العقاد.. التحرر من تسلط الأقلية وسطوة الأغلبية
كان عباس العقاد صاحب اهتمامات متعددة وإنتاج متنوع، فهو الشاعر صاحب الدواوين العديدة، ولديه موقف مع تجديد الشعر العربي ومناوأة الشعر التقليدي كما عبر عنه أحمد شوقي عبر عنه في كتاب «الديوان» مع زميله وصديقه إبراهيم عبد القادر المازني. وهو أيضًا الناقد المتميز صاحب العديد من الدراسات المتميزة، ومن الرواد في إدخال الجانب النفسي في فهم تجربة الشاعر والمبدع، وقد وضح ذلك في دراسته عن أبي نواس. وهو أيضًا المفكر والكاتب السياسي القوي الشجاع، وله العديد من المواقف التي تستحق أن تُدرس. وقد حاول البعض اختصاره في مقولته بخصوص الملك فؤاد، حين صرح بأن الأمة على استعداد لأن تحطم أي رأس تعتدي على الدستور، وفُهم أن المقصود هو الملك فؤاد. بعد ذلك حوكم، وحكم عليه بالسجن لمدة تسعة شهور قضاها زمن حكومة إسماعيل صدقي، ورغم أن المحاكمة كانت بسبب آخر، غير أن الوسط الثقافي والسياسي أرجعها إلى التربص بالعقاد بسبب تصريحه السابق عن الدستور.
يلفت النظر في حياة العقاد وسيرته أنه كان دائمًا قادرًا على أن يعبر عن رأيه بلا خوف، وبلا قلق من ردود الفعل أيا كانت، سواء من خصومه أو من أصدقائه، وفي الحالتين تحمل التبعة راضيًا، معتبرًا أنها نتيجة طبيعية أو متوقعة على الأقل، لذا لم يعش بضغينة تجاه أحد، ولا أحس يومًا بمظلومية ما.
في سنة 1928 أقال الملك فؤاد حكومة الوفد، وجاءت حكومة محمد محمود باشا التي أطلق عليها حكومة «القبضة الحديدية». لم يتوقف العقاد عند انتقاد الحكومة وممارساتها، لكنه أصدر كتابًا بعنوان «الحكم المطلق». كان الكتاب يفند حجة سادت وقتها، وهي أن الديمقراطية لا مكان لها ولا مستقبل في دول البحر المتوسط، تحديدًا، شمالًا وجنوبًا. وقتها كانت الحكومات الديكتاتورية تسيطر في إيطاليا، وفي إسبانيا، وفي اليونان، وفي فرنسا، وفي مصر أيضًا، وراح هو يؤكد أن المستقبل للديمقراطية، وأن هذه الحكومات مؤقتة ولا يمكن أن تستمر. صحيح أن الكتاب -فيما بعد- لم يُطبع كثيرًا، واعتبره البعض مرتبطًا بوجود حكومة محمد محمود، لكنه إلى اليوم يعد وثيقة فكرية حول أن الديمقراطية هي الأنسب وهي الأفضل، وردًّا على معركة أن الديمقراطية قدر بعض الشعوب، والديكتاتورية قدر البعض الآخر لأسباب وتغيرات تبدو لنا عنصرية، وأننا من هذا الأخير. وربما يكون ذلك الكتاب أحد أسباب التربص به ومحاكمته سنة 1929، وليس فقط مقولته في مجلس النواب عن الدستور والعبث به.
هنا وجد العقاد مساندة ودعمًا من أنصار الأفكار الليبرالية، بينما تجهم له أنصار الأوتوقراطية والتسلط من أمثال إسماعيل صدقي، ناهيك عن رجال الديوان الملكي زين أحمد فؤاد.
لكنه في سنة 1936 اتخذ موقفًا أغضب الكثير من الليبراليين. كان الزعيم مصطفى النحاس قد وقع مع بريطانيا معاهدة 1936، وبمقتضاها تنسحب بريطانيا من أنحاء مصر، ولا يكون لها أي تواجد في الإدارة المصرية، عمليا استقلال تام. وأبقت المعاهدة على تواجد حربي للجيش البريطاني في منطقة قناة السويس لحماية الملاحة البحرية بها، وكانت حجة بريطانيا أن مصر ليس لديها جيش قوي يمكنه حماية القناة والدفاع عنها إذا هوجمت من أي دولة. وكانت تلك السنوات تشهد صعود النازية الألمانية وهتلر. قبل المصريون بتلك الحجة، واعتبر النحاس أن توقيع المعاهدة غاية المنى، وأسماها معاهدة الشرف والاستقلال.
