د. سيد علي إسماعيل,
يُعدّ «عباس محمود العقاد» من أبرز الأسماء في تاريخ مصر الأدبي والنقدي منذ بدايات القرن العشرين وحتى الآن، وإلى ما شاء الله!! ومن الصعب حصر العقاد في مجال واحد، فهو شاعر وناقد وأديب وكاتب وقصصي وفيلسوف ومؤرخ.. إلخ، ولا أظن مجالًا من مجالات الكتابة لم يكتب فيه العقاد إلا مجالًا واحدًا، وهو «المسرح»!! هذا ليس رأيي أنا الآن، بل هذا ما لاحظه «حسين عزيز» عام 1924، عندما أرسل رسالة إلى العقاد يعاتبه على ذلك، فعلّق العقاد على رسالته بمقالة نشرها في مجلة «النيل المصور»، قال فيها تحت عنوان «من كل بستان زهرة.. التمثيل في مصر»:
جاءني الخطاب التالي من حضرة صاحب الإمضاء، أحذف منه ما يخصني وأثبت منه ما يخص القراء: "أذكرك أنك أهملت أو تغافلت عن البحث في فن من الفنون الجميلة، ذلك الفن هو التمثيل الذي بدأ ينمو ويسير في طريق التقدم هذه الأيام، فهلا أعاره سيدي الأستاذ شيئًا من عنايته" [توقيع «حسين عزيز».. وقد آثرت أن أجيب الأديب صاحب الخطاب، فأقول: إنني سكت عن التمثيل ولم أهمله ولا بخست قدره، وما يُظن بي أن أنكر أثره وأنا من المعجبين به والمعنيين بنجاحه، ومن أحرص الناس على شهود رواية صادقة توحيها العبقرية إلى القلم وتبرزها العبقرية على الملعب، ولكن ماذا يفيد التمثيل من كتابتي فيه؟؟ وماذا في وسعي من مساعدة له قد بخلت بها عليه؟؟ حسبي عالم الأدب! حسبي عالم السياسة! هذا بحر غدار كُتب علينا أن نسبح فيه طائعين أو كارهين، وللتمثيل، ولا ريب، سباحون قد سبروا أغواره وشطآنه وخبروا ديدانه وحيتانه، فهم أولى منا بالسبح فيه، وأدرى منا بظواهره وخوافيه. على أني إذا أبديت رأيي في تمثيل مصر قلت إنه مقتلة للوقت، بل مذبحة طائشة يذهب فيها دم هذا البريء المظلوم جبارًا، ليلًا ونهارًا، وما من حسيب ولا رقيب.
ولست آمل أن أرى شيئًا من التمثيل الصحيح في بلدنا هذا في غير معاهد الصور المتحركة [أي السينما أو جوقات أوروبا التي تنزل بمصر.. ومن رأى «ميجو كين» يمثل في رواية «كين»، و«فيدت» يمثل في رواية «الضريح الهندي».. فقل لي بالله كيف يجرؤ بعد ذلك أن يلصق اسم التمثيل بهذه المساخر التي يعرضونها هنا؟! وما هي إلا محاكاة فردية لهذه الصناعة، وما هي إلا تمثيل للتمثيل!! وعساك تسألني: أما من رجاء؟! فأقول: نعم! لا يأس مع الحياة.. ولكن الأمل ضعيف لأن التمثيل مُبتلى بداء العصر العضال «الأنانية»".
