رئيس مجلس الادارة

عمــر أحمــد ســامي

رئيس التحرير

طــــه فرغــــلي


العقاد والقصة الصغيرة

16-6-2026 | 10:52


شوقى بدر يوسف,

يرتبط الأديب الكبير عباس محمود العقاد بفن القصة من خلال جوانب عدة ضمنتها مسيرته الإبداعية، شأنه شأن بعض مجايليه من كبار الأدباء والشعراء الذين وجدوا في هذه المنطقة المراوغة من الإبداع السردي مجالًا رحبًا وخصبًا للمساهمة في تأصيل ساحته، ومحاولة صياغة حكي وقص عربي جديد يواكب المؤثرات الأوروبية التي كان لها تأثير كبير على هذا الفن في الساحة العربية آنذاك. وقد كانت الكتابة القصصية والروائية في الساحة العربية في ذلك الوقت لا تزال تتأرجح بين النضج الفني ومحاولات إثبات وجودها كجنس أدبي له خصوصيته ومذاقه وتوجهه، وذلك بفضل مساهمات العديد من الكتّاب والأدباء، وأيضًا الشعراء الذين أسهموا في نهضة وتطور القصة والرواية العربية في بواكيرها الأولى. فقد أبدع كل من أحمد شوقي، وحافظ إبراهيم، والمويلحي، وهيكل، والمنفلوطي، وطه حسين، والمازني، والحكيم، والعقاد في مجال القصة والرواية المصرية إبداعات أثرت هذا الفن بنصوصها وأعمالها التي أصبحت هي الإرهاصات والركائز الأولى في هذا المجال للأجيال التي جاءت بعد ذلك.
ولعل رواية «سارة» للعقاد، التي صدرت عام 1937 وتزامن صدورها مع صدور العديد من بواكير القصة والرواية العربية في العالم العربي، والتي أصبحت بعد ذلك علامة مهمة في مسيرة السرد الروائي العربي الحديث، كانت هي بيضة الديك التي احتُسبت للعقاد في هذا المجال. وقد تناولها العديد من النقاد والباحثين بدراسات مستفيضة من جوانب ورؤى وزوايا مختلفة ومتنوعة، باعتبار أن خطوط تماسها السردية تجمع بين الفن الروائي الصاعد آنذاك وبين فن السيرة والترجمة الذاتية، حيث تتطابق شخصية «همام» وهي الشخصية المحورية لهذا النص مع شخصية العقاد نفسه بكل ما تحمل من جوانب ذاتية وجسدية ومعرفية.
وعلى الرغم من أن العقاد كان مُقلًّا في مساهماته في مجال القصة القصيرة، والذي كان يسميها في كثير من الأحيان «القصة الصغيرة»، إلا أنه أسهم في هذا المجال بمجموعة قصصية وحيدة قام بترجمتها من الأدب الأمريكي تحت عنوان «ألوان من القصة القصيرة في الأدب الأمريكي»، تناولت العديد من نصوص بعض كتّاب القصة في الأدب الأمريكي. ويمثل هذا الجانب في مسيرة العقاد الأدبية نوعًا من التواصل المتواضع مع جنس أدبي هام من الأجناس الأدبية، وهو فن القصة، الذي ساهم فيه عن طريق الترجمة والانتقاء الخاص لهذه القصص ومعالجتها سرديًا.
ولعل اختيار العقاد لهذه النصوص القصصية، وقيامه بنقلها إلى العربية، كان له مغزى ودلالة خاصة لديه، يظهر ذلك أولًا من انتقائه لهذه المجموعة من القصص المتميزة لبعض رواد الكتابة القصصية في الأدب الأمريكي، أمثال واشنطن إرفنج، وإدجار آلن بو، ومارك توين، وتوما بايلي ألدريخ، وجورج آد، وويلا كاثر، وستيفن فنسنت بنيت، وجون شتاينبك، ووليم فولكنر، ويُعتبر هؤلاء الكتّاب من كبار الرواد لهذا الفن في الأدب الأمريكي. كما أن اختيار العقاد لهذه النصوص لهؤلاء الكتّاب العظام لم يكن اختيارًا عشوائيًا، بل كان اختيارًا موفقًا إلى أبعد الحدود، يتضح ذلك من اختياره لقصة «ريب فان وينكل» لواشنطن إرفنج، وقصتي «الخطاب المفقود» و«باطية النبيذ الشيري» لإدجار آلان بو، و«الضفدعة النطاطة المشهورة» لمارك توين، وهي كنماذج للقصص التي تحمل سمات الموقف والحدث الذي يستغرق الحواس ويغمر النفس بالعاطفة المتقدة، كما أنها تعبر في الوقت نفسه عن رؤية العقاد تجاه مثل هذا النوع من القص، والذي كتب عنه يقول: «فالقصة الصغيرة، أو الحكاية، لا تتسع لرسم شخصية كاملة أو عدة شخصيات من جميع جوانبها، ولا تتسع كذلك للحوادث الكثيرة ولا للحادثة الواحدة التي لا تتم إلا مع التشعب والاستيفاء والإحاطة بأحوال جملة من الناس في مختلف المواقف والأحوال، ولكنها قد تعطينا لونًا من ألوان الشخصية كما تتمثل في موقف من المواقف، فنفهمها بالإيحاء والاستنتاج، وقد تعرض لنا موضعًا نفسيًا أو موضعًا اجتماعيًا، ينفرد بنظرة عابرة ويؤخذ على حدة، فيدل كما تقدم دلالة الموقف والإيحاء».