تأثر بهذه المعاهدة د. طه حسين، صديق العقاد، وأصدر كتابه «مستقبل الثقافة في مصر» مطالبًا فيه بأن نعمل على بناء جيش وطني قوي يمكننا من أن نذهب إلى الإنجليز ونطلب إليهم مغادرة القناة؛ لأننا عدنا قادرين على الدفاع عنها.
ود. حافظ عوض، الذي شغل منصبي وزير الصحة ووزير الخارجية، أصدر هو الآخر كتابًا بمناسبة معاهدة 1936، يقدم فيه برنامجًا للإصلاح والنهوض في عدة قطاعات، أبرزها الصحة والتعليم، حتى تتمتع مصر بالاستقلال فعلًا.
لم يكن طه حسين وفديًّا، ولا كان حافظ عوض كذلك، بل انفعل كل منهما بالمعاهدة وما تقدمه لمصر من استقلال، حتى لو لم يكن مكتملًا ولا نهائيًّا.
العقاد كان له رأي مغاير، فقد رفض تسمية المعاهدة بأنها معاهدة الشرف والاستقلال، ورأى أنها تقدم لبريطانيا أكثر مما تقدم لمصر، وأننا لم ولن نحصل منها على شيء كبير، فالسيادة في النهاية لبريطانيا، والدليل بقاء قاعدة عسكرية لها في منطقة القناة تضم أكبر عدد من الجنود، وأكبر مخزن للسلاح البريطاني، ويبقى سفيرها مسيطرًا على الحياة السياسية.
بالإضافة إلى بند في المعاهدة يعطي بريطانيا الحق في استعمال المرافق والأراضي المصرية إذا دخلت بريطانيا في حرب.
لم يتوقف العقاد عن الكتابة ضد المعاهدة وانتقاد النحاس باشا، وقد حاول البعض وقتها تفسير موقفه هذا على أنه نتيجة خلافه السابق سنة 1935 مع النحاس باشا والوفد. ورغم أن خلافه مع الوفد وانشقاقه عنه كان حاضرًا، فإن حججه أيضًا كانت قوية.
المهم أنه لم يتهيب التعبير عن رأيه، حتى لو بدا نشازًا وقتها، ذلك أن الأغلبية كانوا سعداء بالمعاهدة. وسوف تأتي أحداث الحرب العالمية الثانية وما وقع يوم 4 فبراير 1942، حين حاصرت الدبابات البريطانية قصر عابدين، وهدد السفير البريطاني مايلز لامبسون الملك فاروق بالعزل عن العرش ما لم يكلف النحاس باشا بتشكيل الحكومة. هذا الموقف أكد أن حجج العقاد سنة 1936 كانت لها وجاهتها، لكن ذلك هو ما كان متاحًا الحصول عليه سنة 1936، لا ننسي أن المعاهدات التي يتم توقيعها تكون تعبيرًا عن موازين القوى بين الدول والأطراف التي تتعاهد.
ولما قامت ثورة يوليو 1952، رحب الكثيرون بما جرى من تنازل الملك عن العرش وتعيين مجلس وصاية، وكان العقاد واحدًا من أبرز هؤلاء. ولما بدأ الهجوم الحاد على الملك فاروق وتناول بعض جوانب من حياته الشخصية، لم يشارك في ذلك. ولما راح مجلس قيادة الثورة يتخذ بعض الخطوات الحاسمة، مثل قانون الإصلاح الزراعي الأول في سبتمبر 1952، اكتفى البعض بالتأييد العام أو لزم الصمت، لكن العقاد انبرى للدفاع القوي وشرح أبعاد هذا القرار، وطالب كبار الملاك أن يشكروا مجلس قيادة الثورة على هذا القرار بدلًا من رفضه أو عدم تقبله، فقد رأى أن القرار يحمي حياتهم؛ لأنه بلا تحديد للملكية الزراعية كانت البلاد على حافة ثورة على غرار ثورة 1917 في روسيا «الثورة البلشفية» التي قامت بإعدام كبار الملاك، وليس فقط أخذ أراضيهم وممتلكاتهم. وكان في رأيه أنه لو كان في مصر نشاط نقابي سليم وقوي في المجال الزراعي، لما كانت هناك مشكلة، وكانت الأمور ستحل تلقائيًّا بلا أي إجراء ثوري.
