رئيس مجلس الادارة

عمــر أحمــد ســامي

رئيس التحرير

طــــه فرغــــلي


«في بيتي».. صومعة العقاد وتحدِّي الزمن

16-6-2026 | 14:28


أيمن رجب طاهر

أيمن رجب طاهر

لعملاق الأدب والفكر العربي عباس محمود العقاد (28 يونيو 1889م - 13 مارس 1964م) تحدٍّ أعظم في حياته، وهو اختياره الفردوس الأعلى لدنياه التي لا تتقيَّد بأسوار، ولا تحدُّها نهاية، ولا سقف لها سوى فضاء العلم ونهر المعرفة اللامتناهي، ألا وهي مكتبة منزله الكائن في 13 شارع السلطان سليم بمصر الجديدة. بيت العقاد، وبكل ما فيه، يمثل مواجهة محتدمة لكل ما هو مألوف، منذ أن كان يتأمل تمثالين للبومة يتحدَّى عن طريقهما نظرات الناس التقليدية للتشاؤم، ولأنه بفطنته الحاضرة يدرك أن الإنسان قد لا يملك رفاهية إضاعة الوقت، جعل من القراءة والكتابة ديدنًا لم يحد عنه إلى أن لقي ربه راضيًا، بعد أن جاد بما ارتآه واجبًا عليه قراءةً وفكرًا وأدبًا وسياسةً وصحافةً ومشاركةً في معظم المنتديات والمحافل الأدبية وقتذاك، مضيفًا إلى المكتبة العربية أكثر من مائة كتابٍ في شتّى مجالات الشعر والنقد والمقال والمؤلفات الفكرية وترجمة الشخصيات (العبقريات).

لم يتوقف إنتاجه الأدبي، على الرغم من الظروف القاسية التي مرَّ بها؛ فكان يكتب المقالات ويرسلها إلى مجلة «فصول»، ويترجم لها بعض الموضوعات، ونجح في الصحافة بسبب ثقافته الواعية، وظلَّ مشهورًا عنه أنه موسوعي المعرفة، يقرأ في التاريخ الإنساني والفلسفة والأدب وعلم الاجتماع، وهو الذي اقتصرت دراسته على المرحلة الابتدائية فقط؛ لعدم توافر المدارس الحديثة في أسوان، حيث وُلد ونشأ هناك، كما أن موارد أسرته المحدودة لم تتمكن من إرساله إلى القاهرة كما يفعل عليةُ القوم، فلم ينل من التعليم حظًا وافرًا، فلم يحصل إلا على الشهادة الابتدائية، مما حدا به إلى أن يشتغل بوظائف حكومية كثيرة في المديريات ومصلحة التلغراف ومصلحة السكة الحديد وديوان الأوقاف ومصنعٍ للحرير في مدينة دمياط.

ملَّ العقاد العمل الروتيني الحكومي، فاستقال من وظيفته بمصلحة البرق، وحين كتب مقاله الشهير «الاستخدام رق القرن العشرين» سنة 1907، كان على أهبة الاستعفاء من وظائف الحكومة قاطبة، والاشتغال بالصحافة لشغفه بالقراءة إلى حد التنفس، وقد أنفق معظم نقوده على شراء الكتب، واشترك مع محمد فريد وجدي في إصدار صحيفة «الدستور»، والتي اعتُبرت بمثابة فرصة كي يتعرَّف على سعد زغلول ويؤمن بمبادئه، لكن توقفت الصحيفة عن الصدور بعد فترة، وهو ما جعل العقاد يبحث عن عمل يقتات منه، فاضطر إلى إعطاء بعض الدروس ليحصل على قوت يومه. ومما قاله العقاد عن تجاربه مع وظائف الحكومة:

"...ومن السوابق التي أغتبط بها أنني كنت، فيما أرجِّح، أول موظف مصري استقال من وظيفة حكومية بمحض اختياره، يوم كانت الاستقالة من الوظيفة والانتحار في طبقة واحدة من الغرابة وخطل الرأي عند الأكثرين، وليس في الوظيفة الحكومية لذاتها معابة على أحد، بل هي واجب يؤديه من يستطيع، ولكنها إذا كانت باب المستقبل الوحيد أمام الشاب المتعلم، فهذه هي المعابة على المجتمع بأسره، وتزداد هذه المعابة حين تكون الوظيفة، كما كانت يومئذ، عملًا آليًا لا نصيب فيه للموظف الصغير والكبير غير الطاعة وقبول التسخير..."