من هنا كانت القصة الصغيرة، كما سماها العقاد، لونًا خاصًا من الكتابة القصصية مناسبًا كل المناسبة للأدب الأمريكي، منذ أن استقل هذا الأدب بأقلامه وموضوعاته، وعُرفت له رسالة قائمة بذاتها غير المحاكاة والتقليد. كما يقول محللًا قصص هذه المجموعة:
«وسيرى القراء في مجموعة القصص التالية مذاهب المؤلفين في اختيار المواقف خلال القرن الأخير، فقد كان الموقف وحده لا يكفي لكتابة القصة قبل سبعين أو ثمانين سنة، بل كان من الواجب أن يكون الموقف رائعًا أو كافيًا لاستغراق الحواس وغمر النفوس بالعاطفة، فلم يزل هذا الموقف يتطور مع الزمن حتى أصبح "الموقف" جديرًا بالتسجيل كلما كان فيه موضع للملاحظة القريبة، أو للمقارنة العاجلة، أو للتأمل الذي ينبعث فيه القارئ مع نوازعه وأهوائه، غير متقيد بالكاتب في نزعته أو هواه. وفي العصر الحاضر أصبح الكتّاب من طراز فولكنر أو همنجواي أو شتاينبك يكتبون القصة لموقف واحد لا ينتهي إلى قارعة، ولا يتبعه الكاتب أو القارئ إلى نتيجة مقصودة. فمن مواقف أقاصيصهم موقف رجل يدخل إلى بيته فتنبئه زوجته أنها عثرت بخادمة موافقة، فإذا بالخادمة "لا توافق" لأن الرجل يعلم بعد أن يراها أنها كانت زميلته في الدراسة، ولا تزال هي وهو يتناديان بالأسماء دون الألقاب. ومن مواقفها موقف مصارع يأتمر به منافسوه ليقتلوه، فيتلقى الخبر ولا يتبعه بعمل، لأن حكم الموقف يأبى عليه الهرب كما يأبى عليه إبلاغ ولاة الأمور.. ومن مواقفها موقف شيخ من الجيل الماضي يسأم السامعين المحدثين بأخبار الطواف إلى الغرب، ثم التمادي في الطواف، فلا يطيق المحدثون سماع هذه "الأعاجيب" التي كانت في يوم من الأيام تهز المشاعر؛ وتكفي وحدها للتغريب ثم التغريب من غير قصد، وإنما هو كشف آخر من جانب البر بعد الكشوف الأولى من جوانب البحر، ولا محل له من السمر أو الكلام بعد أن كشف المحدثون كل بقعة من بقاع الغرب، ونسوا أنه كان غيبًا مجهولًا قبل جيل. هذه القصص تختار لهذه الدلالة، وتفيد في اختيارها إلى جانب القصص التي سبق إليها المؤلفون قبل جيل واحد، فهي القصة الصغيرة في معرض الأجيال على حسب اختلاف المواقف والأحوال، ولهذا توضع المجاميع المختارة من ألوان الفن وضروب الكتابة، ولعل هذه المجموعة أن تكون لها رسالتها الكافية بين المجاميع».
