عمــر أحمــد ســامي
طــــه فرغــــلي
جاءت الاحتفالية بيوم أفريقيا هذا العام وكأنها ليست مجرد مناسبة بروتوكولية أو حدث دبلوماسي عابر، بل محاولة مصرية واضحة لإعادة تقديم نفسها داخل القارة الأفريقية بصورة أكثر اتساعًا وعمقًا. فمن خلال الكلمات الرسمية والأفلام التسجيلية والرسائل السياسية التي حملتها الفعالية، بدا أن القاهرة تسعى إلى ترسيخ فكرة أنها ليست فقط دولة أفريقية بحكم الجغرافيا، وإنما شريك أساسي في مسار التنمية والتحول الذي تشهده القارة خلال السنوات الأخيرة. الانطباع الأول الذي يخرج به المتابع هو أن الخطاب المصري تجاه أفريقيا بات أكثر تركيزًا على مفردات التنمية والبناء والشراكة الاقتصادية مقارنة بالمراحل السابقة التي غلبت عليها الاعتبارات السياسية أو الأمنية التقليدية. ففي كلمة عبد الفتاح السيسي ظهر حديث واضح عن “إرادة الشعوب الأفريقية” وحقها في تعظيم الاستفادة من مواردها وثرواتها، وهي لغة تحمل قدرًا من الاحترام للخصوصية الأفريقية وتحاول الابتعاد عن أي خطاب يحمل طابع الهيمنة أو الوصاية. كما أن تأكيد الرئيس على أن مصر ستظل “شريكًا فاعلًا” في دعم التنمية بالقارة عكس رغبة في تقديم الدور المصري باعتباره تعاونًا متبادلًا يقوم على المصالح المشتركة وليس مجرد حضور سياسي رمزي. اللافت أيضًا أن الاحتفالية لم تعتمد فقط على الكلمات الرسمية، بل حاولت توظيف الصورة والرمزية الثقافية بشكل ذكي. فالفيلم التسجيلي الخاص بالعلاقات المصرية الأفريقية قدم صورة لعلاقة ممتدة ومتعددة الأبعاد، بينما جاء الحديث عن دور جامعة القاهرة والطلاب الأفارقة ليعكس إدراكًا متزايدًا لأهمية القوة الناعمة في بناء النفوذ داخل أفريقيا. فالتأثير الحقيقي لا يصنع فقط عبر الاتفاقيات الاقتصادية أو اللقاءات السياسية، وإنما من خلال التعليم والثقافة وصناعة الروابط الإنسانية طويلة المدى. فالطالب الأفريقي الذي يدرس في مصر اليوم قد يصبح بعد سنوات مسؤولًا أو أكاديميًا أو شخصية مؤثرة في بلاده، وهو ما يمنح القاهرة رصيدًا معنويًا وسياسيًا يتجاوز الحسابات المباشرة. في هذا السياق، بدا حديث وزير الخارجية معبرًا عن توجه يسعى للربط بين الأمن والتنمية، وهي نقطة مهمة في فهم الرؤية المصرية للقارة. فالكثير من الأزمات الأفريقية خلال العقود الماضية أثبتت أن غياب التنمية يولد النزاعات، وأن ضعف الدولة الوطنية يفتح المجال أمام الفوضى والصراعات المسلحة. لذلك فإن تقديم مصر لنفسها باعتبارها داعمًا لبناء القدرات والتنمية وإعادة الإعمار بعد النزاعات يمنح خطابها قدرًا من الواقعية السياسية، خاصة مع تنامي الاهتمام الدولي بالقارة بوصفها ساحة تنافس اقتصادي واستراتيجي مفتوحة. ومن بين أكثر النقاط دلالة في الاحتفالية كان التركيز على مشروع سد جوليوس نيريري باعتباره نموذجًا للتعاون الجنوب-الجنوب. فالمشروع هنا لا يطرح فقط كمشروع هندسي أو اقتصادي، بل كرمز لقدرة مصر على نقل خبراتها الفنية والتنموية إلى العمق الأفريقي. وهذه الرسالة مهمة للغاية لأنها تعكس الانتقال من مجرد الخطاب التضامني التقليدي إلى مرحلة المشاركة الفعلية في التنمية داخل القارة. لكن خلف هذه الصورة الإيجابية يمكن ملاحظة أن الاحتفالية حملت أيضًا أبعادًا سياسية غير معلنة بشكل مباشر. فمصر تدرك أن أفريقيا أصبحت خلال السنوات الأخيرة مسرحًا لتنافس دولي واسع سواء من جانب الصين أو تركيا أو روسيا أو القوى الغربية ودول الخليج. وبالتالي فإن إعادة تنشيط الحضور المصري في أفريقيا لم تعد ترفًا سياسيًا، بل أصبحت ضرورة ترتبط بالأمن القومي والمصالح الاقتصادية والاستراتيجية للدولة المصرية. وربما لهذا السبب بدا واضحًا حرص القاهرة على تكثيف استضافة المنتديات الأفريقية مثل منتدى أسوان للسلام والتنمية المستدامين والقمة التنسيقية للاتحاد الأفريقي، لأن هذه الفعاليات تمنحها دورًا محوريًا في صياغة النقاشات المتعلقة بمستقبل