ولما أصدر جمال عبد الناصر كتابه «فلسفة الثورة» في أكتوبر سنة 1953، كتب العقاد في مجلة «المصور» دراسة بعنوان «فلسفة الثورة في الميزان»، حاول فيها تحليل ما ورد في الكتاب، وقارن التجربة المصرية بتجربة أتاتورك في تركيا، حين سعى إلى استقلال تركيا وتحديثها.
وقد يتصور البعض أنه بذلك صار بوقًا للثورة أو فردًا في صفوف المؤيدين، لكنه ظل محتفظًا باستقلاله الفكري، ولذا خاض معارك حادة مع اليسار واليساريين على مختلف الأصعدة.
والذي حدث أن بعض فصائل اليسار تصوروا أن ثورة 1952 يجب أن تسير في نفس مسار الثورة الروسية، وتتبنى صراع الطبقات وسيادة الطبقة العاملة وتراجع الحريات السياسية، وكان هو ضد ذلك. وفي تلك الفترة أصدرت له دار الهلال كتاب «لا شيوعية ولا استعمار» سنة 1959.
كان الكتاب، من تسميته الأولى «لا شيوعية»، يختلف فيه مع اليسار واليساريين حول مسار الثورة وما يجب أن تكون عليه، والجزء الثاني «لا استعمار» يختلف فيه مع عتاة اليمين، الذين كانوا يفضلون الإدارة الاستعمارية ويرون أن الإدارة البريطانية للبلاد أفضل من الإدارة الوطنية.
وبغض النظر عن موقف هذا وأفكار ذلك، ظل العقاد حتى وفاته في مارس 1964 قادرًا على أن يعلن أفكاره ويعبر عن آرائه بشجاعة أدبية وسياسية تُحسب له، وكان دائمًا صاحب موقف متسق مع ذاته، لم يتلق أمرًا ولا مارس العداء للعداء، لذا فإن أشد خصومه اعترفوا له بقيمته ودوره المهم، بل أستاذيته، وأبرز هؤلاء الشاعر الكبير أحمد عبد المعطي حجازي، والناقد الراحل رجاء النقاش. وقد أصدر النقاش كتابًا مهمًّا بعنوان «العقاد بين اليمين واليسار».
كان رجاء النقاش هاجم العقاد في حياته.. وكانت معركة نقدية بينهما، لكن يحسب لرجاء النقاش النبل والشجاعة الأدبية في فهم خصمه الذي كان أحد معايير تقييم الكاتب والمفكر هي شجاعته في إعلان ما يراه، بغض النظر عن رد الفعل الذي يمكن أن يلقاه، فلا يتملق فريقًا ولا يناصب فريقًا العداء لأسباب أو منافع ذاتية، وبهذا المعنى فإن العقاد يستحق أن نضعه في المقدمة مع أسماء كبار من مجايليه.
اختلف العقاد سنة 1929 مع الحكومة ودخل السجن، ثم خرج راضيًا، وتحدث عن التجربة في كتاب مهم يعد من أفضل ما كتب بالعربية عن السجون والمساجين، وهو كتابه «عالم السدود والقيود».
واختلف مع الوفد سنة 1935، وتحمل الإبعاد عن كل صحف الوفد وفقدان راتبه الشهري، حوالي 160 جنيهًا شهريًّا، وبمعيار ذلك الزمان كانت ثروة ضخمة، وتحمل ذلك راضيًا مرضيًّا.
العقاد قيمة فكرية وثقافية كبرى نعتز بها، ولا يجب أن نتوقف عن الحديث عنه ومناقشة أفكاره، ولا ننتظر مناسبة معينة، فهو أكبر من أي مناسبة.