(القصة الصغيرة، عباس محمود العقاد، مجلة الشهر، القاهرة، أبريل 1959)
كان هذا رأي العقاد في القصة القصيرة أو القصة الصغيرة كما أسماها، من خلال مجال ترجمته للقصص المختارة من الأدب الأمريكي، وأعتقد أن العقاد بترجمته لهذه المجموعة قد أضاف إلى حياته الأدبية كتابًا هامًا من كتب القصة يضاف إلى روايته الوحيدة «سارة»، وبذلك يكون العقاد قد أسهم بسهم، ولو ضئيل، في هذا الجنس الأدبي المراوغ، والذي كان للعقاد معه رأي آخر. ولا شك أن آراء العقاد عن القصة، والتي ذكرها في بعض مقالاته عنها، تعطينا دلالة على جانب هام من الجوانب في حياته الأدبية، وهو وإن كان قد قدّم الشعر عليها، إلا إنها كانت تراوده في أحيان كثيرة ومن جوانب عدة. وقد سبق للعقاد أن قدّم لقراء العربية قبل ذلك الشاعر والروائي الإنجليزي «توماس هاردي» عندما نشر في جريدة «البلاغ الأسبوعي» مقالة بعنوان «أزياء القدر» في 8 أبريل عام 1927، علّق فيها على مجموعة وصلت إليه من شعر ونثر توماس هاردي بقوله: «المأساة فيها مأساة الصراع بين الناس وبين قدر لا يقسو ولا يستخف ولا يأمرك ولا ينهاك.. وجهد أمرك أن تسأم ثم أن تسأم السآمة فتعمل، ثم أن تعود إلى السآمة من جديد». أما عن منزلة هاردي في الرواية فقد قال العقاد إنها «في الذروة العالية»، إلا إنه عاد وقال: «وللشعر فضل في بلوغه هذه المكانة العالية في ميدان الرواية».
(هاردي والعقاد، د. سليمان محمد أحمد، الآداب الأجنبية، دمشق، ع 50/51، شتاء/ربيع 1987، ص 118)
كما تساءل العقاد في إحدى مقالاته: «لم لم يُمنح هاردي جائزة نوبل وهو على هذه المكانة في الشعر والرواية؟»، وينقل لنا العقاد ما قاله مؤلف القسم الأدبي من كتاب «نوبل: الرجل وجوائزه»: «الفكرة التي كانت سائدة بين أكثرية أعضاء اللجنة هي أنه شديد التشاؤم والاستسلام للقدر المقدور على نحو لا يلائم روح الجوائز ومنحاها».
ولعل الجانب الرؤيوي للعقاد في القصة القصيرة، وهو الجانب الذي يعنينا في هذا المجال ولم يلتفت إليه الباحثون والنقاد على أهميته، يتمثل في نظرته إلى القصة القصيرة باعتبارها فنًا بدأ يأخذ مكانته بجانب بقية الأجناس الأدبية الأخرى، بل وبدأ يزاحم الشعر والرواية والمسرحية أيضًا في ساحة الأدب، وهي نظرة لها أهميتها في الجانب الفكري عنده. فقد كانت له آراء ذات أهمية كبيرة سجلها في العديد من المقالات حول فن القصة تاريخًا وتجديدًا وتأصيلًا.
نذكر منها، على سبيل المثال، هذه المساجلة التي جرت بينه وبين الكاتب الشاب نجيب محفوظ في منتصف الأربعينيات حول المفاضلة بين الشعر والقصة. وقد كان العقاد قد ذكر في كتابه «في بيتي»، من خلال حوار دار بينه وبين أحد مريديه، ما تحويه مكتبته من دواوين الشعر بالمقارنة بالكتب المرتبطة بفن القصة والرواية، وأعقبها بمقالة حول هذا الموضوع في مجلة «الرسالة» في عددها الصادر في 3 سبتمبر عام 1945 تحت عنوان «الشعر والقصة»، معلقًا على رأي ساقه الأديب محمد قطب في أحد أعداد المجلة حول رأيه في فن القصة. يقول العقاد:
«ونحن فضلنا الشعر على القصة في سياق الكلام عليهما في كتاب "في بيتي"، فكل ما قلناه إذن هو أن الشعر أنفس من القصة، وأن محصول خمسين صفحة من الشعر الرفيع أوفر من محصول هذه الصفحات من القصة الرفيعة.
فلا يقال لنا جوابًا على ذلك إن القصة لازمة، وإن الشعر لا يغني عن القصة، وإن التطويل والتمهيد ضرورتان من ضرورات الشرح الذي لا حيلة فيه للرواة والقصاصين.
ويستطيع الأديب الأستاذ محمد قطب أن يقرر، كما قرر في "الرسالة": "أن القصة دراسة نفسية لا غنى عنها في فهم سرائر النفوس، وليس الشعر أو النقد أو البيان المنثور بمغن عنها، لأنها في ذاتها أحد العناصر التي يحتاج إليها قارئ الحياة".
