رئيس مجلس الادارة

عمــر أحمــد ســامي

رئيس التحرير

طــــه فرغــــلي


العقاد ذكرى وتحية

16-6-2026 | 15:07


صلاح البيلي

صلاح البيلي

العقاد كان وسيظل علمًا لا مثيل له في العصامية والكفاح الشاق، وفي الفكر والثقافة، وفي السياسة ومعارك الحياة، فهو الشاعر، والصحفي، والقاص، والمفكر، وعضو المجمع اللغوي، وعضو البرلمان. مرَّ 137 عامًا على مولده في 28 يونيو سنة 1889م، ومرَّ على رحيله في مارس 1964م نحو 62 سنة، ويظل اسم العقاد علمًا من أعلام النهضة والريادة وقوة مصر الثقافية. إنه خير مثال للأديب والمثقف الموسوعي، لعصر كانت سمته الموسوعية وعدم التخصص في مجال ضيق وحيد. عارك الحياة وعركته، وناله منها عدد غفير من المحبين، كما لم يخلُ من خصوم أشداء، واتفق معجبوه وخصومه على تفرده وتقدير قدراته الإبداعية والتحليلية.

وقعت في غرام العقاد كما وقع قبلي آلاف المحبين، ودفعني حبي له لزيارة بيت العائلة في أسوان، ذلك البيت الكبير بطابقيه وصالونه العتيق، والتقيت أولاد شقيقه (أحمد): (صفية ونجاة وعبد العزيز)، وسمعت عشرات الحكايات الأسرية، وزرت المتحف الصغير الذي ضم مكتبته ومتعلقاته في قصر ثقافة أسوان، كما زرت مقبرته، وذهبت إلى بيته الذي استأجره في مصر الجديدة بثلاثة جنيهات وسبعين قرشًا، وعاش فيه سبعة وثلاثين عامًا، والتقيت (أم عباس) زوجة (عامر أحمد العقاد) ابن شقيقه، والتقيت ابنتها (عبير) وأشقائها، وكلهم يعيشون على ذكرى العقاد.

واطلعت على خطابات العقاد لشقيقه أحمد في أسوان، وهو يبلغه أنه أرسل إليه حوالة بثمانية جنيهات، ويوصيه بشراء علاج أمه، وكانت كردية الأصل، ومن فرط قوتها كانوا يسمونها (المِشَدَّة). كان العقاد بارًّا بأهله، محبًّا لمسقط رأسه في أسوان، وكتب فيها شعرًا، كما كتب في (أنس الوجود) قصيدة مطلعها: (رعى الله من أسوان دارًا سحيقةً – وخلد في أرجائها ذلك القصرا). والعقاد يعترف بأن جد جده لأبيه كان من دمياط، وانتقل إلى المحلة، وعمل في صناعة وتجارة الحرير، فأطلق عليه الناس اسم (العقاد).

ويقول عن والده، أمين محفوظات أسوان، إنه لم يرث عنه مالًا، ولكنه أفاد منه بما لم يُقدَّر بمال، ويقول:

(كان إذا رآني أجلس بين قريباتي وخالاتي وأنا دون الثامنة من عمري، يصيح بي مستغضبًا: عباس، ماذا تصنع بين النساء؟.. تعال معي فاجلس بين أمثالك. ومن هم أمثالي؟.. شيوخ بين الأربعين والسبعين، يسمرون معه في (المندرة)، ويقضون الوقت في أحاديث الشيوخ عن السياسة)!

ثم أخذه أبوه معه إلى مجلس الشيخ أحمد الجداوي، أحد تلاميذ الشيخ جمال الدين الأفغاني، وكان مجلسه مجلس أدب وعلم وسياسة، فبدأ الصغير يتعلق بالأدب، ويحب القراءة، ولما بلغ سن الوعي فتح دولاب الكتب في البيت، فوجد أعداد مجلة (الأستاذ) لعبد الله النديم، فانكب عليها يقرأها.

