العقاد في سلسلة “العبقريات” لم يكتب تراجم تقليدية، بل قدّم دراسات فكرية وأدبية عن معنى العبقرية في القيادة والفكر والعدل والإبداع. كان يرى أن العبقرية ليست مجرد ذكاء أو براعة، بل هي قدرة على تحويل الصفات الفردية إلى أثر حضاري خالد. لذلك ركّز على كيف جسّد سيدنا محمد، عليه أفضل الصلاة والسلام، عبقرية القيادة والرسالة، وكيف مثّل الفاروق عمر، رضي الله عنه، عبقرية العدل والنظام، وكيف أظهر علي، رضوان الله عليه، عبقرية الفكر والبلاغة، وكيف جسّد القائد خالد بن الوليد عبقرية الحرب والقيادة العسكرية. وفي كتبه عن عثمان والحسين وفاطمة وبلال، رضي الله عنهم وأرضاهم، وغيرهم، أبرز العقاد أن العبقرية قد تكون في التضحية، أو في الإيمان، أو في القدرة على الجمع بين الروح والفعل. هذه السمات المشتركة هي التي جعلت سلسلة “العبقريات” مشروعًا فكريًا يربط بين الفرد والتاريخ، وبين الشخصية والرسالة، وبين العبقرية والخلود.
وهنا يأتي السؤال... ماذا لو قُدِّر للعقاد أن يشهد الثورة الرقمية؟ هل كان سيضم لسلسلة العبقريات شخصيات فريدة غيّرت العالم من خلال التكنولوجيا؟
أظن أن الإجابة هي نعم بكل تأكيد! وكان سيشمل إحدى عبقرياته بكتاب "عبقرية جوبز"، لأنه كان سيرى في ستيف جوبز صورة جديدة من صور العبقرية الإنسانية التي تتجاوز حدود الزمان والمكان. وكان سيتوقف كثيرًا أمام عبقرية جوبز في الابتكار، وعن قدرته الفريدة على أن يحوّل الفكرة إلى حضارة، والجهاز إلى أسلوب حياة، والشركة إلى مدرسة في الإبداع. فإن عبقرية جوبز ليست في التكنولوجيا وحدها، بل في قدرته على أن يربط بين العقل والخيال، بين العلم والفن، بين الحاجة والذوق. لقد جعل من الحاسب الشخصي أداة شخصية، ومن الهاتف نافذة على العالم، ومن التكنولوجيا لغة جديدة يتخاطب بها البشر. وهذه هي العبقرية التي كان العقاد سيقف عندها، في غالب ظني؛ عبقرية الإنسان الذي لم يكتفِ بأن يبتكر، بل جعل الابتكار رسالة، وجعل الرسالة ثورة غيّرت وجه العالم.
لذا اسمحوا لي بإلقاء الضوء على رحلة الساحر "ستيف جوبز" ورحلته مع آبل إلى المجد.
بداية الرحلة
بدأت رحلة الابتكار والإبداع منذ حوالي نصف قرن باثنين من الشباب؛ الأول هو "ستيف وزنياك" الذي ترك دراسة الهندسة سعيًا لإشباع رغبته الجامحة في بناء حاسبات. فقد بدأ وزنياك حياته في شركة إتش بي، وفي الوقت نفسه كان يذهب إلى نادٍ لهواة الكمبيوتر في كاليفورنيا لمقابلة شباب آخرين لديهم الشغف نفسه. كان وزنياك شديد الولع بمكونات الحاسبات والبرمجة المنطقية، حتى إنه إن وجد مشكلة فنية معينة كان يسهر عليها حتى يجد لها حلًّا، ومن ثم يشرك رفقاءه في نادي الهواة في كل ما يتوصل إليه. وفي عام 1976، نجح وزنياك في تطوير لغة برمجة للمعالج الحاسوبي 6502، ووزعها على زملائه في النادي، بل أكثر من ذلك، ساعد كثيرًا منهم على بناء حاسباتهم الخاصة.
أما الشاب الثاني فهو "ستيف جوبز" الذي شارك وزنياك الشغف نفسه، وإن لم تكن لديه الكفاءة الفنية نفسها وخلفيته العلمية، لكن كانت لديه "الرؤية" اللازمة لترك بصمة واضحة في الحياة.