دأب العقاد على القراءة والكتابة، معتمدًا على ذكائه الحاد وصبره على التعلُّم والمعرفة، حتى صار ذا ثقافة موسوعية لا تُضارع، وليس بالعلوم العربية فحسب، وإنما العلوم الغربية أيضًا؛ حيث أتقن اللغة الإنجليزية من مخالطته للأجانب من السائحين بأسوان، مما مكَّنه من القراءة والاطلاع على الثقافات الغربية. وفي القاهرة أسَّس، بالتعاون مع إبراهيم المازني وعبد الرحمن شكري، (مدرسة الديوان) المناصرة للتجديد في الشعر والنأي به عن القالب التقليدي القديم.

بدأ العقاد حياته الكتابية بالشعر والنقد، ثم زاد على ذلك الفلسفة والدين، ودافع عن الجمال والحرية حتى أصبح أحد منائرها المضيئة، فيقول:

"إن الجمال هو الحرية، فالإنسان عندما ينظر إلى شيء قبيح تنقبض نفسه وينكبح خاطره، ولكنه إذا رأى شيئًا جميلًا تنشرح نفسه وينطلق خاطره، إذن فالجمال هو الحرية، والصوت الجميل هو الذي يخرج بسلاسة من الحنجرة ولا ينحاش فيها، والماء يكون آسنًا، لكنه إذا جرى وتحرك يصبح صافيًا عذبًا، والجسم الجميل هو الجسم الذي يتحرك حرًّا، فلا تشعر أن عضوًا منه قد نما على الآخر، وكأن أعضاءه قائمةٌ بذاتها في هذا الجسد..."

وكتب عن المرأة كتابًا عميقًا فلسفيًا أسماه (هذه الشجرة)، عرض فيه نظريته في الجمال، ومع ذلك لم يتزوَّج، واهبًا حياته للقراءة والأدب، لكنه عاش قصص حبٍّ خُلِّد منها ما خُلِّد في روايته «سارة». ونال العقاد عضوية مجمع اللغة العربية بالقاهرة، وكان عضوًا مُراسلًا لمجمع اللغة العربية بدمشق ومثيله ببغداد.

منذ تعطلت جريدة «الضياء» عام 1936، وكان العقاد فيها مديرًا سياسيًا، انصرف جهده الأكبر إلى التأليف والتحرير في المجلات، فكانت أخصب فترة إنتاجًا، فقد ألَّف فيها خمسةً وسبعين كتابًا من أصل نحو مائة كتاب، هذا عدا نحو 15 ألف مقال أو تزيد، مما يملأ مئات الكتب الأخرى.

ويؤرِّخ العقاد في مؤلفاته علاقته بمكتبته، ومن خلال دار الهلال صدر له كتاب «ساعات بين الكتب» عام 1914م، وهو قراءة متنوعة لكتب الفلسفة والتراث والشعر، ثم كتب العقاد كتابه «حياة قلم» الذي بدأ في كتابته سنة 1957م، وفي الكتاب أحاديث عن حياته الاجتماعية والسياسية من بداياتها حتى ثورة 1919، وقد كان في عزمه أن يكمله، ولأمرٍ ما وقف به هذا الموقف.

كان الأديب والشاعر والصحفي طاهر الطناحي، مدير تحرير مجلة «الهلال» التي كان يكتب فيها العقاد، يقترح عليه كتابة سيرته الذاتية، فوافق العقاد وأرسل إلى المجلة مقالات متفرقة عن حياته جُمعت بعد وفاته في كتاب واحد. يقول الطناحي في هذا الصدد:

"في نحو السابعة والخمسين من عمره اقترحت على العقاد أن يكتب كتابًا عن حياته، فأجابني: سأكتب هذا الكتاب، وسيكون عنوانه «عني»، وسيتناول حياتي الشخصية وحياتي الأدبية والسياسية والاجتماعية. كان هذا الحديث في أواخر سنة 1946.