ويستطرد العقاد حول هذا الموضوع فيقول: «إنني لم أكتب ما كتبته عن القصة لأبطلها وأحرم الكتابة فيها، أو لأنفي أنها عمل قيم يُحسب للأديب إذا أجاد فيه، ولكنني كتبته لأقول أولًا إنني أستزيد من دواوين الشعر، ولا أستزيد من القصص في الكتب التي أقتنيها، وأقول ثانيًا إن القصة ليست بالعمل الوحيد الذي يُحسب للأديب، وإنها ليست بأفضل الثمرات التي تثمرها القريحة الفنية، وإن اتخاذها معرضًا للتحليل النفسي أو للإصلاح الاجتماعي لا يفرضها ضربة لازب على كل كاتب، ولا يكون قصارى القول فيه إلا كقصارى القول في الذهب والحديد: الحديد نافع في المصانع والبيوت، ولكنه لا يُشترى بثمن الذهب في سوق من الأسواق».
(الشعر والقصة، عباس محمود العقاد، الرسالة، القاهرة، ع 635، 3/9/1945، ص 939).
وكأنما كانت مقولة العقاد حول القصة هي النار التي انتشرت في الهشيم، فقد انبرى لها العديد من الأدباء، على رأسهم أديب شاب ضرب بسهم وافر في مجال القصة والرواية، هو نجيب محفوظ، وكان في هذا الوقت لم تصدر له سوى الثلاثية الفرعونية، ورواية «خان الخليلي»، وعدد لا بأس به من القصص القصيرة نُشر في أعداد «المجلة الجديدة» التي كان يصدرها سلامة موسى، و«رسالة الزيات»، و«ثقافة أحمد أمين»، و«مجلتي» التي كان يصدرها أحمد الصاوي محمد.
وقد رد نجيب محفوظ على مقالة العقاد بمقالة في نفس العدد تحت عنوان «القصة عند العقاد»، فنّد فيها مزاعم العقاد في انتصاره للشعر على القصة، فقال نجيب محفوظ:
«انظر إلى العقاد وقد لاحظ حواريه في "في بيتي" صغر نصيب القصص من مكتبته، فأجابه قائلًا: "لا أقرأ قصة حيث يسعني أن أقرأ كتابًا أو ديوان شعر، ولست أحسبها من خيرة ثمار العقول". فالرجل الذي لا يقرأ قصة حيث يسعه أن يقرأ كتابًا أو ديوان شعر ليس بالحكم النزيه الذي يقضي في قضية القصة. والرجل الذي يلاحظ على مكتبته صغر نصيبها من القصة ينبغي أن تكون القصة آخر ما يرجع إليه في حكم يتصل بها. بل إنه يفضل النقد — لا الشعر والنثر الفني وحسب — على القصة. والمعروف أن النقد ميزان لتقويم الفنون، فكيف يُفضل على أحدها؟! وهل تنزل القصة هذه المنزلة عند شخص إلا إذا كان لها كارهًا وعليها حاقدًا؟! فحكم العقاد على القصة حكم مزاج وهوى لا حكم نقد وفلسفة. بيد أني أريد أن أتناسى ذلك، وأريد أن أنظر نقده بعين مجردة، لأن لكلام العقاد قيمة خاصة عندي، ولو كان مصدره المزاج والهوى».
ويستطرد نجيب محفوظ للدفاع عن فن القصة فيقول:
«فالقصة لا ترمي لمغزى يمكن تلخيصه في بيت من الشعر، ولكنها صورة من الحياة، كل فصل منها يمثل جزءًا من الصورة العامة، وكل عبارة تعين على رسم جزء من الجزء، فكل كلمة وكل حركة تشترك في إحداث نغمة عامة لها دلالتها النفسية والإنسانية، وكل جملة — في القصة الجيدة — تُقرأ وتُستعاد قراءتها ولا يغني عنها شيء من شعر أو نثر، ولا تحسبن التفاصيل في القصة مجرد ملء فراغ، ولكنها ميزة الرواية حقًا على فنون القصة الأخرى وفنون الأدب عامة، وهي لم توجد اعتباطًا، ولكنها جاءت نتيجة لتطور العصر العلمي العام».
وكما انتصر العقاد للشعر في مقالته، انتصر نجيب محفوظ للقصة في رده على هذه المقالة، ويستطرد نجيب محفوظ في ذلك فيقول:
«أجل، إن القصة لا تزال أعظم انتشارًا من الشعر، ولكن أكان ذلك لسيئة فيها أم لحسنة؟ إن الخاصة التي تقرأ الشعر الرفيع وتتذوقه تقرأ القصة الرفيعة وتشغف بها، وإذا كان العقاد لا يقرأ القصة إلا مضطرًا فطه حسين والمازني والحكيم وأيزنهاور يقرؤونها بغير اضطرار».
