د. طارق فهمي
تواجه منطقة الشرق الأوسط تحديات صعبة وخطيرة، فبعد انتهاء الحرب الراهنة في الشرق الأوسط تبرز تساؤلات حول ارتدادات ما جرى، وما يتعلق بمستقبل المنطقة العربية وتحالفات النفوذ الجديدة في إطار ما يجري، خاصة أن القوى المتربصة بالعالم العربي ستظل تبحث عن مصالحها الكبرى، ما يتطلب إعادة ترتيب الأولويات والمهام الكبرى، خاصة أن النظام الذي قادته الولايات المتحدة، ولا سيما نسخته الأكثر اندفاعًا نحو العولمة بعد الحرب الباردة، يقترب اليوم من نهايته. فهذا النظام يتعرض لضغط متزايد من الخارج، إذ تنظر إليه بكين وموسكو وشركاؤهما بوصفه عائقًا أمام طموحاتهم وتهديدًا لأنظمتهم السلطوية، ومن ثم يعملون على تقويض توازنات القوة والقواعد الأساسية.
إن قوى بنيوية هائلة ستدفع العالم في هذا الاتجاه؛ فقد ترتفع حدة التوتر بين الولايات المتحدة والصين أو تنخفض تبعًا لقمة هنا أو أزمة هناك. وقد يبدي الرئيس ترامب إعجابًا بالزعيم الصيني شي جين بينغ وتقديرًا له، لكن جوهر الصراع يزداد احتدامًا مع اصطدام طموح الصين إلى الهيمنة في التقنيات الحيوية والتجارة العالمية وغرب المحيط الهادئ بقوة الولايات المتحدة وما تتمتع به من امتيازات. وتميل صراعات القوى الكبرى بطبيعتها إلى استقطاب السياسة العالمية، حيث يشهد النظام الدولي تغيرًا جذريًا في توزيع القوة بين الدول، فالصين تعزز نفوذها الاقتصادي والعسكري والتكنولوجي، بينما تواصل الهند تعزيز قوتها الديموغرافية والاقتصادية، وفي الوقت نفسه تبرز روسيا كفاعل استراتيجي مؤثر يسعى إلى استعادة مكانته الدولية عبر توسيع نفوذه العسكري والاستراتيجي، وتحدي البنية الأمنية الغربية، خاصة بشرق أوروبا. وفي المقابل، تواجه القوى الغربية، خاصة الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، تحديات داخلية وخارجية تؤثر في نفوذها التقليدي. هذا التحول يخلق حالة من التنافس الجيوسياسي حول النفوذ في آسيا وأفريقيا والمنطقة العربية، ويعيد صياغة التحالفات الدولية، مما يؤدي إلى صعود عالم "متعدد الأقطاب" بدلًا من الهيمنة القطبية الواحدة.
كما يشهد النظام الدولي تحولًا عميقًا في بنيته ووظائفه، مع تراجع فعالية المؤسسات متعددة الأطراف، وتزايد النزعة نحو بناء ترتيبات وتحالفات إقليمية جديدة تتجاوز الإطار التقليدي لمنظمة الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي. فقد أدت المنافسة بين القوى الكبرى (الولايات المتحدة والصين وروسيا) إلى بروز تحالفات موازية مثل "بريكس" و"شنغهاي"، التي تعكس رغبة القوى الصاعدة في إعادة توزيع النفوذ وتعديل آليات صنع القرار الدولي. كما تتزايد أيضًا أهمية الفضاءات غير التقليدية (الفضاء السيبراني والفضاء الخارجي) كمجالات جديدة للتنافس الجيوسياسي، مما يعزز الاتجاه نحو نظام أكثر تعقيدًا وتعددية في مراكز القوة، بعيدًا عن النموذج الأحادي القطبية الذي ساد لعدة عقود.
