بنك إنجلترا يحذر: بريطانيا تقترب من دوامة ديون.. والاقتصاد أمام اختبار صعب
أطلق أندرو بيلي، محافظ بنك إنجلترا المركزي، تحذيراً صادما من أن المملكة المتحدة باتت على مشارف الانزلاق في "حلقة مفرغة" من تكاليف الاقتراض المتصاعدة، ما لم تنجح الحكومة في إحكام قبضتها على مسار الديون.. في مشهد يكشف عمق الأزمة التي تحيط بالاقتصاد البريطاني.
وصرح بيلي، وفق صحيفة (تليجراف) بأن تكاليف الاقتراض المرتفعة تشكل سيفاً مسلطاً على الخطط التي رسمتها وزيرة الخزانة راشيل ريفز باتزان بالغ للمالية العامة، الأمر الذي من شأنه تقويض الثقة في بريطانيا وهو ما يسهم في المزيد من ارتفاع تكاليف الاقتراض. في حين تجاوز ارتفاع أسعار الفائدة في الأسواق المالية البريطانية مستوياته في سائر دول المجموعة السبع، مضيفاً أعباءً إضافية على خزينة الدولة.
وفي شهادة بالغة الأثر أمام لجنة مجلس اللوردات، رسم بيلي بجلاء ملامح السيناريو الأكثر إيلاماً، قائلاً: "يمكن تصوّر سيناريو في أسوأ الأحوال، تتشكل فيه حلقة متعاضدة؛ إذ يؤدي ارتفاع تكاليف خدمة الدين إلى الضغط على القاعدة المالية، ويُفرز هذا الضغط خسائر في السياسة المالية، فترتفع تكاليف الدين مجدداً، لندخل عندئذٍ في ما يشبه حلقة مفرغة حقيقية."
وحين سُئل عمّا إذا كان ثمة "سقف" لحجم الدين الوطني، أجاب المحافظ بصراحة: "من الناحية العملية، نعم"، مُوضحاً أن تكاليف الفائدة ستبلغ في نهاية المطاف حداً تعجز فيه الدولة عن مواجهتها. وأضاف: "كلما تضخم الدين القائم، ارتفعت تكاليف خدمته، وتضاعفت هشاشته أمام الصدمات، لا سيما صدمات أسعار الفائدة."
وتقول الصحيفة ، لطالما وجدت وزيرة الخزانة نفسها أسيرة ارتفاعات تكاليف الاقتراض التي تهدد بنهش هامش مناورتها المالي، وهو الفارق الذي تعتمد عليه لتحقيق أهدافها على صعيد الاقتراض. وأدت المخاوف المتكررة من الإخلال بهذه الأهداف إلى موجات متتالية من الارتفاع في تكاليف الاقتراض، ما اضطرها مراراً إلى اللجوء إلى رفع الضرائب لتعزيز احتياطياتها المالية.
غير أن بيلي أبدى قدراً من التفاؤل الحذر، مؤكداً أن بريطانيا قادرة على تفادي دوامة الديون إن أفلحت الوزيرة في التمسك بخططها رغم تداعيات الحرب في إيران.
وقال: "الخطوة الأولى في الوضع الراهن هي تثبيت الدين. وموازنة الخريف الماضي، لو نُفّذت كما أُعلنت، كفيلة بتحقيق ذلك، وهذا أحد أسباب الاستجابة الإيجابية التي أبدتها أسواق السندات."
كما نبه بيلي إلى أن الحرب في إيران ستذكي التضخم وتكبح النمو قياساً بالتوقعات السابقة.
وقال أسهمت هذه الحرب في رفع تكاليف الاقتراض على نطاق واسع في شتى أنحاء العالم منذ اندلاعها في أواخر فبراير الماضي، مُثيرةً مخاوف جدية من موجة جديدة لأزمة تكاليف المعيشة.
وتشير الصحيفة ، إلى أن موقف ريفز وخططها يزداد تعقيداً في ظل التحديات السياسية الداخلية المتصاعدة؛ إذ يتأهب متمردو حزب العمال لتحدي رئاسة السير كير ستارمر، فيما أشعلت المخاوف من احتمال رئاسة أندي بيرنهام للحكومة موجة من الصدمات في أسواق السندات، على خلفية توقعات باتجاهه نحو مزيد من الاقتراض.
وفي محاولة لاحتواء الأضرار، تعهد عمدة مانشستر الكبرى بالتمسك بقواعد ريفز المالية بيد أن إلغاءه مكالمة مع مديري صناديق التحوط على وجه السرعة في وقت سابق من هذا الأسبوع، بحسب ما أفادت صحيفة فاينانشيال تايمز، لا يبشر بتحسين صورته في أوساط أسواق السندات.
جاء تحذير محافظ البنك متزامناً مع إعلان مكتب مسؤولية الموازنة أن صدمة الطاقة الأخيرة قد تُفاقم من حجم الدين الوطني. في مراجعتها للتوقعات السابقة، بما في ذلك تأثير حرب أوكرانيا، وصرحت هيئة الرقابة على الاقتراض أن "الأثر الإجمالي لصدمة الطاقة على المالية العامة أسفر عن ارتفاع ملموس في الاقتراض الحكومي والدين"، وأعلن المسؤولون عزمهم استيعاب هذا الدرس في توقعاتهم المستقبلية المتعلقة بتداعيات حرب إيران.
كما اعترفت هيئة الرقابة على الاقتراض بأنها أخطأت في تقدير الاقتراض الحكومي بفارق بلغ ستين مليار جنيه في توقعاته الأخيرة.
ونبّهت إلى أن ارتفاع أسعار الطاقة ربما كان أشد إضراراً بنمو الإنتاجية مما كان مُقدَّراً، مع الإشارة إلى أن كل تراجع بمقدار عشر نقاط مئوية في الإنتاجية يُضيف ثمانية مليارات جنيه سنوياً إلى الاقتراض. وأكدت الهيئة أنها ستحدث نماذجها الاقتصادية قبل توقعات موازنة الخريف المقبل.
وفي سياق منفصل، حذّرت ميجان جرين، العضو الخارجي في لجنة السياسة النقدية ببنك إنجلترا، من أن أسعار الفائدة قد تضطر للارتفاع، قائلة: "أرى أن الحجة لصالح رفع الفائدة تتعاظم كلما طال أمد الصراع في الشرق الأوسط، وأعتقد أن تشديد السياسة النقدية خلال الأسابيع أو الأشهر المقبلة قد يغدو أمرًا ضروريًّا".
في المقابل، قال متحدث باسم وزارة الخزانة: "إننا ننتهج خطة اقتصادية صحيحة"، مستشهداً بخفض الاقتراض الحكومي بأكثر من عشرين مليار جنيه استرليني العام الماضي، ومؤكداً أن الاقتصاد البريطاني بات "في وضع أمتن لمواجهة الصدمات" بفضل القرارات التي اتخذتها وزيرة الخزانة.