رئيس مجلس الادارة

عمــر أحمــد ســامي

رئيس التحرير

طــــه فرغــــلي


العملاق ونوبل

16-6-2026 | 11:32


د. مراد عباس

د. مراد عباس

تتباين الآراء في جائزة نوبل؛ لأنها لا تُمنح دائمًا لمن يستحق، أو في قول أدق: لأن كثيرين ممن يستحقون الجائزة لم يحصلوا عليها، ولعلنا لا نستطيع أن نعدد الأسماء التي كانت تستحق الجائزة ولم تحصل عليها، فمنهم فيدريكو جارثيا لوركا، وميجيل إرنانديث، وخيمي خيل دي بيدما، ومحمود درويش، ولا شك أيضًا طه حسين والعقاد. وبسبب ذلك، ولأسباب أُخر، رفض بعض الأدباء تسلم الجائزة، منهم برنارد شو الذي قال إن الجائزة مثل طوق النجاة الذي يجب أن يُرسل إلى الأديب وهو يكاد يغرق في أمواج الحياة، لكنه يصبح بلا قيمة إذا أُعطي للأديب بعد أن يكون قد وصل إلى الشاطئ، وكذلك سارتر الذي رفضها لأنها أُعطيت لتلميذه كامو قبل أن تُعطى له. أما طه حسين فقد عبر عن موقفه من جائزة نوبل أكثر من مرة، وقد أشار إلى الطابع السياسي الذي تتسم به الجائزة، وفي بعض الأحيان يتجاوز هذا الطابعُ الطابعَ الأكاديمي أو الثقافي الذي يجب أن تتميز به. وقد كان طه حسين منفتحًا على الغرب، وقد حصل على الدكتوراه الفخرية من جامعات أوروبية عدة، وقد رُشح لنوبل أكثر من مرة، ولكنه لم يفز بها بالرغم من الدور الذي قام به في الثقافة المصرية، وكذلك الأمر بالنسبة للعقاد.

عباس محمود العقاد، هذه الشخصية الفريدة التي جمعت بين الشعر والفلسفة والتاريخ والنقد الأدبي، لكن ما يجعل هذه الشخصية أكثر تميزًا ليس فقط غزارة إنتاجها الفكري الذي تجاوز المائة كتاب، بل موقفه المتناقض ظاهريًا من جائزة نوبل، ذلك الموقف الذي يبدو للوهلة الأولى وكأنه رفض عنيد لتكريم دولي مرموق، لكنه عند التأمل العميق يكشف عن رغبة عميقة في الحصول على الجائزة المرموقة، خاصة أنه سيكون في هذه الحالة -إن كان قد حدث- أول عربي يحصل عليها.

فالعقاد، الذي كتب عن جائزة نوبل في أكثر من كتاب، والذي حلل معاييرها وانتقد سياستها، والذي رشح نفسه للجائزة ثم انسحب أو لم ينل حظوته منها، يقدم لنا نموذجًا فريدًا للأديب المفكر الذي يرفض أن يكون الأدب سلعة في سوق الجوائز الدولية، وفي الوقت نفسه لا يتردد في تقدير القيمة الحقيقية لهذه الجائزة. إنها قصة معقدة ومثيرة تجمع بين الطموح الشخصي والموقف المبدئي، بين الاعتراف بالقيمة الموضوعية والرفض للتبعية الثقافية.

وكي نفهم موقف العقاد من جائزة نوبل، لا بد من العودة إلى تصوره الفلسفي للأدب ودور الأديب في المجتمع. كان العقاد ينتمي إلى مدرسة فكرية ترى أن الأدب ليس مجرد ترف فكري أو تسلية ذهنية، بل رسالة سامية ومسؤولية كبرى، ولا شك أنه واحد من الذين غيروا تاريخ الأدب العربي في العصر الحديث، ليس فقط بتأسيس مدرسة الديوان التي أثرت في الثقافة المصرية، بل بالمشاركة في تأسيس مدرسة المهاجر الأمريكية بكتابة مقدمة كتاب "الغربال" الذي يعد المنافيست الرسمي لمدرسة جديدة في الشعر العربي الحديث. وقد تأثر العقاد بالفلسفة المثالية التي تمجد القيم العليا كالحق والخير والجمال، ورأى أن الأديب الحق هو الذي يسمو بفنه فوق الموضوعات الصغيرة التي لا تليق بالأديب، مثل المديح الزائف والتحميدات المستجدية والاعتبارات المادية.