ويشهد النظام الدولي في الوقت الراهن تصاعدًا ملموسًا في سباق التسلح التقليدي والنووي بين القوى الكبرى، مع تداعيات مباشرة على الأمن والاستقرار العالمي، حيث تعمل الدول الكبرى مثل الولايات المتحدة وروسيا والصين على تطوير وتعزيز قدراتها العسكرية التقليدية، بما يشمل الصواريخ الباليستية والفرط صوتية والطائرات المقاتلة والطائرات المسيّرة الحديثة والسفن والغواصات المتقدمة، بهدف تعزيز النفوذ الإقليمي والدولي ورفع قدرات الردع.
أما على صعيد التسلح النووي، فقد أعادت روسيا والولايات المتحدة تأكيد أهمية الترسانات النووية كوسيلة لردع الخصوم الاستراتيجيين، بينما تسعى دول مثل الصين وكوريا الشمالية إلى توسيع ترساناتها النووية وتحديثها، ما يخلق ديناميكية سباق نووي جديد. ويتسم هذا السباق بالخطورة الكبيرة، إذ لا يقتصر تأثيره على الأمن العسكري، بل يمتد إلى السياسة الدولية والاقتصاد، ويزيد احتمالات تصعيد النزاعات الإقليمية إلى صراع نووي محدود أو شامل.
وقد تزايدت الصراعات المسلحة والنزاعات الدولية، ومن أبرزها الحرب الروسية الأوكرانية، التي تشكل أكبر تهديد أمني لقارة أوروبا منذ الحرب الباردة، كما أدت إلى سباق تسلح جديد في أوروبا الشرقية ورفع ميزانيات الدفاع الأوروبية، بالإضافة إلى نشوب توتر بين روسيا وحلف الناتو، الأمر الذي برز من خلال مناورات عسكرية وتعزيز قوات واشتباكات بالوكالة وتهديدات نووية، وبما قد يؤدي إلى زيادة احتمالات الاحتكاك العسكري في بحر البلطيق والبحر الأسود.
إضافة إلى التوتر في بحر الصين الجنوبي نتيجة النزاعات بين الصين وبعض دول المنطقة (فيتنام، الفلبين، ماليزيا)، فضلًا عن تزايد مخاطر اندلاع مواجهة بين الولايات المتحدة والصين نتيجة التنافس على النفوذ البحري والصراع حول تايوان، التي تعد أحد أخطر بؤر التوتر العسكري عالميًا، مما قد يؤدي إلى احتمالات نشوب صدام عسكري بين الصين والولايات المتحدة وحلفائها بالمنطقة، خاصة اليابان. وكذلك التهديدات في شبه الجزيرة الكورية نتيجة الخلافات بين كوريا الشمالية والجنوبية، بالإضافة إلى تجارب كوريا الشمالية النووية والصاروخية، الأمر الذي يؤدي إلى إمكانية اندلاع مواجهة تهدد الاستقرار الإقليمي. كما يستمر تجدد الصراعات في منطقة جنوب آسيا، مثل الصراع الهندي الباكستاني حول كشمير، والصراع الباكستاني الأفغاني حول منطقة الحدود المشتركة.
كما تتصاعد التوترات في البحر الكاريبي، مع مخاطر نشوب مواجهة عسكرية نتيجة تصاعد التوتر بين الولايات المتحدة وبعض دول المنطقة، أبرزها فنزويلا، حيث كثفت الولايات المتحدة الحشود البحرية والجوية، بما فيها حاملات طائرات وسفن حربية وغواصات قرب السواحل الكاريبية.
ومؤخرًا، تبرز الحرب في الشرق الأوسط والمرتبطة بفك وترتيب التحالفات الجديدة ما بعد انتهاء الحرب على إيران، وتشكل بنية جديدة في التعامل السياسي والاستراتيجي، مع استمرار عدم الاستقرار ونشاط الجماعات الإرهابية في المشرق العربي (سوريا والعراق)، مما يزيد من خطر تسرب التطرف إلى مصر ويضغط على الأمن الإقليمي.