ولذلك، لما زار مفتي الديار المصرية الشيخ محمد عبده أسوان قبل رحيله سنة 1905م، زار مدرسة أسوان الابتدائية، واطلع على كراس الطفل عباس العقاد، وأشاد به، وتنبأ له بمستقبل واعد، فلم يخيب عباس نبوءة شيخه، وكبر ووضع عنه واحدًا من أهم كتبه، وهو (الشيخ محمد عبده عبقري الإصلاح)، وأنصف الشيخ إنصافًا لم يقم به غيره، ووضع له صورة كبيرة في صالون بيته من فرط حبه له، إلى جوار صورة الزعيم سعد باشا زغلول، الذي أحبه العقاد ووضع عنه كتابًا. وكان العقاد أول صحفي في تاريخ الصحافة المصرية يجري حوارًا مطولًا، وكان مع سعد زغلول، ويومها وصفه سعد بـ(الكاتب الجبار).

كان العقاد وفديًّا صميمًا، مثل قرينه وربيب سنة ميلاده طه حسين، وكلنا يذكر يوم كان عضوًا في البرلمان في الحقبة الملكية، ووقف يهدر بصوته: (إن الأمة ستحطم أي رأس يعتدي على الدستور)، وكان يستهدف الملك فؤاد، فأسرها له وتحين اللحظة حتى اعتقله لاحقًا لمدة تسعة أشهر، خرج بعدها العقاد من سجنه إلى مرقد سعد زغلول، وقرأ قصيدته الشهيرة التي مطلعها:

(عداتي وصحبي لا اختلاف عليهما – سيعهدني كل كما كان يعهد)

بعدها جرت في بحر السياسة مياه كثيرة، وانقلب العقاد على مصطفى النحاس، خليفة سعد، وانضم إلى الكتلة التي كونها النقراشي وأحمد ماهر، وظلت تربطه بالنقراشي صداقة قوية لدرجة أنه رثاه حين اغتيل برصاص الإرهاب.

ويُحمد للعقاد بُعد نظره، فقد حذر من النازية والشيوعية والصهيونية وحركة الإخوان، ووضع كتاب (هتلر في الميزان)، وكتاب (الشيوعية والإنسانية في شريعة الإسلام) سنة 1956م، وثالثًا عن الصهيونية. أما الإخوان، فكان العقاد منتبهًا لخطر تيارات الإسلام السياسي، وكتب مقالات مبكرة جدًّا في صحيفة (الأساس) سنة 1949م ضد حسن البنا وجماعته، وقال إن لقب (الساعاتي) لجد البنا هو لقب لمهنة احترفها اليهود، وأرجع أصوله إلى يهود المغرب، وكان أن تعرض للقتل أكثر من مرة ونجا بأعجوبة.

وحدث أن تعرض للاغتيال مجددًا سنة 1956م حين وضع كتابه عن الشيوعية وهي في مجدها، وحكى هو نفسه ما حدث بأنه بعدما ألَّف كتابه (الحسين أبو الشهداء)، أهداه خادم روضته في كربلاء مصحفًا خطيًّا مكتوبًا بماء الذهب وقطعة من الإستبرق، وحدث أن رن جرس التليفون الساعة السادسة صباحًا، ونهض من فراشه ليرد على المتصل، فوقعت العلبة أرضًا، فجلس يجمع محتوياتها، فانطلق الرصاص من الشارع نحو نافذته، فظل جالسًا حتى انتهى الضرب، وانصرف الجناة، وأرجع نجاته إلى كرامة من سيدنا الحسين، وقال: (لو كنت أؤمن بالكرامات لآمنت بكرامة الحسين... ولم أقم بإبلاغ البوليس حتى لا يظن القتلة أن العقاد يخاف)!
وفي مرة ثالثة دق جرس بابه، وكان طباخه الشهير (أحمد حمزة) خارج البيت، ففتح العقاد، واستقبل الرجل الغريب، وظنه طالب صدقة، وحضر طباخه فأمره بإعداد كوب الليمون وفنجان القهوة للرجل، فارتبك واعترف أنه جاء قاتلًا، وأخرج السكين من طيات ملابسه، وبكى لأنه رأى رجلًا بخلاف ما قاله خصومه عنه، ومنحه العقاد خمسة جنيهات، وانصرف دون أن يفصح عمن دفعه لذلك!
واسمحوا لي أن أتوقف هنا عند بعض الشهادات ممن صحبوا العقاد، أمثال: حسين نصار، ود. عاطف العراقي، والرسام صلاح طاهر، وأنيس منصور، وغيرهم..