والعقاد، الذي لم يحصل على تعليم عالٍ وكان يفاخر بهذا، أكد مرارًا أن قيمة الأديب لا تُقاس بالجوائز التي يحصل عليها، ولا بالشهادات التقديرية التي تُمنح له، بل بمدى تأثيره في وجدان أمته وفي تطور الفكر الإنساني. وكان يرى أن الجوائز مهما بلغت قيمتها المادية والمعنوية تبقى اعترافًا خارجيًا لا يدل على القيمة الحقيقية للأديب، وقد يحصل عليها من لا يستحقها، ويُحرم منها من هو أحق بها.

ولذا فقد تعامل العقاد مع الجوائز الأدبية بتحفظ شديد، ليس لأنه يستنقص قيمتها، ولكن لأنه يرى أن الأديب الحق يجب ألّا يسعى إليها أو يجعلها هدفًا لإبداعه. فالغاية من الأدب، في نظره، تكمن في التعبير الصادق عن قضايا الإنسان والمجتمع، وتقديم رؤية فلسفية للحياة، وإثراء الفكر الإنساني بالقيم النبيلة.

وقبل أن يتحدث العقاد عن جائزة نوبل، كانت له مواقف متعددة من الجوائز العربية والمحلية. ففي مصر كانت هناك جوائز أدبية تمنحها المجامع اللغوية والمؤسسات الثقافية، وكان العقاد ينتقد في الغالب آليات منح هذه الجوائز، متهمًا إياها بالمحسوبية والاعتبارات غير الموضوعية.

وهذه التجارب المبكرة شكلت موقف العقاد من الجوائز بشكل عام، فقد لاحظ كيف تتدخل العوامل الشخصية والسياسية أحيانًا في اختيار الفائزين، وكيف تُمنح الجوائز أحيانًا لمن هم أقل موهبة، ولكنهم أكثر التزامًا بالسياسات الرسمية أو أكثر ارتباطًا بمراكز النفوذ. وقد جعله هذا ينظر إلى الجوائز بعين الناقد الحذر الذي لا يثق بسهولة في نزاهة اللجان أو في معايير الاختيار.

وقد تحدث العقاد عن جائزة نوبل حديثًا مفصلًا في كتابه عن خوان رامون خمينث، الذي حصل على نوبل عام 1956، وقد صدر كتاب العقاد عام 1960، أي بعد مرور أربع سنوات على حصول الشاعر على الجائزة، ولكني أستطيع أن أجزم أن العقاد قد بدأ في كتابة الكتاب منذ السنة الأولى التي حصل فيها خمينث على الجائزة، وقد تأخر إصدار الكتاب لأن العقاد لم تُعرف عنه المعرفة الوثيقة بالإسبانية، ولم يُعرف عنه إصدار كتاب بلا قيمة، فقد انقضت هذه السنوات في جمع المادة العلمية ليس فقط عن خمينث، بل عن جائزة نوبل أيضًا.

وفي هذا الكتاب "شاعر أندلسي وجائزة عالمية"، يقدم العقاد دراسة تفصيلية عن جائزة نوبل، تتجاوز السرد التاريخي المجرد إلى تحليل نقدي عميق. يبدأ الكتاب بالحديث عن ألفريد نوبل نفسه، ذلك العالم السويدي الذي اخترع الديناميت، وأحس بالندم لأن اختراعه استُخدم في الحروب وأودى بحياة الكثيرين، بدلًا من أن يكون وقفًا للأغراض السلمية النافعة للحياة البشرية.

يبرز العقاد هنا جانبًا إنسانيًا في شخصية نوبل، يرى فيه نموذجًا للضمير الحي الذي يدفع صاحبه إلى التكفير عن خطاياه. فحين رأى نوبل أن اختراعه يُستخدم لتدمير البشر بدلًا من خدمتهم، قرر أن يوقف ثروته الطائلة التي جمعها خلال حياته لهذه الجائزة، لتُمنح لمن يخدمون الإنسانية في مجالات الفيزياء والكيمياء والطب والأدب والسلام.