كذلك نشاط التنظيمات المتطرفة في شمال أفريقيا ومنطقة الساحل وشرق أفريقيا، بما يزيد من احتمالات تسلل خلايا إرهابية إلى مصر أو تهديد مصالحها الإقليمية. وأخيرًا، التحولات في موازين القوى العالمية وتأثيرها على إعادة تشكيل التحالفات الدولية وتغيير موازين النفوذ، بما يدفع مصر إلى تعزيز قدراتها العسكرية والدبلوماسية للحفاظ على نفوذها الإقليمي، وزيادة الضغوط للحفاظ على توازن علاقاتها مع القوى الكبرى، خاصة مع احتمالات إعادة هندسة الخرائط والنفوذ. حيث تسعى القوى الكبرى (الولايات المتحدة، الصين، وروسيا) والقوى الإقليمية (إسرائيل وإيران) إلى تثبيت مناطق نفوذها، ويبرز توجه نحو إنشاء ترتيبات أمنية واقتصادية جديدة تهدف إلى احتواء صعود قوى معينة، مثل المساعي الإسرائيلية لهندسة تحالفات إقليمية بدعم أمريكي. كما قد تتحول الاستراتيجية الأمريكية من "الهيمنة المباشرة" إلى "الإدارة عن بُعد"، مع التركيز على تحرير الموارد لمواجهة التحديات في شرق آسيا.
ورغم الحديث عن "تقسيم جديد"، تظل معظم هذه المشاريع في إطار توزيع النفوذ السياسي والاقتصادي والتحكم في ممرات الطاقة، بينما تبقى الحدود الدولية الحالية معترفًا بها رسميًا. فحكومة نتنياهو تتحرك لبناء محور إقليمي جديد، وتعزز ذلك بمخططات استراتيجية لإعادة تموضع إسرائيل في قلب آسيا والشرق الأوسط، كما يتزايد القلق في طهران مع تعزيز الوجود العسكري الأمريكي.
قد لا نرى خريطة تقاسم نفوذ استعماري جديدة كما جرى عام 1916، لكن الواقع الميداني يشير إلى توزيع نفوذ وإعداد خرائط لا تُرسم بالمسطرة، بل تتحدد بناءً على تفاهمات وتقاطع مصالح. لكن من المؤكد أن هناك محاولة لمحو القديم والتأسيس لشرق أوسط تُحدد واشنطن معالمه مع شركاء وحلفاء في الإقليم.
ولعل تصريحات الرئيس أردوغان هي الأولى من نوعها لدولة عضو في حلف شمال الأطلسي "الناتو"، حيث حذر الرئيس التركي من "سايكس-بيكو" جديدة تحاول دولة الاحتلال الإسرائيلي فرضها على الشرق الأوسط في ظل حروبها بالمنطقة.
كما أن تحذيرات الرئيس التركي سلطت الضوء على ماهية هذا المشروع الذي تقوده إسرائيل في المنطقة، وإلى أي مدى يمكن لتركيا أن توقف مخططات الاحتلال، خصوصًا في ظل الدعم الغربي المفتوح الذي تحظى به حكومة بنيامين نتنياهو.
إن التحذيرات من سايكس-بيكو تستند إلى مشروع الشرق الأوسط الجديد الذي كتب عنه الرئيس الإسرائيلي من قبل شيمون بيريز، وتسعى إسرائيل لجعله منهجًا في المنطقة. فقد أشار إلى أن "إسرائيل ستطبق ما هو أكبر من سايكس-بيكو في المنطقة، وأنها قائمة على تنفيذه حاليًا"، فهي تريد أن تصنع دولًا قائمة على أقليات وطوائف وإثنيات، وغير ذلك، الأمر الذي يتطلب موقفًا عربيًا موحدًا والعمل على إحياء النظام الإقليمي العربي بدوله المسؤولة، وعلى رأسها مصر.