وكان كلاهما قد تعاونا من قبل على تطوير ألعاب إلكترونية لشركة أتاري. وقد أقنع جوبز صديقه وزنياك بمشاركته وتجميع مكونات حاسب صغير، وطرحه في الأسواق تحت اسم Apple I. وبالفعل عملا على ذلك في جراج منزل عائلة جوبز (المقر الأول لشركة آبل)!
لقد تكونت لدى جوبز رؤية لهذا الجهاز تتعدى حدود بيعه لمجموعة من الهواة في كاليفورنيا. فقد رأى جوبز في هذا الجهاز فرصة غير مسبوقة لتغيير مفهوم الحاسبات الآلية إلى الأبد. وبالفعل عمل جوبز على تحقيق هذه الرؤية، فقد اتصل بشخص آخر يعرفه يُدعى "مايك ماركيولا"، كان يعمل في شركة إنتل، وله خبرة جيدة في مجالات التسويق والتمويل، ليساعده على اكتساب المعارف الخاصة بالتسويق. ولإيمان جوبز بأهمية التمويل، سعى وراء "آرثر روك" المستثمر المعروف الذي موّل إنتل من قبل، لإقناعه بتمويل آبل أيضًا، وقد نجح في ذلك.
في عام 1978 نجح وزنياك في تجميع كثير من مكونات حاسب شخصي جديد أكثر تطورًا، وأطلقه في الأسواق تحت اسم Apple II، وحقق هذا الجهاز نجاحًا غير مسبوق.
ودشّن جوبز مصنعًا محليًّا صغيرًا لتجميع 1000 قطعة من الجهاز الجديد. كذلك عقد ماركيولا اتفاقيات مع عدد كبير من الموزعين على مستوى الولايات المتحدة، ونظم حملة دعائية لهذا المولود الجديد.
وانتقلت آبل من الجراج إلى مبنى في مدينة كوبيرتينو عاصمة ولاية كاليفورنيا. وعلى الصعيد الآخر، كان هؤلاء الشباب في حاجة إلى وجود تطبيق خاص بالأعمال، لينتقلوا بجهازهم من أسواق الهواة إلى عالم الأعمال غير المحدود. وجاء الحل، بعد عام تقريبًا، في شكل برنامج VisiCalc (برنامج الجداول الإلكترونية) الذي طوره "دان بركلين" (الطالب بجامعة هارفارد) بمساعدة أستاذه "بوب فرانكستون"، لكنهما لم يسجلاه؛ وهو ما أتاح لآبل استخدامه وطرحه مع جهازها Apple II.
وبعد عامين، طرحت آبل الجيل الثالث من تلك الحاسبات Apple III، وكانت الشركة في ذلك الوقت تقوم بمحاولات ضارية لمنافسة أي بي إم ومايكروسوفت في الأسواق الخاصة بالشركات ومجتمع الأعمال.
لكن هذا الجهاز لم يلاقِ نجاحًا كبيرًا؛ لوجود مشكلات فنية تتعلق بتبريد المعالج الخاص به، ومن ثم استدعت آبل آلاف الأجهزة من السوق لمعالجة هذا الخلل. وطرحت النسخة المعدلة من الجهاز Apple III+ في عام 1983، لكن لاقت تلك النسخة مصير سابقتها نفسه؛ بسبب هجوم الصحافة وقلق العملاء. وفي الوقت نفسه، سحبت أي بي إم ومايكروسوفت البساط من آبل في السوق الخاص بالأعمال، وشكلتا تهديدًا حقيقيًّا لها في تلك الفترة في أغلب القطاعات السوقية، فيما عدا القطاع التعليمي الذي كان لا يزال منطقة تميز لآبل.
“ليزا” محبوبة جوبز الصغيرة
في هذه الأثناء، زار جوبز في ديسمبر 1979 مركز أبحاث شركة زيروكس في ولاية كاليفورنيا، لرؤية اختراعهم الجديد Alto Computer الذي يعد أب الحواسب الشخصية المحمولة. وفي أثناء تجواله في مركز أبحاث زيروكس، رأى ما يُطلق عليه الآن واجهة المستخدم الرسومية أو User Graphics Interface (GUI).