القارة. كما أظهرت الاحتفالية أن مصر تحاول توسيع أدوات حضورها الأفريقي عبر مجالات متنوعة، من التعليم إلى الدبلوماسية، ومن البنية التحتية إلى الثقافة. وهذا التنوع يمنح السياسة المصرية قدرًا من المرونة، خاصة في ظل إدراك القاهرة أن النفوذ داخل أفريقيا لا يمكن بناؤه فقط عبر السياسة الرسمية، وإنما عبر تراكم طويل للعلاقات الاقتصادية والثقافية والإنسانية. وربما كان المشهد الختامي للاحتفالية مع الفقرة الفنية لفرقة أسوان معبرًا بصورة رمزية عن الرسالة الأساسية للحدث كله. فالفنون والهوية الثقافية المشتركة بدت هنا وكأنها تذكير بأن العلاقة بين مصر وأفريقيا ليست مجرد ملفات سياسية أو اقتصادية، بل علاقة حضارية وإنسانية ممتدة عبر التاريخ. وكأن القاهرة أرادت أن تقول إن عودتها القوية إلى أفريقيا لا تستند فقط إلى المصالح الآنية، وإنما أيضًا إلى شعور بالانتماء والارتباط التاريخي بالقارة. في النهاية يمكن القول إن الاحتفالية عكست محاولة مصرية لإعادة صياغة خطابها الأفريقي بلغة أكثر هدوءًا وواقعية وحداثة، خطاب يقوم على التنمية والشراكة وبناء القدرات، ويحاول أن يوازن بين المصالح السياسية والقوة الناعمة والرمزية الثقافية. وقد لا تكون هذه العودة سهلة في ظل المنافسة الدولية المتزايدة داخل أفريقيا، لكنها تكشف بوضوح أن القاهرة باتت تنظر إلى القارة باعتبارها إحدى أهم مساحات الحركة الاستراتيجية لمستقبلها السياسي والاقتصادي.
جاءت الاحتفالية بيوم أفريقيا هذا العام وكأنها ليست مجرد مناسبة بروتوكولية أو حدث دبلوماسي عابر، بل محاولة مصرية واضحة لإعادة تقديم نفسها داخل القارة الأفريقية بصورة أكثر اتساعًا وعمقًا. فمن خلال الكلمات الرسمية والأفلام التسجيلية والرسائل السياسية التي حملتها الفعالية، بدا أن القاهرة تسعى إلى ترسيخ فكرة أنها ليست فقط دولة أفريقية بحكم الجغرافيا، وإنما شريك أساسي في مسار التنمية والتحول الذي تشهده القارة خلال السنوات الأخيرة.
كما أن تأكيد الرئيس على أن مصر ستظل “شريكًا فاعلًا” في دعم التنمية بالقارة عكس رغبة في تقديم الدور المصري باعتباره تعاونًا متبادلًا يقوم على المصالح المشتركة وليس مجرد حضور سياسي رمزي.
فالتأثير الحقيقي لا يصنع فقط عبر الاتفاقيات الاقتصادية أو اللقاءات السياسية، وإنما من خلال التعليم والثقافة وصناعة الروابط الإنسانية طويلة المدى. فالطالب الأفريقي الذي يدرس في مصر اليوم قد يصبح بعد سنوات مسؤولًا أو أكاديميًا أو شخصية مؤثرة في بلاده، وهو ما يمنح القاهرة رصيدًا معنويًا وسياسيًا يتجاوز الحسابات المباشرة.
لذلك فإن تقديم مصر لنفسها باعتبارها داعمًا لبناء القدرات والتنمية وإعادة الإعمار بعد النزاعات يمنح خطابها قدرًا من الواقعية السياسية، خاصة مع تنامي الاهتمام الدولي بالقارة بوصفها ساحة تنافس اقتصادي واستراتيجي مفتوحة.
وهذه الرسالة مهمة للغاية لأنها تعكس الانتقال من مجرد الخطاب التضامني التقليدي إلى مرحلة المشاركة الفعلية في التنمية داخل القارة.
وبالتالي فإن إعادة تنشيط الحضور المصري في أفريقيا لم تعد ترفًا سياسيًا، بل أصبحت ضرورة ترتبط بالأمن القومي والمصالح الاقتصادية والاستراتيجية للدولة المصرية. وربما لهذا السبب بدا واضحًا حرص القاهرة على تكثيف استضافة المنتديات الأفريقية مثل منتدى أسوان للسلام والتنمية المستدامين والقمة التنسيقية للاتحاد الأفريقي، لأن هذه الفعاليات تمنحها دورًا محوريًا في صياغة النقاشات المتعلقة بمستقبل القارة.
وكأن القاهرة أرادت أن تقول إن عودتها القوية إلى أفريقيا لا تستند فقط إلى المصالح الآنية، وإنما أيضًا إلى شعور بالانتماء والارتباط التاريخي بالقارة.
وقد لا تكون هذه العودة سهلة في ظل المنافسة الدولية المتزايدة داخل أفريقيا، لكنها تكشف بوضوح أن القاهرة باتت تنظر إلى القارة باعتبارها إحدى أهم مساحات الحركة الاستراتيجية لمستقبلها السياسي والاقتصادي.