مهما كان رأي العقاد في التمثيل المُصاب بالأنانية، وتفسيره لهذه الأنانية في بقية المقالة، إلا أن ملاحظة الصديق بأن العقاد تجنب المسرح في كتاباته نبّهت العقاد إلى هذا القصور، فوجدناه يتجه إلى المسرح بالكتابة الخاصة، وبتخصيص مقالات كاملة عن المسرح، ومنها مقالته عن «ترقية التمثيل المصري» المنشورة في جريدة «البلاغ» عام 1924، وجاء فيها:
قررت لجنة الفنون الجميلة بوزارة المعارف تخصيص مبلغ ألفي جنيه لتشجيع التأليف والتمثيل، ويقال إنها انتهت إلى أن تقصر مساعدتها ومكافأتها على أشخاص الممثلين والمؤلفين دون الأجواق والشركات. فإذا صح هذا فقد أحسنت اللجنة صنعًا ورأت صوابًا؛ لأن مساعدة الأجواق مباشرة لا تأتي بفائدة، ولا تشجع مؤلفًا على تأليف رواية، ولا ممثلًا على خدمة فنه. والغالب أن تضيع المكافآت والإعانات التي تمد بها الأجواق في مآرب شخصية نفعية لا علاقة لها بالفن، ولا سيما إذا كان مديروها من المشتغلين بصناعة التمثيل، فإنهم يغمطون حق أفراد الممثلين ولا ينصفون في الحكم على كفاءتهم وصدق غيرتهم على فنهم.
ولسنا نعرف إلى الآن جوقًا واحدًا يستحق المكافأة على خدمة فنية صحيحة أو يُرجى أن ينفق المكافأة التي يأخذها فيما يعود على الفن بالتقدم والإصلاح، ولا نستثني من ذلك جوق «جورج أبيض» ولا غير جورج أبيض، فإن حب الكسب وتفضيله على خدمة الفن يشمل الجميع، كما دلت التجربة في السنوات الماضية. ولا نظن أن «جورج أبيض» أقدر بكفاءته الإدارية أو التمثيلية من غيره على ترقية فنه، لأن الظاهر لنا أن الرجل ناقل مقلد للأدوار التي حضرها ومارسها في أوروبا، وأنه لم يُرزق ذلك الاستعداد الفطري الذي يلهمه الإجادة في كل دور يناسبه بلا نقل ولا تقليد، لذلك اهتم بترجمة الروايات التي تعلم تمثيل بعض أدوارها في فرنسا، ثم وقفت به المقدرة الفنية عند هذا الحد، فلم يوفق في دور من الأدوار الجديدة المبتدعة، ولم يظهر منه ما يدل على صدق حكم في التمثيل أو تتبع لتطوره وآراء النقاد فيه. فإذا أرادت لجنة الفنون الجميلة أن تستثني جوقًا من جميع الأجواق بالمساعدة المالية النقدية، فهي لا تعرف كيف تستثنيه ولا على أي قاعدة مقبولة تبني هذا الاستثناء.... أما مساعدة الممثلين فإنها، بخلاف ذلك، تجمع حثالتهم وصغار المبتدئين منهم طمعًا في الربح واستغلالًا للجهل الفاشي بين جمهور لا يميز الجيد من الرديء ولا التهريج من التمثيل. فإذا أنصفت اللجنة في انتقاء الأفراد الذين يبرزون بأدوارهم في بعض الروايات، لم يكد ينقضي فصل واحد من فصول «الأوبرا» حتى يظهر للملأ أفراد معدودون يحسنون هذه الصناعة ويصلحون للاشتغال بها، فيسهل حينئذ أن تتألف أجواق نافعة تضم شملهم وتجزيهم على عملهم الجزاء الذي يستحقونه، وهي على ثقة من النجاح والإقبال إذا أخلصت النية وأحسنت الإدارة، وتستطيع اللجنة بعد ذلك أن تبذل مساعدتها كلها أو بعضها وهي على بصيرة مما تعمل؛ لأنها تجد أمامها الجوق المتفق على تفضيله واحترامه، وستعرف كيف تراقبه وتشترك في اختيار رواياته وتقسيم أدواره عن تجربة وخبرة بكفاءة كل ممثل فيه ونوع استعداده للتمثيل الذي يتقنه.