(نُشرت هذه المقالة في سبتمبر عام 1945، أي بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية مباشرة، وكان أيزنهاور وقتئذ القائد الأعلى لقوات الحلفاء المنتصرة في الحرب، لذا كان التمثيل باسمه من السمات التي تعطي للموضوع أهمية خاصة).
«ولئن انتشرت القصة في طبقات أخرى فما ذلك لسيئة بها، ولكن لحسنتين معروفتين: سهولة العرض والتشويق. فانتشار القصة الجيدة بين قوم لا يهضمون الشعر الجيد مرده إلى أن القصة في ظاهرها حكاية تُروى يستطيع أن يستمتع بها القارئ العادي لسهولتها وتشويقها. وليس بالسهولة من عيب يجرح الذوق السليم، ولا بالتشويق من انحطاط يؤذي الفهم الرفيع، وهي بعد ذلك تحوي قيمًا إنسانية كالشعر الرفيع يتذوق القارئ منها على قدر استعداده. وحسب القصة فخرًا أنها يسرت الممتنع من عزيز الفن للأفهام جميعًا، وأنها جذبت لسماء الجمال قومًا لم يستطع الشعر، على رسوخ قدمه، رفعهم إليها، فهل يكره العقاد ذلك، أو أنه يحب، كأجداده كهنة طيبة، أن يبقى فنه سرًّا مغلقًا إلا على أمثاله من العباقرة؟!»
(القصة عند العقاد، نجيب محفوظ، الرسالة، ع 635، 3/9/1945، ص 952).
وعلى الرغم من آراء العقاد التي ساقها نحو القصة والشعر والمفاضلة بينهما، إلا إنه كان يحتفي دائمًا بنهضة الأدب العربي في أي مجال من مجالاته؛ شعرًا أو قصة أو رواية أو نقدًا، وكان يطمح دائمًا إلى أن تتقدم الفنون والآداب وأن تنال نصيبها من الرقي والتسامي والانتشار، ويرجو لهذه الفنون أن تتجه نحو الأرفع والأنفع للمجتمع ولقرائه من الجنسين، حيث أشار إلى:
«أن نصيب القصة في الكتابة المنثورة آخذ في الازدياد والانتشار، وأن فن القصة بين الآداب العالمية. وفي بعض القصص التي تؤلف في هذه الفترة نزوع إلى ما يسمى بالأدب المكشوف ترتضيه طائفة من قراء الجنسين، ولا يُقابل بالرضى عنه من جمهرة القراء، ثم يلاحظ مع هذا أن الترجمة تنقص في الربع الثاني وأن التأليف يزداد ويتمكن في كثير من الأغراض. ولعل مرجع هذا إلى نمو الثقة بالنفس في الأمم العربية، وإلى ظهور طائفة من الكتّاب يستطيعون الكتابة في موضوعات مختلفة كانت وقفًا على الترجمة قبل ثلاثين أو أربعين سنة».
(الاتجاهات الحديثة في الأدب العربي، عباس محمود العقاد، الرسالة، القاهرة، ع 606، 12/2/1945، ص 137).
وفي مقالاته التي كان يؤصل بها فن القصة، ويؤرخ لجوانبه المختلفة، كتب العقاد افتتاحية أحد أعداد القصة التي كانت تصدرها مجلة «الهلال» في الأربعينيات، وهو عدد شهر أغسطس عام 1948، تحت عنوان «قصة القصة». يقول العقاد في هذه الافتتاحية:
«ولدت مع الأسرة، ودرجت مع القبيلة، ونمت في المجتمع القديم، وبلغت أشدها في المجتمع الحديث، وكان موضوعها أبدًا هو أقدم موضوع وأخلد موضوع شُغل به الناس وتشوقوا إلى سماع الحديث فيه، وهو — أو هي موضوعات — الحب والبطولة وعجائب الأخبار وخفايا الدنيا. ولم يعرف التاريخ قصة أقدم من القصة المصرية، لسبب ظاهر، هو أن المجتمع المصري كان أقدم مجتمع عرفه التاريخ، كما كان للشرقيين السبق في ميدان القصة بعد زوال دولة الفراعنة، فظهرت القصة في الإسكندرية وسوريا قبل أن تظهر في آسيا الصغرى وسائر بلاد الإغريق، وإن كان الإغريق عرفوا الملاحم الشعرية قبل ذلك.