لكن العقاد لا يكتفي بهذه الناحية الإنسانية، بل ينتقل سريعًا إلى نقد واقع الجائزة بعد وفاة مؤسسها، فيرى أن السياسة ألقت بظلالها على اللجان التي تختار الفائزين، وأن كثيرًا من كبار الأدباء والعلماء حُرموا من الجائزة بسبب توجهاتهم السياسية أو الفكرية التي لم تكن تتوافق مع الميول السائدة في الغرب، ولا أدل على ذلك من كثير من الشعراء والأدباء العرب، من أمثال محمود درويش وسميح القاسم والسياب والبردوني وغيرهم.

هذا النقد يمثل جوهر موقف العقاد من الجائزة، فهو لا يرفضها كليًا، ولكنه يرفض الآليات التي حرفت مسارها عن الأهداف النبيلة التي وضعها نوبل. إنها جائزة أُريد لها أن تكون للإنسانية كلها، فإذا بها قد تحولت، في كثير من الأحيان، إلى أداة في خدمة الصراعات السياسية والأيديولوجية.

وربما يكون الجزء الذي كتبه العقاد عن خمينث أضعف أجزاء الكتاب، ربما لعدم معرفة العقاد باللغة الإسبانية، وربما لأن خمينث كان مجرد ذريعة للكتابة عن نوبل.

أما الكتاب الثاني الذي تناول فيه العقاد جائزة نوبل فهو كتاب يحمل عنوان "جوائز الأدب العالمية"، الذي صدر عام 1964، أي بعد أربع سنوات من صدور كتاب خمينث، وقد خصص هذا الكتاب للحديث عن نوبل، إذ يعود إلى جائزة نوبل، ولكن بشكل أكثر تركيزًا، إذ يستعرض تاريخ الجائزة، والأسس التي قامت عليها، وأهم الكتاب والمفكرين الذين حصلوا عليها، والمعايير الأدبية والفكرية التي تُمنح من أجلها.

ويقدم العقاد في هذا الكتاب أمثلة محددة على ما يراه خللًا في منح الجائزة. فهو يرى أن الجائزة كثيرًا ما تأثرت بالاعتبارات الجغرافية والسياسية، فكانت تذهب إلى أدباء الدول الكبرى أو أدباء الدول الصديقة للدول الكبرى، في حين لا تُمنح إلا نادرًا لأدباء دول أخرى قد يكونون أكثر استحقاقًا، ولا أدل على هذا التفاوت من مقارنة من حصلوا عليها من أوروبا بمن حصلوا عليها من بقية قارات العالم القديم والجديد.

وفي هذا السياق، نستطيع أن نستشف أن العقاد يتحدث عن تجربته الشخصية وعن تجربة الأدب العربي بشكل عام. فبرغم غنى الأدب العربي وتاريخه العريق، لم ينل جائزة نوبل في الأدب -إلى زمن العقاد- أحد من الكتاب العرب، وقد حدث ذلك في إطار الإهمال المتعمد الذي يتحدث عنه العقاد.

ويرى العقاد أن المشكلة الأساسية في جائزة نوبل تكمن في تدخل الاعتبارات السياسية في منحها. فبرغم أن نوبل أوصى بأن تُمنح الجائزة لمن يخدمون الإنسانية بغض النظر عن جنسياتهم أو انتماءاتهم السياسية، فإن الواقع كان مختلفًا تمامًا.

ففي مجال الأدب خاصة، كانت اللجان السويدية تميل إلى مكافأة أدباء يمثلون تيارات فكرية أو سياسية معينة، بينما تتجاهل أدباء آخرين قد يكونون أكثر إبداعًا، ولكنهم لا يتفقون مع هذه التيارات. والحرب الباردة الطويلة بين المعسكرين الشرقي والغربي زادت هذه المشكلة تعقيدًا، فأصبحت الجائزة -أحيانًا- سلاحًا في الصراع الأيديولوجي، ويكفي أن نشير إلى أنها أُعطيت لمن كانوا يحاربون المد الاشتراكي في الدول الأوروبية، من أمثال سارتر وكامي مثلًا.