وكان العقاد قد كتب للمجلة قبل ذلك مقالتين: «بعد الأربعين» و«وحي الخمسين»... فاعتزمت أن أستكتبه في الهلال سائر فصول هذا الجانب إلى نهايته، ثم أجمعه له في كتاب منفرد... وكان أول ما كتبه بعد هذا الاتفاق مقال: «إيماني» في يناير 1947، ثم مقال «أبي»، إلى آخر ما كتبه من الفصول التي قاربت الثلاثين فصلًا...

فأخذتُ في جمع هذه الفصول، وضممت إليها خمسة فصول نشرتها مجلات أخرى... وما كدت أنتهي من جمعها حتى مرض وعاجلته المنية، فرأيت من الوفاء له أن أنشر هذا الكتاب، واخترت له عنوانًا «أنا»... فقد كان يترك لي عنوان بعض مقالاته وكتبه في الهلال."

أما كتابه الأشهر (في بيتي)، فبين أسطره يصحبنا العقاد في جولة بين رفوف مكتبته العامرة الوارفة بالعلوم والمعارف والتراث، فمكتبته ليست كأية مكتبة مرصوصة الرفوف، مرتبة العناوين، مهذبة الفهارس، فهي روحه وعالمه الخاص الذي صاحب فيه شتّى فنون الآداب والتاريخ والفكر والعقيدة والسياسة:

"...دع هذه الرفوف، وانظر ناحيةً منها إلى الرف الذي يليه: لعله أعجب وأبعد في المقاربة أو في المباعدة بين الجيران والخلطاء، فهذا سفر عن لودفيغ فان بيتهوفن، تجاوره موسوعة عن الموسيقى، وينزل معهما سجل عن الطير ومجلد تفتحه، فلا تقرأ فيه كله صفحات مطبوعة، وإنما تسمع من بعض صفحاته أصوات الأحياء في المواسم المختلفة، وفي حالات الغضب والرضى والنفرة والحنين؛ لأنها صفحات من قوالب الحاكي لا من سطور الكتّاب والشعراء، وعلى مقربة منها جميعًا عالمٌ يتكلم عن الرياضة والطبيعة والأوزان، وكلها من عالم واحد هو عالم الأصوات والأنساق والألحان، وما أنا بقادر على ترتيب لها يهديني إليها أقرب ولا أوفق من هذا الترتيب..." *صـ 28

وعن الصور المعلقة ببيته، والتي يعتز بها، يقول:

"...إن هذه الحجرة تعنيني ولا تعني أحدًا غيري من الناس، اللهم إلا بعض الصور الفنية التي فيها، وكلها منسوخة من أصولها المحفوظة في متاحفها، فليس فيها من صورة أصيلة أو تحفة غالية... فهذه شالومة أو سلامة، صاحبة هيرود، من تصوير الفرنسي بروسيير؛ كان ثمن رقصتها في زمانها رأس نبي من أنبياء بني إسرائيل. ولا تزال رقصات الفاتنات من خليقاتها تكلِّف الناس كثيرًا من الرؤوس، وإن لم تكن رؤوس أنبياء؛ فإن هذا الصنف قد انقطع عن الدنيا منذ زمن بعيد! وهذه صورة الزهرة من تصوير الإسباني دييغو فيلاسكيز، وهذه صورة تاييس وهي تهدم إيمان الناسك المسكين، وقف أمامها وقد تبادلا الفتنة، فأخذها بوعظة وأخذته بغواية جسدها، ولبس هو طيلسان الأثرياء وخلعت هي كل طيلسان، وكأنما شاء المصور أن يعقد المقارنة بين هذه الفاكهة الشهية وبين ثمرات البستاني، فجود ما شاء في العنب والموز والبرتقال، ولكنه تركها إلى جانب هذا البستان الحافل كأنها الماء الذي لا طعم له ولا لون، ولا يروي الظمآن إلا شراب ذلك البستان..." *صـ 59

فكتاب (في بيتي) ليس وصفًا لحيطان بيت العقاد، ولا مجرد تجوال بين جنباته، بل حياة تنبض بالفكر وآراء هي عصارة قريحته، وتظهر من خلال الكتاب فلسفته الخاصة بالأشياء المحيطة به. و(في بيتي) كتاب تثق باقتياده لك لأن تتعمق أكثر في شخص العقاد، ففيه تأرجح بين الموضوعات المختلفة في إعمال فكري عظيم الأثر، ومؤلفات قوية المعنى، واضحة العرض.

