مستقبل الحماية الرقمية.. حديث تأخر كثيرًا
في نهاية شهر مارس الماضي، ونتيجة خطأ تقني في نظام إدارة المحتوى Content Management System الداخلي بشركة Anthropic المتخصصة في تطبيقات الذكاء الاصطناعي، أصبحت أكثر من 3000 وثيقة سرية متاحة للجميع. أهم تلك الوثائق على الإطلاق يتحدث عن منتج جديد للشركة بعنوان Claude Mythos preview، وهو نموذج للذكاء الاصطناعي سيكون في غاية الخطورة في الغرض منه وتبعات ذلك.
ولكن قبل التطرق إلى هذا النموذج، دعونا نتوقف قليلاً أمام التسريبات والملفات السرية التي تتحول بين عشية وضحاها إلى حالة الإتاحة العامة لدى مئات الملايين من مستخدمي شبكة الإنترنت حول العالم؛ وهو ما يفتح المجال إلى إعادة الحديث وإلى ضرورة إعادة النظر في سياسات وإجراءات أمن المعلومات والحماية ضد الهجمات السيبرانية المختلفة، وإلى التركيز بصورة كبيرة على أهم حلقة وأضعف حلقة في نفس الوقت في سلسلة التأمين ألا وهي العنصر البشري.
فالمتهم بالتسبب في تلك التسريبات هو "خطأ بشري غير مقصود" مثلما جاء في البيان الإعلامي للشركة، وهو نفس المبرر الذي نسمعه في الكثير من حالات التعطيل وتوقف الخدمات الرقمية في العديد من الحالات.
وسواء أكان هذا الخطأ غير مقصود أو كان خطأً مقصوداً، فإن العنصر البشري هو المتسبب في جميع الحالات، سواء لعدم الانتباه والتركيز أو لأي أغراض أو مشكلات أخرى أدت به إلى المساهمة في تسريب الملفات أو تعطيل الخدمات في المؤسسة التي ينتمي إليها.
وربما لا يكون السبب هو الخطأ البشري فقط ويكون هناك قصور في أنظمة التأمين والحماية أو السببين معاً؛ فحتى وقبل عصر المعلومات والشبكات، تشير التحقيقات في كوارث كبرى كانفجار مكوك الفضاء تشالنجر في يناير عام 1986 وكذا أيضاً تسريب إشعاعي من مفاعل تشرنوبيل بعد ذلك التاريخ بثلاثة أشهر أن الأسباب مزيجاً من القصور الفني والبشري مجتمعين.
عودة مرة أخرى إلى الوثيقة المسربة والتي تشير إلى نموذج الذكاء الاصطناعي الجديد؛ فبالتزامن مع التطورات الأخيرة، أعلنت Anthropic رسمياً عن إتاحة نموذج Claude Mythos Preview المخصص للأمن السيبراني بشكل محدود لشركات مختارة.
وتشير الوثائق والتقارير الفنية إلى أنه النموذج الأكثر خطورة ضمن نماذج الذكاء الاصطناعي الكثيرة؛ فهذا النموذج لا يكتفي بكتابة البرامج الإلكترونية وحسب، بل يستطيع أيضاً اكتشاف الثغرات الأمنية داخل التطبيقات والبرامج الموجودة في العالم بغض النظر عن لغة البرمجة أو حجم النظام أو درجة تعقيده خلال فترة زمنية قصيرة جداً، وهو ما يجعله نموذجاً مناسباً لحماية الأنظمة الحالية من خلال العمل على تلافي الملاحظات وسد الثغرات التي يقوم باكتشافها في تلك الأنظمة، ولكن في نفس الوقت يمكن أن يصبح هذا النموذج أداة في غاية الخطورة إذا وصل لأيدي المخترقين أو الشركات أو المنظمات أو الدول المعادية؛ فمن خلاله ومن خلال ما يقدمه من تحليل وتشريح للأنظمة والشبكات يمكن وضع خطة هجوم ستكون ناجحة بنسبة أعلى كثيراً من أي خطة هجوم تقوم على أي تحليلات سابقة تتم سواء بواسطة عناصر بشرية أو بواسطة عناصر بشرية بالاستعانة بتطبيقات وأنظمة مساعدة، فهو يتفوق بنسبة تصل إلى حوالي 25% عن أكثر النماذج المعروفة تطوراً.