ولم تزل قصب السبق في أيدي الشرقيين إلى أوائل القرون الوسطى، فاستمع الناس في مصر وسوريا وفارس إلى الرواية والمحدث، قبل أن تُقرأ القصة في أوروبا ببضعة قرون. وبدأت سلسلة «ألف ليلة وليلة» في القرن العاشر للميلاد، ولم يؤثر نظير لها في الغرب قبل القرن الحادي عشر، وهو «أحاديث الغرام» للإيطالي فرنسيسكو بربرينو، ولعله كما يدل عليه اسمه Barbareno من أصل مغربي أو من بلاد البربر على الإجمال، وتلاه بوكاشيو بأصابيحه العشر «الديكامرون» على نسق «ألف ليلة»، مستبدلًا الأصباح بالمساء.
ثم انتقلت قصبة السبق في هذا المضمار من يد الشرق إلى يد الغرب بعد القرن الخامس عشر، ولكنه كان كانتقال الكتاب من يد المعلم إلى يد التلميذ، لأن سرفانتس صاحب «دون كيشوت» — وأكبر قاص في القرن السادس عشر على الإطلاق — قد عاش زمنًا في أفريقيا الشمالية، وردد كثيرًا من الأمثال العربية في قصته الكبرى التي نعى بها عهد الفروسية، ولكنه مبتكر من جانب الموضوع أو جانب القدرة على خلق الشخصيات.
ويقال إن دانيال ديفو، أكبر القصاصين الإنجليز بين القرن السابع عشر والثامن عشر، قد وضع روايته الشائقة عن «روبنسون كروزو» على نسق «حي بن يقظان». أما القصة في طورها الأخير، فهي بحق وليدة المجتمع الأوروبي الحديث، ولم يكن من المستطاع أن تظهر قبل ذلك. ففي القرن الثامن عشر وُلدت القصة الحديثة، وأصبح القصص فنًا مستقلًا عن سائر الفنون، أو أصبح موضوعًا جديرًا بالقراءة لغير التسلية وتزجية الفراغ، لأنه اشتمل على الدراسات النفسية، والدراسات الاجتماعية، والدراسات التاريخية، وتخصص له كتاب مبرزون.
وكان للقصة في نشأتها الأولى، منذ أقدم العصور، كبرياؤها التي تلازم كل شباب، فكانت لا تتنزل إلى الكلام عن أحد من غير زمرة الأبطال والأمراء، ولا تتنزل إلى الحكاية عن حادث غير حوادث العجائب والغرائب، وقلما عُنيت بحديث في الحب إلا أن يكون حبًا بين أمير وأميرة، أو بين شموس وأقمار».
(قصة القصة، عباس محمود العقاد، الهلال، القاهرة، ج 8، المجلد 56، أغسطس 1948، ص 3).
وفي العدد الخاص بالقصة من مجلة «الهلال» الصادر في يوليو عام 1949، كتب العقاد مقالة تحت عنوان «القصة والخرافة»، يقول فيها:
«اسم (القصة) عندنا أكرم لهذا الفن من معظم أسمائه في اللغات الأوروبية، إن لم يكن أكرم من جميع أسمائه. فهم يطلقون على الموضوعات القصصية كلمة واحدة، هي كلمة "فكشن" أو Fiction باللغة الإنجليزية، مع تصحيف يسير في نطق الكلمة باللغات الأخرى. ومادة الكلمة في أصلها لا تدل على شيء غير معنى التلفيق والتزوير، وليس من كاتب في العصر الحديث يرضى لمؤلفاته أن تُنعت بالتلفيق والتزوير، بل لا يرضى لها أن تُنعت بمجرد المحاكاة والتقليد، وهما معنى من معاني التزييف في بعض الأحوال.
وعندهم كلمة أخرى تُطلق على الرواية، وهي كلمة "رومان" Roman، منسوبة إلى اللهجات الرومانية المستحدثة في اللغة اللاتينية القديمة في أقطار أوروبا الجنوبية. وقد جرت عادتهم في تلك الأقطار أن يلفقوا القصص بلهجاتهم المستحدثة، وهي لهجات عامية بالقياس إلى اللاتينية الفصحى، ويديرون موضوع القصص فيها على أبطال الفروسية في عهد اللاتين، وعهد الرومان الأولين، ويملأونها بالغرائب والمبالغات والأماني الكاذبة التي يطلقون عليها أحيانًا "بناء القصور في الهواء".