وفي نهاية تلك السياحة ببيت العقاد نستمع إلى همساته التي بثَّ فيها امتنانه لهذا البيت:

"...ولعلي أوجز الحقيقة كلها ببيت حافظ إبراهيم الذي قاله في مثل هذا المسكن، وإن لم تطل مدته فيه كهذا الطول:

كم مرَّ لي فيه عيشٌ لست أذكره

ومرَّ لي فيه عيشٌ لست أنساه

فهذا البيت قد كتبت فيه خير كتبي وأحبها إليَّ... وهذا المسكن قد صعدت سلالمه ثلاثًا ثلاثًا، ثم صعدتها اثنتين اثنتين، ثم أصعده درجة درجة على غير عجلة ولا اكتراث، وهذا المسكن قد نزلت به والشعرات البيض يتوارين في السواد، وما زلت أنزل به والشعرات السود يتوارين في البياض..." *صـ 68

هذه هي مكتبة العقاد التي مكث بها طوال أيامه، فأخرج لنا نفائس المؤلفات التي علَّمت، ولا تزال تُعلِّم، أجيالًا وأجيالًا.

لكن لعل سائلنا يطرح استفساره الحائر: إن نام العقاد ليلته قرير العين بما أنجز من قراءة وكتابة، ثم استيقظ في 2026م وفوجئ بشاشة حاسوب تربض على المكتب بين كتبه، وقرع البابَ مندوبُ إحدى شركات الإنترنت مستأذنًا، وشرح له فوائد (الراوتر) الواصل بالأسلاك من الخارج، ولمباته المتراقصة تبهج النفس، وقام بفتح الحاسوب وتنقل بين وسائل التواصل الاجتماعي ومواقع الثقافات الرقمية شديدة الانتشار؛ فشاهد العقاد أغلفة بعض مؤلفاته بصيغة PDF، وأنها وصلت لعشرات ومئات وآلاف القرّاء دون أن يتكلف أحدهم شراءها، ثم عرض عليه أيضًا تطبيق ChatGPT أو وضع الـ Meta AI، وعرَّفه أنها تقنيات الذكاء الاصطناعي، فماذا كان رد فعل العقاد إزاء كل ذلك؟!؟

بكل تأكيد كان سيندهش بكل ما تحمل الكلمة من معانٍ لما وصل إليه العلم من سرعة التواصل، ويعيد حساباته من حيث مبدأ الفحص والتدقيق، وينتقل لمرحلة التجريب فيجرِّب، لكنه سيعيد النظر في مسألة عمق التفكير مقابل تسطيح الأفكار والبُعد عن التفاعل، وأن تقنيات الذكاء الاصطناعي، بما لها من إمكانات خارقة، فلن تحل محل الإنسان صاحب التذوق، طارح الأسئلة، وإجاباتها تتضمن روح الإبداع، والمختص من الخالق بتقنية الضمير الذي يوجهه إلى الأفضل، والعقل غير الخاضع للفكر المعلب الجاهز بلا جوهر، فالعقاد الفيلسوف كان سيقف من هذا كله موقف المفكر الحاذق المفنِّد، الداعي إلى عدم رفض التقنيات الجديدة، لكن شغله الشاغل وقاية العقل الحر من تحويله إلى مجرد آلة.

- مقتطفات من كتاب (في بيتي) تأليف عباس محمود العقاد، الصادر في عدة طبعات بداية من عام 1945م، وعن سلسلة «اقرأ» بدار المعارف، وعن دار اليقين للنشر، والنسخة الأحدث عن مؤسسة هنداوي عام 2014م.