ بعون الله سبحانه وتعالى، وبفضل تماسككم ووعيكم وتفهمكم، ستظل شامخة، عصية على الاختراق أو الانكسار".