وقد صنعنا نحن في العربية مثل ذلك حين ألفنا بالعامية أقاصيص الإغراب والإعجاب بأبطال العرب الأقدمين، كالزير سالم، وسيف بن ذي يزن، وعنترة العبسي، وغيرهم ممن غبروا قبل ظهور اللهجات العامية. والقصة بهذا الاعتبار طبقة لا تتجاوز في القيمة الفنية طبقة هذه الملاحم التي يرويها شعراء القهوات البلدية لمن هم في الغالب أميون لا يكتبون ولا يقرؤون. وأصح كلمة عربية لترجمة "الفكشن" و"الرومان" بمعناهما هذا هي كلمة الخرافة.
أما اسم "القصة" بالعربية، فهو على خلاف ما يسبق إلى الخاطر، يفيد معنى غير معنى التوهم وخلق الحوادث على سبيل المحاكاة أو الحكاية. ومعناه مأخوذ من قص الأثر، لأن الذي يقص الأثر يتتبع أخبار القوم ويعرف مذهبهم في الأرض ومقامهم فيها، فهي مادة بحث وتحقيق، وليست مادة توهم وتلفيق. ومن ثم كان "القاص" عند العرب هو من يأتي بالقصة على وجهها، كأنه يتتبع معانيها، أو كأنه يتتبع "قاص الأثر" أنباء القوم في عالم المكان.
وفي القرآن الكريم عن أم موسى عليه السلام حين فقدته: "وقالت لأخته قصيه"، أي ابحثي عنه. فالقص من هذه المادة هو المعرفة الصحيحة عن بحث وهداية، وليس هو التوهم والتخيل للتلفيق والاختلاق».
وقد شارك العقاد في العديد من الندوات المرتبطة بالقصة، ولعل الندوة التي عقدتها دار الهلال ونُشرت بالعدد الخاص بالقصة في يوليو 1949، وكان موضوعها «أثر السينما والإذاعة في القصة»، كانت نموذجًا حيًا لهذه الندوات التي تتناول القصة في ذلك الوقت. وقد شارك فيها كل من الدكتور محمد حسين هيكل، والأستاذ عباس محمود العقاد، والأستاذ محمود تيمور، والأستاذ توفيق الحكيم، والأستاذ طاهر الطناحي.
وقد تحدث العقاد حول «حديث عيسى بن هشام»، وأشار إلى أنها مقامة مطولة نسج فيها المويلحي على منوال مقامات الحريري والهمذاني، ويبدو أن عنايته فيها كانت موجهة إلى اللغة أكثر منها إلى الأسلوب القصصي. على أن جانب القصة فيها يمكن أن يُعد أساسًا للمحاولات التي تلت ذلك، كما يمكن أن يُعد من هذا القبيل أمثال «أم القرى»، و«طبائع الاستبداد» للكواكبي، وقصة «سابور» لشوقي.
كما عرّج العقاد للحديث عن الحوار العامي في القصة، حيث قال: «ولعل إقدام هيكل باشا على إجراء الحديث في قصة "زينب" باللغة العامية كان متابعة للأستاذ لطفي السيد باشا واستجابة لما كان يدعو إليه من ذلك في "الجريدة"». وأشار العقاد إلى المقالة التي كتبها أحمد لطفي السيد حول الكتابة باللهجة العامية تحت عنوان: «اللغة العامية.. ما لها؟ إذا كتبناها زي ما هي، يجرى إيه؟!».
وقال العقاد أيضًا ردًا على تعليق لتوفيق الحكيم حول اتجاهات القصة العربية:
«أعتقد أن القصة يمكن أن تُقسم إلى قسمين: اجتماعي، وإنساني. ففي القسم الأول يكون أبطال القصة ممثلين للمجتمع الذي يعيشون فيه، وفي القسم الثاني يكون أبطالها صورًا عامة شائعة للمشاعر الإنسانية في كل زمان وكل مكان. وعندي أن القصص الإنسانية مثل "هاملت"، وغيرها من قصص شكسبير، وقصة "أهل الكهف" للأستاذ توفيق الحكيم، أكبر نفعًا وأبقى أثرًا. وفي الاستطاعة ترجمتها إلى جميع اللغات، وأن تُقبل عليها وتفيد منها مختلف الطبقات».