وأيقن جوبز بحسه الفطري أن حاسبات المستقبل لا بد أن تستخدم هذه الواجهة. لقد كان هذا الرجل دائمًا سابقًا لعصره فيما يخص التكنولوجيا وتطبيقاتها، وقرر تطوير جهاز آبل ليكون مستخدمًا لتقنية GUI، وشكّل فريقًا لعمل هذا الجهاز الذي سماه Apple Lisa (على اسم ابنته). لكن في الوقت نفسه، كان هناك فريق آخر داخل الشركة قائم على تطوير جهاز جديد منخفض التكاليف، يُدعى آبل ماكنتوش Apple Macintosh، وكان فريق العمل به على يقين من أنه سيكون المنقذ للشركة.
وادعى كل فريق أنه قادر على الوصول إلى منتج نهائي قبل الآخر، وهذا ما سبب منافسة شرسة وحربًا ضروسًا بين الفريقين؛ وهو ما أدى إلى وجود مناخ غير صحي في الشركة، كانت آبل في غنى عنه في تلك المرحلة المهمة من تاريخها.
ونجح فريق "ليزا" في كسب السباق. وفي عام 1983 طُرح أول جهاز شخصي في العالم بتقنية GUI، لكن "ليزا" واجهت عثرات كثيرة في السوق، ولم تحقق نجاحًا؛ لسعرها المرتفع جدًّا (حوالي 10 آلاف دولار حينذاك)، وكذلك عدم وجود كثير من التطبيقات.
وفي العام التالي، طرحت الشركة جهاز آبل ماكنتوش، الذي يعد نقطة تحول كبرى في تاريخ آبل. وحققت الشركة مبيعات كبيرة منه عند طرحه، لكن المبيعات انخفضت لاحقًا؛ لعدم وجود تنوع في التطبيقات، والسعر المرتفع نسبيًّا، وكذلك بسبب المنافسة الشرسة من أي بي إم ومايكروسوفت.
لكن الحظ ابتسم لآبل ثانية، عندما قدمت الشركة للأسواق طابعة LaserWriter (أول طابعة بتقنية البوست-سكريبت)، والتي طُرحت للمستهلك بسعر مقبول إلى حد كبير، وكان ذلك مصحوبًا ببرنامج النشر المكتبي PageMaker.
وكانت هذه التوليفة هي العامل الرئيسي وراء خلق سوق كبير، هو سوق "النشر المكتبي"، الذي تربعت على عرشه آبل لعقود طويلة.
المبدع المغامر والمدير المحترف التقليدي
كانت آبل في مرحلة نمو كبيرة، لكنه نمو مع ألم.
فقد وصلت المبيعات إلى حد المليار دولار، وكان جوبز في حاجة إلى مدير محترف لإدارة هذه الإمبراطورية الوليدة، ووجد جوبز الرجل المناسب! إنه "جون سكالي" (المدير السابق لشركة بيبسي للمشروبات الغازية).
وكان الرجل مترددًا في قبول المنصب في آبل في بداية الأمر، لكنه اقتنع بعد أن قال له جوبز: "هل تريد تمضية عمرك في بيع المشروبات الغازية، أم تريد أن تنضم إليّ، ونقوم بتغيير العالم؟". وأصبح سكالي رئيسًا ومديرًا تنفيذيًّا للشركة في عام 1983، وطبق الرجل معايير صارمة داخل الشركة، وكان لديه اقتناع بأن مصروفات البحوث والتطوير داخل الشركة مبالغ فيها دون مبرر، وأن طموحات جوبز وأفكاره لا بد من ترويضها، خاصة أن مشروع Lisa الذي احتضنه جوبز سبب مشكلات كثيرة!
وعلى التوازي، حصلت مايكروسوفت على عدة نماذج من أجهزة Macintosh لتطوير عدد من التطبيقات عليها، ثم طرحت مايكروسوفت نسختها الأولى من الويندوز في عام 1985 (نظام التشغيل الخاص بأجهزة أي بي إم والأجهزة المتوافقة معها، الذي يعمل بتقنية GUI).