ولكن قبل أن نتوقف عند (ندوة العقاد) الأسبوعية الشهيرة، نبدأ بأول ندوة له ولأصحابه، وكانت تنعقد في حديقة الحيوان أيام شبابه، وكان اسم العقاد الزرافة، واسم عبد الرحمن صدقي البنجوين، أو البطريق، واسم صلاح طاهر الدب، واسم العوضي الوكيل فار الحديقة، واسم أحمد علام الطاووس، واسم علي أدهم الضبع. وعن تلك الندوة كتب العقاد شعرًا منه:

(أورفيوس الفن سوى بينهم – فتلاقى الدب فيها والقرود)

(وتغنى فرس النهر بها – يا له من فرس طلق النشيد)

(ومشى الأرنب والحوت لها – صاحب القاعين من لجٍّ وبيد)

(وتآخى الجدي والضبع – وما بين هذين سوى الثأر اللدود)

ثم انتقلت ندوة العقاد إلى مقهى بشارع عدلي، وحل موضعها محل (جروبي)، ثم أصبحت ندوته الأسبوعية صباح كل يوم جمعة في بيته بحي مصر الجديدة، وكان يؤمها كثيرون ومن كل البلاد، وكان عم أحمد حمزة الطباخ يقدم للحضور الليمون والقهوة، وبعد أن ينصرف الجمهور يستبقي العقاد خاصة أصحابه لتناول الغذاء معه، مثل طاهر الجبلاوي وخليفة التونسي وغيرهما. وظلت هذه الندوات تقام من سنة 1935م حتى رحيل العقاد في مارس سنة 1964م.

سألت الرسام الشهير صلاح طاهر عن سر اللوحة التي رسمها للعقاد بطلب منه، فقال إنها عبارة عن تورتة يعفُّ عليها الذباب، وذلك بعد انقضاء قصة حب العقاد للفاتنة السمراء. كان على مشارف الخمسين، وكانت على عتبة العشرين، سمراء عربية الملامح بعيون واسعة وقوام رشيق، أحبها، ولكنها فضلت السينما عليه، وبدأت رحلتها مع الشهرة، وهنا شعر العقاد أنه أصبح (استبن) أو الرجل الثاني، فلم يتحمل فطردها من بيته، وهرولت على السلالم بلا رجعة، وحتى يتذكرها في أسوأ حال طلب الرسمة السابقة!

أما د. حسين نصار، عمدة المحققين لكتب التراث، وكان أحد رواد صالون العقاد، فقال لي إنه سمع العقاد وهو يروي النكتة ويسمعها، وكان كما نقول (ابن نكتة)، ويحب السخرية اللاذعة الذكية.

وقال د. عاطف العراقي إنه شهد بعض ندوات العقاد، وكان الحضور وكأن على رؤوسهم الطير، المتحدث الوحيد هو العقاد، والجميع يستمع بصمت واهتمام، وإذا سأل أحدهم فهو سؤال استفهامي وليس استنكاريًّا، فالعقاد جاهز بلسان حاد لمن نسي نفسه في حضرته. ونفى العراقي أن يكون لأحد، مهما كان، بطولات في حضرة العقاد، وكل ما أشيع عن ذلك حكايات زائفة.

ولكن اثنين فقط كتبا عن تلك الندوات، أولهما أنيس منصور، تلميذ العقاد، في كتابه (في صالون العقاد كانت لنا أيام)، وظل وفيًّا لذكراه، فقد دافع عن (عبقريات العقاد) أمام طه حسين، في اللقاء التليفزيوني الشهير الذي رتبه السباعي وأنيس، وحضره كبار مثقفي العصر من نجيب محفوظ وعبد الرحمن الشرقاوي وعبد الرحمن بدوي وأمين يوسف غراب ومحمود أمين العالم وغيرهم، ويومها غمز د. طه العقاد بأنه لم يفهم عبقرياته، وسأل أنيس بسخرية: هل فهمتها؟!..

الثاني الذي أرَّخ للعقاد بأكثر من كتاب ابن شقيقه أحمد، وأعني عامر العقاد، وقد وضع عن عمه أكثر من كتاب، وهي: (آخر كلمات العقاد)، (لمحات من حياة العقاد)، (غراميات العقاد)، (معارك العقاد الأدبية)، (معارك العقاد السياسية)، (أحاديث العقاد الصحفية)، (مقالات أدبية)، (العقاد دراسة وتحية)، (دراسات عن العقاد)، (العقاد وهؤلاء). وقد ساهم في إعداد المسلسل التليفزيوني الوحيد عن سيرة العقاد، وكان باسم (العملاق)، ومن بطولة محمود مرسي.