كما علّق العقاد على رأي الدكتور حسين هيكل في أنه لا خوف على القصة من الإذاعة والسينما، فقال:
«إن القصص الفنية التي تقوم على التحليل النفسي وتصور مختلف ألوان التفكير والعواطف البشرية، لن تضيرها السينما والإذاعة شيئًا. وإني لأوثر أن أقرأ قصة لديستويفسكي أو تولستوي على أن أشاهدها في السينما. أما القصص الشعبية و"الحواديت" الموضوعة للتسلية، ففي ميدان تلخيصها والاقتباس منها متسع للسينما والإذاعة والصحافة، كما هو مشاهد الآن. ولعل بعض هذه القصص يزداد الاستمتاع بها إذا شوهدت في السينما أو سُمعت في الإذاعة».
كما أشار العقاد أيضًا حول كتابنا وكتاب الغرب بقوله:
«لعل الفرق بين الشرق والغرب في إنتاج القصة يرجع أكثره إلى توافر أسباب النشر والرواج في الغرب، نظرًا لتقدم الطباعة وكثرة القراء. ومما يُذكر أنه ظهرت هناك قصة في سبعة مجلدات عن أحداث العالم. أما كتاب القصة عندهم وعندنا فليس ثمة فارق كبير بينهم».
(أثر السينما والإذاعة في القصة «ندوة الهلال»، اشترك في الندوة كل من الدكتور محمد حسين هيكل، وعباس محمود العقاد، ومحمود تيمور بك، وتوفيق الحكيم، الهلال، القاهرة، ج 7، المجلد 57، يوليو 1949، ص 110).
وقد اشترك العقاد في تحكيم العديد من مسابقات القصة، ولعل المسابقة التي أقامتها دار الهلال للقصة القصيرة في نهاية الأربعينيات، وظهرت نتيجة المسابقة في العدد الخاص بالقصة في أغسطس 1948، تُعد نموذجًا لهذه المسابقات التي كان الغرض منها البحث عن أقلام جديدة ومواهب شابة تدفع بدماء جديدة في مجال القصة القصيرة.
وكانت شروط المسابقة هي أن تكون القصة شرقية عربية تدور حول الوطنية والبسالة، ولا يزيد عدد كلماتها على 1500 كلمة، وقد اشترك في هذه المسابقة 275 كاتبًا، وتكونت لجنة التحكيم من: الأستاذ عباس محمود العقاد، والدكتور طه حسين، والسيدة أمينة السعيد، ومحمود تيمور بك، والسيدة بنت الشاطئ، والدكتور أحمد زكي، والأستاذ طاهر الطناحي.
وقد فاز بالجائزة الأولى في هذه المسابقة الأديب محمد عبد الحليم عبد الله عن قصته «ابن العمدة»، وكانت قيمة الجائزة خمسين جنيهًا، وفاز بالجائزة الثانية الأديب سليم اللوزي عن قصته «البطل»، وكانت قيمة الجائزة في ذلك الوقت ثلاثين جنيهًا.
(مسابقة القصة، الهلال، القاهرة، ج 7، المجلد 57، يوليو 1949، ص 122).
أما بالنسبة للقصص التي كتبها العقاد، فلم يذكر لنا تاريخ الأدب سوى قصتين: الأولى هي قصة «أحسن حمار»، ونُشرت في العدد 433 من مجلة «الاثنين والدنيا» التي كانت تصدرها دار الهلال، في عدد 28 سبتمبر 1942، والثانية «كسبنا القضية»، ونُشرت في مجلة «المصور» في العدد 1231 بتاريخ 14 مايو 1948.
(دليل القصة المصرية القصيرة.. صحف ومجلات 1910 / 1961، إعداد د. سيد حامد النساج، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 1972، ص 91).
لعلنا في هذه الأطلال الخاصة بعلاقة العقاد بفن القصة، نكون قد دخلنا إلى منطقة لم يطرقها إلا القليل من الباحثين قبل ذلك من التاريخ الأدبي للعقاد، وهو التاريخ المضيء المتوهج في كافة مجالات الفكر والإبداع. وإن كانت القصة لم تحظ منه إلا بالقليل، إلا أن هذا القليل كان علامة مضيئة في الساحة الإبداعية في تاريخ الأدب العربي الحديث، حيث كانت روايته «سارة»، والمجموعة المترجمة من الأدب القصصي الأمريكي، وقصتاه اليتيمتان، وآراؤه حول فن القصة، وما قدمه للأدب في هذا المجال، هي خلاصة فكر العقاد وبصماته القوية العملاقة في النهضة الأدبية التي ظهرت بعد ذلك، ومهدت الطريق إلى أجيال جديدة جاءت من بعده أثرت فن القصة والرواية الحديثة بأعمال تُوِّجت بعد ذلك بحصول الرواية العربية، متمثلة في شخص أديبنا الكبير نجيب محفوظ، على جائزة نوبل في الآداب في أكتوبر 1988.