وكان معدل مبيعات الويندوز بطيئًا نسبيًّا في بدايات طرحه في الأسواق، ولكن سرعان ما انتشر هذا النظام، وأصبح نظام التشغيل الأول للحاسبات الشخصية في العالم؛ وهو ما زاد الأمر تعقيدًا لآبل.
وبدأ الاحتكاك بين "المبدع والمبتكر والمغامر" و"المدير المحترف"، وأخذ مجلس الإدارة صف سكالي، وأعفى جوبز من جميع مهامه الإدارية.
وترك، على أثر ذلك، كلٌّ من جوبز ووزنياك الشركة، آخذين معهما روح الإبداع والإقدام والريادة!
السنوات العجاف: لا إبداع، لا ابتكار، لا مجد
واجهت آبل بعد ذلك كثيرًا من المشكلات، فحصة السوق الخاصة بها في تقلص مستمر، ووضعت الشركة هامش ربح عاليًا لمواجهة مصروفات البحوث والتطوير التي كانت بعيدة كل البعد عن وجود إبداع وابتكار حقيقي فعّال. وانغمست الشركة في مواجهات قضائية مع مايكروسوفت بسبب نظام تشغيل ويندوز، واستمرت القضايا سنوات عدة؛ وهو ما أفقد إدارة آبل التركيز والقدرة على تطوير منتجات ذات قيمة مضافة عالية، للمحافظة على وضع آبل التنافسي؛ وهو ما أدى إلى خسارتها كثيرًا من أسواقها وعملائها.
وبدأ سكالي بالخطوات المعتادة في مثل هذه الحالات، ألا وهي "إعادة الهيكلة"، فأغلق ثلاثة مصانع، وسرّح 1200 عامل، وذاقت آبل طعم الخسارة لأول مرة في تاريخها! ثم قام سكالي بتطبيق استراتيجية جديدة، محورها تقديم الحلول المكتبية لقطاع الأعمال. فطرحت الشركة مجموعة من أجهزة آبل وملحقات التشغيل المخصصة لحلول قطاع الأعمال، وكذلك قدمت Mac PowerBook 100 (أول حاسب محمول من آبل) الذي لاقى نجاحًا كبيرًا.
ونجح سكالي في دفع مبيعات آبل من نحو ملياري دولار إلى 5.3 مليارات دولار في عام 1989، لكن لم تشهد الشركة أي إبداعات كبرى في تلك الفترة، بل على العكس زادت حدة المنافسة عليها، خاصة في الولايات المتحدة، في حين كان فرعا الشركة في أوروبا والمحيط الهادئ في وضع لا بأس به. لقد كانت استراتيجية الأعمال في وادٍ، واستراتيجية التكنولوجيا في وادٍ آخر.
وواجهت الشركة إخفاقًا جديدًا عندما طرحت في الأسواق جهاز المساعد الشخصي الرقمي "نيوتن"، الذي لم يكن السوق مهيأً لاستقباله في ذلك التوقيت، لكن نيوتن ساعد على تمهيد الطريق أمام تلك النوعية من الأجهزة في المستقبل!
واشتدت الخلافات بين أقسام البحوث والتطوير من جانب، والتسويق والمبيعات من جانب آخر، وكلٌّ يلقي اللوم على الآخر بسبب هذا الإخفاق. ولم تلتفت إدارة الشركة إلى فكرة إعادة ترخيص نظام التشغيل الخاص بها إلى طرف ثالث، واستغلال هذا التفوق التكنولوجي لدحض المنافسة، إلا في وقت متأخر جدًّا، وهذا ما أضاع على آبل مكاسب تُقدَّر بعشرات المليارات من الدولارات.
بعد ذلك تولى "مايكل سبيندلر" رئاسة الشركة في 1993، وكانت الشركة في وضع لا يُرثى له؛ إذ انخفضت حصة السوق من 14٪ إلى 10٪، وسُرِّح نحو 2500 عامل، إضافة إلى تجميد كثير من مشروعات التطوير، وخفض ميزانية البحث السنوية بقيمة 100 مليون دولار. ولتقليل ضغط السوق، ارتمت آبل في حضن منافسها اللدود، حيث كوّنت آبل في عام 1994 تحالفًا مع أي بي إم وموتورولا، لتطوير منتجات أكثر توافقًا مع أي بي إم، باستخدام تكنولوجيا المعالجات من موتورولا، وذلك لكسر التحالف غير المكتوب بين مايكروسوفت وإنتل، لكن في النهاية كسبت مايكروسوفت وإنتل السباق، وحافظتا على تقدمهما في السوق.