والعقاد، الذي عاش تجارب الاستعمار في العالم العربي، ورأى كيف تُستغل الثقافة بوصفها أداة للهيمنة الفكرية والسيطرة الثقافية، وكان واحدًا ممن غيروا تاريخ الثقافة العربية بما نقله من آثار الأدب الإنجليزي، كان مدركًا جدًا لهذا الجانب. فالجائزة بالنسبة له ليست مجرد تكريم فردي، بل جزء من نظام ثقافي عالمي تسيطر عليه قوى كبرى، ويمكن أن تُستخدم الجائزة لفرض رؤيتها الثقافية على العالم، وهو في هذا الجانب يعلم أنه جدير بها لما قدمه إلى الثقافة الغربية من إسهامات مكنتها من أن تعيش في إطار متناغم ومتكامل مع الثقافة العربية، كما كان طه حسين أيضًا جديرًا بها للأسباب ذاتها، هذا من وجهة نظر مانحي الجائزة أنفسهم، وبالرغم من هذا لم يحصل العقاد أو طه حسين على الجائزة.

ومن وجهة نظر أخرى في نقد العقاد، كان الأمر يتعلق بالمعايير الأدبية والفنية التي تعتمدها لجان نوبل. فهذه المعايير، في نظره، ليست عالمية بقدر ما هي غربية الطابع، متأثرة بالتقاليد الأدبية الأوروبية وبالنظريات النقدية السائدة في الغرب.

وهذا يعني أن أدباء من ثقافات أخرى، قد يكونون عظماء في سياقاتهم الثقافية، لا يحصلون على حقهم من التقدير ببساطة؛ لأن معايير التقييم لا تنصفهم. فالأدب العربي مثلًا، بطبيعته البلاغية والإيقاعية، يختلف عن الأدب الغربي الذي يميل إلى الواقعية والسرد المباشر. والفيلسوف أو المفكر العربي قد يطرح قضاياه بطريقة تختلف عن الطريقة التي تعتمدها الآداب الغربية. ولهذه الأسباب الموضوعية ذاتها لا يحصل الأديب العربي على الجائزة.

وبالطبع كان العقاد يطالب بأن تكون معايير التقييم أكثر إنصافًا وتنوعًا، بحيث تستطيع أن تنصف الإبداع الإنساني بكل تنوعه الثقافي، وألّا تقتصر على معطيات الفكر الغربي الأوروبي فقط.

وقد كان العقاد يؤمن بالكلمة التي أصبحت مثلًا من بعده: "قيمتك في ذاتك، وبواعثك أحرى بالعناية من غاياتك، ولا تنتظر من الناس كثيرًا"، لذا كان يرى أن سعي الأديب وراء الجوائز والشهادات التقديرية يمكن أن يمس استقلاليته ويحد من حريته. فالأديب الذي يسعى إلى إرضاء لجان الجوائز قد يضطر إلى تعديل رؤيته أو تخفيف حدته، أو تجنب قضايا مثيرة للجدل، أو التخلي عن دوره في الدفاع عن قضايا أمته حتى يزيد من حظوظه في الفوز. وهذا يتناقض تمامًا مع مفهوم الحرية الفكرية الذي كان العقاد من أشد المدافعين عنه.

ولذا كان يرى أن يُترك للتاريخ وحده مهمة الحكم على قيمة الأديب. فالجائزة مهما كبرت قد تخطئ، والتاريخ مهما طال لا يخطئ، والتاريخ يشير إلى كثيرين حصلوا على جائزة نوبل ولم نعد نسمع بهم، وكثيرين لم يحصلوا عليها وما زالوا ملء السمع والبصر.

العقاد كان يدرك أن ظلم جائزة نوبل لا يطال الأفراد فقط، بل يطال ثقافات وشعوبًا بأكملها. ففي حين كان أدباء الدول الغربية يفوزون بالجائزة بشكل منتظم، كان أدباء آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية مهمشين، إلا حين يتعلق الأمر بما يتوافق مع مصالح الدول الغربية وأفكارها.