ظن بعض النقاد المسرحيين المتخصصين أن كتابات العقاد حول المسرح هي كتابات عابرة سطحية ستتوقف سريعًا، إلا أنهم وجدوا أصداءً كبيرة لما ينشره العقاد حول المسرح، بوصفه ناقدًا مخضرمًا عارفًا ببواطن الأمور، وأن آراءه مؤثرة في الجمهور. لذلك حاول بعض النقاد الاستخفاف بكتابات العقاد حول المسرح، ومنهم الناقد «محمد عبد المجيد حلمي» الذي نشر في جريدة «كوكب الشرق» عام 1925 بابًا عنوانه «هل تعلم؟»، وهو باب للاستهزاء ونقل الإشاعات مع الغمز واللمز، قال فيه:
"... إنهم يشيعون أن الزميل «حسن أفندي البارودي» الممثل بمسرح رمسيس، قد اعتزم اعتزال المسرح لمناسبة اشتغاله بالصحافة، فهو لا يستطيع التوفيق بين مهنة الممثل والناقد؟ ونحن نرحب بالزميل الجديد ونتمنى له التوفيق في عمله الشاق! .... وأن عباس أفندي العقاد سيكتب عن المرحوم الشيخ سيد درويش وفنه، وسيكتب أيضًا عن رواية «الذئاب» ويحللها؟! .. إلخ".
استخفاف الناقد بأن العقاد سيكتب عن «سيد درويش» جعل العقاد يكتب بالفعل مقالة رصينة عن سيد درويش، تُعد من أقوى المقالات المنشورة عنه في تلك الفترة!! وقد نشرها العقاد في جريدة «البلاغ» سبتمبر 1925 وجاء فيها قوله:
"... إذا قلت سيد درويش فقد قلت إمام الملحنين ونابغة الموسيقى المفرد في هذا الزمان. مات والقطر كله يصغى إلى صوته، وسمع نعيه من سمعوه ومن سمعوا له صداه من مرتلي ألحانه.. كان يرسل اللحن في الرواية أو القصيدة أو الأغنية الصغيرة، فما هي إلا أيام أو أسابيع حتى تتجاوب بها الأصداء في أنحاء البلاد، فيهتف بها المنشدون على الملاعب، وتترنم بها العازفات في أندية الأسر ومجالس البيوت، وينطلق بها الصبية في الأسواق، وتغدو مصر السامعة كلها كأنها فرقة واحدة وقف منها السيد في منصة الأستاذ، فهو يملي عليها وتسمع، وهو يبدأ لها وتتبع.. ورغم ذلك نقول إن الرجل قد أُهمل في حياته وبعد حياته ذلك الإهمال القبيح!! .... حدثني بعض أصدقاء الشيخ سيد الذين حضروه في تلحين كثير من أدواره ومقاطيعه، أنه كان إذا قصد التلحين أخذ الورقة التي كتب فيها الكلام شعرًا أو نثرًا، فقرأها في نفسه قراءة متفهم متأمل يستشف روح معانيها وإيماءات ألفاظها ومضامين أغراضها، ثم يتلوها جهرة لتصحيح كلماتها وفواصلها، ثم يرفع الصوت مؤديًا كل جملة بما يناسبها من لهجة الدهشة أو الغضب أو الحنان أو الفرح أو الزهو أو الوجوم. فإذا تم له ذلك هداه اختلاف اللهجات في تلاوة الجمل إلى اختلاف الألحان التي تناسبها، فيخلو بنفسه برهة ثم يعود إلى رفاقه وقد أفرغ عليها ألحانه الدائمة.. فتسمعها كأنك تسمع تفسيرًا موسيقيًا لدقائق المعاني وكوامن الإحساس.. إلخ".
بعد هذه المقالة أراد العقاد أن يكتب عن الحركة المسرحية المصرية، فاستبشر خيرًا الناقد «محمد علي حماد»، وأشار إلى ذلك في جريدة «البلاغ» قائلًا:
"... وقد وعد الأستاذ العقاد أن يرقب عن كثب حركة التمثيل في هذا العام، وألا يضن علينا ببعض من كلماته القيمة، ونحن مع القراء نستنجز وعده".