ولم يستمر سبيندلر كثيرًا، وخلفه "جيل أميليو" في عام 1996. لكن زيادة خسارة الشركة أدت إلى استقالته هو ونائبه للتكنولوجيا في عام 1997. لقد أثبتت سياسة "الخطوة خطوة"، وعدم وجود إبداع وابتكار حقيقي، الفشل الذريع!
عودة الساحر والمجد أيضًا
قبل رحيله، قرر أميليو شراء شركة NeXT "نكست" التي أسسها جوبز بعد إقصائه من آبل، وكذلك نظم التشغيل الخاصة بها، لتطوير بديل لنظام تشغيل آبل الذي أصبح غير متماشٍ مع متطلبات السوق. وأعلنت آبل عزمها على الاستحواذ على نكست في ديسمبر 1996، مقابل 429 مليون دولار نقدًا للمستثمرين الأساسيين، وكذلك 1.5 مليون سهم من أسهم آبل لصالح جوبز.
ورجع "جوبز" إلى الشركة الأم بوصفه مستشارًا في عام 1997، وفي العام نفسه تولى منصب القائم بأعمال الرئيس التنفيذي، ثم الرئيس التنفيذي لآبل بصورة دائمة في عام 2000. لقد عاد "الساحر" مرة أخرى إلى شركته، وعادت معه روح الإبداع والابتكار والإقدام والريادة.
وفي عام 1997 أعلن جوبز عن اتفاق مع مايكروسوفت لإصدار نسخة من برنامجها الأشهر "الأوفيس"، وطرحه على أجهزة آبل، وأن مايكروسوفت ستشتري أسهمًا من أسهم شركة آبل بقيمة 150 مليون دولار، دون حق التصويت.
وفي نوفمبر من العام نفسه، طرحت آبل مفهوم Apple Store، وهي منافذ بيع تابعة لآبل، ذات ديكورات خلابة وأسلوب جديد للعرض، موجودة في أهم مناطق التسوق بالولايات المتحدة، لبيع منتجات آبل على نحو حصري.
وكان الهدف الأساسي من هذا المفهوم هو محو الصورة الذهنية السيئة التي ارتبطت بمنتجات آبل عند عرضها داخل منافذ البيع المملوكة لأطراف أخرى، وكذلك زيادة حصة الشركة من السوق. وافتتح أول منفذ للشركة في عام 2001.
وفي عام 1998، طرحت آبل منتجها الجديد iMac، وهو حاسب شخصي من آبل بمفهوم "الكل في واحد"، وذو تصميم خلاب وعصري، حتى إنه عُدَّ نموذجًا يُحتذى به عند تصميم حاسبات المستقبل، مستعيدة بذلك الذكريات الجميلة لجهازها Apple Macintosh.
وصمم هذا الجهاز "جوناثان إيف"، الذي حصل على عدد من الجوائز نتيجة هذا التصميم، وفيما بعد صمم اثنين من أكثر منتجات آبل نجاحًا؛ هما iPod وiPhone، وحقق iMac نجاحًا غير مسبوق، وبيع منه أكثر من 800 ألف وحدة في أول خمسة شهور من طرحه.
شهد عام 2001 طرح آبل نظام التشغيل الجديد Mac OS X، الذي عُدَّ مثالًا ممتازًا للتزاوج بين نظام تشغيل يتميز بالاستقرار والأمن والجودة مثل Unix، مع واجهة مستخدم رسومية سهلة الاستخدام، تميزت بها آبل على مدار السنين، وذلك بناءً على تقنية NeXT.
كما قدمت آبل مشغل الموسيقى الخاص بها iPod في العام نفسه. وحقق هذا المنتج مبيعات فاقت التوقعات؛ إذ وصلت إلى 100 مليون جهاز خلال ست سنوات من طرحه.