وهذا التهميش لم يكن مجرد صدفة، بل كان تعبيرًا عن هرمية ثقافية ضمنية، ترى أن الإنتاج الثقافي الغربي هو الأرقى، أما ثقافات بقية العالم فهي ثقافات هامشية.

وقد رُشح العقاد لجائزة نوبل في الأدب عام 1955، وكانت هناك آمال كبيرة في حصوله عليها، نظرًا لمكانته الأدبية والفكرية المرموقة، ولغزارة إنتاجه، وللدور الذي اضطلع به في نقل الفكر الغربي إلى الثقافة العربية.

غير أن الترشيح لم يُكلل بالنجاح، والروايات تختلف حول الأسباب. فبعض المصادر تشير إلى أن العقاد انسحب من الترشيح، ربما احتجاجًا على سياسة الجائزة، أو ربما رغبة منه في الحفاظ على استقلاليته. وبعض المصادر تشير إلى أن العقاد لم يحصل على الجائزة لأسباب سياسية.

وللوهلة الأولى، قد يبدو موقف العقاد من جائزة نوبل متناقضًا. فهو من ناحية ينتقد الجائزة ويتهمها بالسياسية والتحيز، وينادي باستقلالية الأديب، ومن ناحية أخرى يرشح نفسه للجائزة، أو على الأقل لا يمانع في ترشيحه. وقد يفسر بعض الدارسين هذا التناقض على أنه ازدواجية في المعايير.

لكن التأمل في الموقف يكشف أن الأمر ليس بهذه البساطة. فموقف العقاد يمكن تفكيكه إلى مستويين متمايزين:

المستوى الأول هو المبدأ العام، وهو أن قيمة الأديب لا تُقاس بالجوائز، وأن السعي وراء الجوائز قد يمس استقلالية الأديب وكرامته.

أما المستوى الثاني فهو الخاص بالعقاد نفسه، وهو اعتقاده بأنه يستحق الجائزة موضوعيًا، وأن عدم حصوله عليها هو دليل آخر على خلل المعايير وتحيز اللجان. وهذا الشعور بالاستحقاق لا يتناقض مع نقده للجائزة، بل يمكن أن يكون مكملًا له: فالعقاد انتقد الجائزة لأنه كان يعتقد أنه يستحقها ولم ينلها، وشهادته على خللها هنا نابعة من معرفة مباشرة ومريرة بما يقع على أمثاله من ظلم.

والعقاد لا يهاجم الجائزة لمجرد أنها غربية أو لمجرد أنه لم ينلها، بل يقدم تحليلًا نقديًا مستوعبًا لأسباب هذا النقد.

وفي النهاية، يظل موقف العقاد من جائزة نوبل درسًا في النقد الثقافي، يصلح لكل زمان ومكان. إنه شهادة على أن الأدب الحق لا يُصنع في مكاتب اللجان، بل في أعماق النفس البشرية، وعلى أن قيمة الأديب الحقيقية لا تمنحها الجوائز، بل تمنحها الأجيال.

والعقاد لم يكن الأديب العربي الوحيد الذي رُشح للجائزة، فقد سبقه جبران خليل جبران الذي توفي قبل أن ينالها، ولحقه نجيب محفوظ الذي نالها أخيرًا عام 1988. وبين هذين الطرفين، كانت هناك محاولات عربية متعددة، لم يُكتب النجاح لمعظمها.

قصة العقاد مع نوبل ليست مجرد حكاية فردية، بل نموذج مصغر للعلاقة المعقدة بين الأدب العربي والمؤسسات الثقافية الغربية. إنها قصة طموح وإحباط، قصة أدب عظيم ومعايير مجحفة تحتاج إلى إعادة النظر والتفكير في تغيير فكرة المركز.

العقاد لم ينل جائزة نوبل، لكنه بلا شك أحد أعمدة الأدب العربي الحديث، وأحد أعظم المفكرين الذين أنجبتهم مصر في القرن العشرين. ومن جميل المفارقات التي يصنعها التاريخ أن الأديب الذي انتقد الجائزة ومات دون أن ينالها، صار خالدًا في تاريخ الأدب أكثر من كثيرين حصلوا على الجائزة.