وأول موضوع تناوله العقاد في جريدة «البلاغ» عام 1926 كان «بعثات الفنون الجميلة»، وفيه تحدث عن طلب نادي الموسيقى الشرقي إرسال بعثة من أربعة أعضاء لزيارة المعاهد الموسيقية في أوروبا، وتحديدًا في ميلانو وروما ونابولي وباريس. وهنا وضّح العقاد الفرق بين الوزارات المختلفة، كون الوزارة السابقة أساءت التصرف في أموال البعثات، ويأمل من الوزارة الدستورية الحاضرة مراجعة ما سلف من تصرف الوزارة السابقة في مال البعثات عامة، والفنون الجميلة خاصة، والنظر في الشكاوى الكثيرة التي أثارتها أعمال بعض الموظفين الذين نيط بهم توزيع الجوائز وتقدير المكافآت.
ثم تطرق العقاد إلى «مباراة الممثلين وجوائزها» لهذا العام، وأبان أن هذه الجوائز لم تمنح لمستحقيها، ولم يُنظر فيها إلى خدمة التمثيل وإصلاح المسارح المصرية، ووجوب العدول عن المباريات التمثيلية إذا لم يكن في الإمكان تصحيح أساليبها وتقويم أغراضها والعود بها إلى أناس يفهمون فن التمثيل ويخلصون الرغبة في خدمته وتشجيع المشتغلين به.
وفي أواخر عام 1926 كتب العقاد في «البلاغ» عن فرقة «الشيخ سلامة حجازي» ومسرحيته «اليتيمتين»، وعن بداية المسرح الغنائي في مصر، ومدى ارتباط الغناء بالمسرح.. إلخ. وظل العقاد يكتب عن المسرح مع كتاباته الأخرى في الشعر والنقد الأدبي والمعارك الأدبية حتى عام 1930، عندما نشرت الصحف المصرية القرار الوزاري بتشكيل لجنة ترقية التمثيل، وكان العقاد ضمن أعضائها! فقد نشرت جريدة «كوكب الشرق» يوم 4/5/1930، تحت عنوان «لجنة ترقية التمثيل» الآتي:
أصدر حضرة صاحب المعالي وزير المعارف العمومية القرار الآتي بتأليف لجنة ترقية التمثيل العربي، وهذا نصه: بعد الاطلاع على مذكرة الإدارة العامة للفنون الجميلة بشأن التمثيل العربي والخطة العامة التي يمكن بها ترقيته والنهوض به إلى الغاية المطلوبة، وبعد الاطلاع على قرار لجنة الفنون الجميلة في جلستي 7 إبريل و26 إبريل سنة 1930 بالموافقة على الخطة المقترحة، وبما أن تنفيذ الخطة المتقدمة يقضي تأليف لجنة تهيئ الوسائل لتنفيذ الاقتراحات وترسم طريقة هذا التنفيذ وتعاون على تسديد المسرح المصري إلى أمثل الطرق وأوفاها، لهذا قرر ما هو آت:
المادة الأولى: تؤلف لجنة للتمثيل العربي من حضرات الآتية أسماؤهم: أحمد شوقي بك، عضو مجلس الشيوخ، رئيسًا، والمسيو كاريه والمستر سترلنج الأستاذين بكلية الآداب بالجامعة المصرية، وعباس العقاد، ومحمد توفيق دياب عضوي مجلس النواب، وخليل مطران بك، وجورج أبيض، وزكي طليمات أعضاء.
المادة الثانية: تكون مهمة اللجنة ما يأتي: أولًا: وضع بيان بأسماء الروايات الأجنبية التي يحسن تعريبها أو اقتباسها للتمثيل في المسارح المصرية. ثانيًا: بحث الروايات التي تقدم للوزارة لغرض تمثيلها في المسارح، سواء أكانت معربة أم مقتبسة أم موضوعة. ثالثًا: تفصيل البحث في الطرق المقترحة لتشجيع التمثيل المصري، سواء بإعانة التمثيل أو بإعداد الممثلين أو بترقية الإخراج الفني.