وفي عام 2003، قدمت آبل مفهومًا جديدًا غيّر شكل سوق الموسيقى المسموعة إلى الأبد، ألا وهو iTunes Store، وهو موقع إلكتروني لتحميل الأغاني على أجهزة iPod مقابل 99 سنتًا للأغنية، ووصل عدد التحميلات من هذا الموقع إلى أكثر من خمسة مليارات تحميل خلال خمس سنوات.
وفي عام 2006، أعلن جوبز أن آبل ستستخدم معالجات إنتل التي تسمح باستخدام نظام تشغيل آبل، إضافة إلى نظم تشغيل مايكروسوفت.
وتوالت النجاحات، وزادت الأرباح على نحو لم تشهده الشركة من قبل؛ إذ ارتفعت قيمة الأسهم إلى أكثر من عشرة أضعاف خلال المدة من 2003-2006، ووصلت إلى حوالي 80 دولارًا للسهم.
ومنذ عام 2007، دخلت آبل عهدًا جديدًا، وهو عهد الأجهزة الإلكترونية المحمولة؛ لذا أعلن جوبز في 9 يناير 2007 عن تغيير اسم الشركة من "آبل كمبيوترز" إلى "آبل"، كون الحاسبات أصبحت الآن جزءًا من منتجات الشركة.
وفي اليوم نفسه أعلن جوبز عن ميلاد نجم جديد، هو iPhone (التليفون المحمول الذكي من آبل)، الذي جعل من الشركة ثالث أكبر مصنع للهواتف المحمولة في العالم، في أقل من عامين. وفي اليوم التالي وصل سعر سهم آبل إلى 97.80 دولارًا، ثم كسر حاجز 100 دولار في مايو من العام نفسه.
وفي يوليو من عام 2008، أعلنت آبل عن تدشين موقع App Store المخصص لبيع تطبيقات مطورة من قبل أطراف أخرى لمنتجات آبل iPod Touch وiPhone. وفي خلال شهر واحد باعت آبل ما يقارب 60 مليون تطبيق، بمتوسط مبيعات يومي يقارب المليون دولار. وفي 14 يناير 2009، وقّع جوبز مذكرة داخلية يعلن فيها أخذه إجازة مرضية لمدة شهور، وذلك للعناية بصحته، ولجعل الشركة تركز على تطوير منتجاتها وتسويقها دون تأثيرات خارجية، خاصة من جانب الصحافة فيما يتعلق بأخبار حالته الصحية.
آخر محطات الإبداع والابتكار
ظهر "الساحر" مرة أخرى على المسرح، في 27 يناير 2010، ليعرض على العالم أحدث ما صنعته آبل، وهو جهاز iPad، الجهاز اللوحي المحمول ذو الشاشة الكبيرة، الذي يتمتع بخاصية العمل باللمس مثل iPhone، والمتوافق مع كثير من التطبيقات التي تعمل على iPhone. إنه الجيل الجديد من الحاسبات، الذي سوف يغير شكل استخدام الحاسبات لأعوام قادمة، بل لأجيال قادمة، كما فعل أقرانه من أجهزة آبل من قبل.
والجدير بالذكر، وحسب النشرة الصحفية المنشورة على موقع الشركة الرسمي في 22 يونيو 2010، أن مبيعات آبل من جهاز iPad قد وصلت إلى ثلاثة ملايين جهاز في أقل من 80 يومًا؛ أي حوالي 37,500 جهاز يوميًّا؛ أي حوالي 1,562 جهازًا في الساعة! لقد أصبح يُقاس معدل شراء الناس للجهاز بالساعة، نعم بالساعة، وليس باليوم أو بالشهر!
إنها بلا شك لمسة الساحر المبدع، والمغامر أيضًا، ستيف جوبز... لكنه اختفى من المسرح في 5 أكتوبر 2011 بعد صراع مع المرض... فهل يكون هذا الاختفاء آخر محطات الإبداع والابتكار لآبل؟
الزمن وحده سيجيب عن هذا السؤال! وإن كنت أظن أنها بالفعل آخر محطات الإبداع والابتكار لهم... لسبب بسيط، أن الساحر العبقري لم يعد موجودًا!