ومن مكارم عامر العقاد أنه جمع كتب العقاد التي لم تُنشر في حياته، مثل: (ما بعد البعد)، وهو ديوان شعر، و(دراسات في المذاهب الأدبية والاجتماعية)، و(بحوث في اللغة والأدب)، و(يوميات العقاد) الجزء الثالث، والجزء الرابع.

كان عامر يقيم في شقة العقاد المقابلة لشقته الخاصة، فقد استأجر العقاد شقتين، وكان عامر همزة الوصل بين العقاد عمه وأستاذه وبين جيلين تاليين لعمه، وأقرب عمرًا من عمر عامر، وكان عامر قد التحق بكلية الحقوق ثم تركها ليتفرغ لجامعة العقاد.

كان عامر هو كل شيء في حياة عمه، فهو الذي يرد على التليفون، ويقرأ صحف الصباح، ويرسل المقالات إلى المجلات والصحف مثل: (الهلال، الأخبار، منبر الإسلام، صوت الشرق، قافلة الزيت...)، وكان يرسل البرقيات والخطابات، ويفض الخطابات الواردة ويقرأها لعمه، وكان يستقبل الضيوف، ويحضر الكتب من رفوف المكتبة، أو يحضرها من المكتبات، أو يقوم بمهمة ما، كما كان يصطحب العقاد إلى اجتماعات مجمع اللغة العربية، وجلسات المجلس الأعلى لرعاية الفنون والآداب، وإلى وزارة الثقافة، وعصرًا كان يتريض معه في شوارع مصر الجديدة، فضلًا عن إحضار كتب العقاد الجديدة، أول بروفة، ويراجعها قبل الطبع.

باختصار، كان هذا الدينامو لا ينام إلا بعد أن يطمئن أن العقاد نام.

ومن خلال عامر عرف الناس كل شيء عن العقاد في بيته، وطعامه وشرابه، وعاداته، وظل يحيي ذكراه السنوية، وأسس جمعية أصدقاء العقاد، ودعا كبار المثقفين في ذكرى العقاد في أسوان والقاهرة، وكان قد أصدر كتبًا أخرى عن أحمد أمين، والسيدة خديجة، وبلال صوت السماء، وجمال عبد الناصر، وصالح جودت، وانضم إلى اتحاد الكتاب. وإذا كانت كتب العقاد من الشهرة بمكان، فيجب أن تلتفت وزارة الثقافة إلى كتب عامر عنه، وهي أقل شهرة ولكنها مهمة، لأنها تقدم صورة من قريب للعقاد.

بقي أن نؤكد أن العقاد، كما حطم الأصنام في عصره وكتبه، وهاجم الصهيونية والشيوعية والنازية والإخوان، ودافع عن الإسلام، وترجم لعدد من كبار الصحابة من أبي بكر وعمر وعثمان وعلي إلى فاطمة الزهراء، وكما وضع (عبقرية محمد)، وضع (عبقرية المسيح)، وفي حياته حطم أوهامًا وأصنامًا ظنها الناس من الثوابت الراسخة، فقد سكن في عقار رقم 13 وكسر الخوف المرضي من هذا الرقم وتحدى الشؤم، ووضع تمثال بومة فوق مكتبه، وهي طائر يتشاءم منه الناس، ولكنه قال: (إن البشرية ظلمت هذا الطائر حينما اعتبرته رمزًا للتشاؤم، واعتقدت أن نعيبها في ظلام الليل مدعاة للشؤم، لكنها في الواقع مجرد أنثى مخلصة وفية للذكر إلى أن تموت، ونعيبها هو استدعاء لذكرى حبيبها لتبثه غرامها)!

وكسر العقاد الوهم والخوف وانتصر عليه يوم أن وضع كتابه الجميل عن (ابن الرومي، حياته وشعره)، وكان كل الباحثين يتخوفون من الاقتراب منه، وعدَّه المؤرخون شاعر شؤم في حياته وبعد موته، وكان أعرج، دميم الخِلقة، وما اقترب منه أحد إلا وأصابه بشؤمه، فتصدى له العقاد ووضع عنه كتابًا جميلًا أنصفه فيه كشاعر تصويري كبير.