ونتيجة تلك المخاوف، وفي رد فعل سريع، نجد أن أسهم شركات الأمن السيبراني قد هبطت مباشرة بعد هذا التسريب في يوم واحد وبنسب تتراوح بين 4% إلى 11% نتيجة انخفاض الثقة في قدرة الأنظمة الحالية في التصدي لهذا النموذج المتطور، والذي يتم تجريبه حالياً من خلال عدد محدود من الشركات ضمن مشروع للشركة أسمته Glasswing تقول عنه: "لقد اكتشف Mythos Preview بالفعل آلاف الثغرات الأمنية الخطيرة، بما في ذلك ثغرات في جميع أنظمة التشغيل الرئيسية ومتصفحات الويب.
ونظراً لسرعة تطور الذكاء الاصطناعي، لن يطول الوقت قبل أن تنتشر هذه القدرات على نطاق واسع، وربما تتجاوز قدرة الجهات الملتزمة بنشرها بأمان. وقد تكون العواقب وخيمة على الاقتصادات والسلامة العامة والأمن القومي، لذلك يُمثّل مشروع Glasswing محاولةً عاجلةً لتسخير هذه القدرات لأغراض دفاعية".
بالطبع انضمت إلى هذا المشروع كبرى شركات التكنولوجيا الأمريكية مثل جوجل ومايكروسوفت وغيرهما، أما مستقبل الاستخدام فلا يزال غير واضح، ولكنه يتأرجح بين عدة احتمالات، منها أن يتم تطبيق النموذج واستخدامه على نطاق ضيق جداً من الشركات وبعض الحكومات وذلك تحت رقابة لصيقة ودقيقة، الاحتمال الثاني هو إطلاق نسخة محدودة منه تستخدم في الأغراض الدفاعية فقط ومع صعوبة الالتزام بالاستخدام الإيجابي له وعدم ضمان استخدامه بصورة سلبية أو يتم تسريبه إلى دول معادية يبقى الاحتمال الأخير وهو عدم إطلاق وإصدار النموذج للعامة أحد الاحتمالات المطروحة حتى أي إشعار آخر.
واليوم، يعكس هذا الزخم التكنولوجي الموقف المالي القوي والقفزة التاريخية لشركة Anthropic في الأسواق؛ حيث نجحت مؤخراً في إغلاق جولة تمويلية ضخمة (Series H) بقيمة 65 مليار دولار، مما رفع قيمتها السوقية إلى رقم غير مسبوق يبلغ 965 مليار دولار، لتتجاوز بذلك غريمتها التقليدية OpenAI وتصبح الشركة الناشئة الأعلى قيمة في مجال الذكاء الاصطناعي عالمياً، مدفوعة بمعدل إيرادات سنوي متسارع تجاوز الـ 47 مليار دولار نتيجة الاعتماد الهائل للمؤسسات على تقنياتها البرمجية وأدواتها مثل Claude Code.
الحقيقة أن هذا التسريب وهذا الطرح والحديث عن تطبيقات ونماذج ذكاء اصطناعي تستخدم بصورة تفوق ذكاء وقدرات البشر وما يفكرون فيه وما يمكنهم عمله، وأن يتم استخدام بعض من تلك النماذج بصورة سرية غير معلنة وغير معلوم بوجودها على الإطلاق اللهم إلا من خلال تسريب مقصود أو غير مقصود، يفتح الباب للحديث عن الذكاء الاصطناعي والنظر إليه على عدة مستويات منها ما هو ظاهر وواضح ومنها ما هو مختفي، تماماً مثل جبل الجليد الذي لا تشكل قمته الظاهرة أكثر من 10% من إجمالي الحجم في الكثير من الحالات.