د. حسام الضمراني
كتب عباس محمود العقاد (1889-1964م)، أحد أهم كتّاب القرن العشرين في مصر، وعضو سابق في مجلس النواب المصري، وعضو في مجمع اللغة العربية بالقاهرة، وأضاف للمكتبة العربية أكثر من مئة كتاب في مختلف المجالات؛ لكن تبقى كتبه عن الإسلام والمسيحية، وعن الإيمان فلسفيًا وعلميًا، ومنها كتبه في حقبة الأربعينيات من القرن الماضي: “العبقريات: عبقرية محمد، عبقرية عمر” في عام 1941، و”الصديقة بنت الصديق”، وهي دراسة عن عمر بن أبي ربيعة، في عام 1943، و”عمرو بن العاص”، وهي دراسة أدبية صدرت في عام 1944، و”الحسين بن علي، بلال بن رباح، داعي السماء، عبقرية خالد بن الوليد” في عام 1945، و”عبقرية الإمام” في عام 1949، و”الله” في عام 1947.
وكتبه في حقبة الخمسينيات من القرن الماضي: "عبقرية الصديق" 1950، "الديمقراطية في الإسلام" 1952، "عبقرية المسيح" 1953، "إبراهيم أبو الأنبياء" 1953، "عثمان بن عفان" 1954، "الإسلام في القرن العشرين" 1954، "طوالع البعثة المحمدية" 1955، "الإسلام والاستعمار" 1957، "حقائق الإسلام وأباطيل خصومه" 1957، "المرأة في القرآن" 1959، "الإنسان في القرآن" 1961، "التفكير فريضة إسلامية" 1962؛ بالإضافة إلى معاركه مع الرافعي، وموضوعها فكرة إعجاز القرآن، تبقى شاهدة على أن العقاد، إذا عاش عصره بوجود وسائل التواصل الاجتماعي، كان سيتحول إلى كاتب رقمي ينحاز إلى الكتابة الدينية والإيمانية، والاشتباك مع القضايا المجتمعية، مقدمًا خطابًا دينيًا رقميًا ينحاز إلى الصوفية وصحيح الإسلام، ويقف في مواجهة الأفكار المغلوطة والإلحاد؛ خاصة أن خطابه الديني والصوفي، اللذين عكف على إنتاجهما في مشروعه الفكري، لهما مكانة خاصة لدى جموع الشعب المصري، سواء في الواقع أو عبر المنصات الرقمية الاجتماعية. ويأتي ذلك انطلاقًا من فلسفته التي آمن بها: "إن الجمال هو الحرية، فالإنسان عندما ينظر إلى شيء قبيح تنقبض نفسه وينكبح خاطره، ولكنه إذا رأى شيئًا جميلًا تنشرح نفسه وينطلق خاطره، إذن فالجمال هو الحرية"؛ فالجمال بالنسبة له يتمثل في إجلال ما له علاقة بالتفكير والخطاب العقلاني، في مواجهة الخرافات والأساطير التي تبعد الناس عن جوهر دينها وإيمانها بالخالق في الديانات السماوية الحنيفة.
هل كانت ستحظى صفحات العقاد على الإعلام الاجتماعي بالمصداقية والتأثير؟
بالنظر إلى نتائج عدد من الدراسات العلمية التي تناولت الخطاب الديني والصوفي عبر منصات الإعلام الاجتماعي، ومستوى مصداقية منتجيه، سواء كانوا نخبة من المتخصصين أو من الدعاة الجدد؛ نجد مثلًا نتيجة لدراسة بعنوان: "اتجاهات النخبة نحو مصداقية التناول الإعلامي للخطاب الديني عبر صفحات الدعاة الجدد على مواقع التواصل الاجتماعي: دراسة ميدانية" للباحثة مروى السعيد السيد حامد، نُشرت بمجلة كلية الآداب، جامعة المنصورة، المجلد 61، العدد 61، أغسطس 2017، توصلت إلى أن تقييم المبحوثين للصفحات الدينية في زيادة معارفهم ووعيهم بالموضوعات الدينية يرجع إلى مصداقية التناول الإعلامي للخطاب الديني للصفحات الدينية، خاصة فيما يتعلق بصفحات الدعاة الجدد، ووفقًا لاختلاف المتغيرات التالية: الصفحة، معدل الثقة، طبيعة الخطاب، معدل المتابعة. وهذا يعني أن مصداقية التناول الإعلامي للخطاب الديني لصفحات الدعاة الجدد تختلف باختلاف الصفحة، ودرجة الثقة في تغطيتها، ومعدل متابعتها، وطبيعة الخطاب الديني المثار؛ فما بالكم لو كانت الصفحة تخص عباس محمود العقاد، وما يقدمه من خطاب ديني رقمي يقوم على المرتكزات الفكرية، ومسارات الحجج، والخصائص اللغوية، والأساليب الإقناعية، وأنماط معالجته للقضايا الدينية والاجتماعية؛ وهو "الكاتب الجبار" بحسب وصف الزعيم السياسي سعد زغلول له، أو كما قال عنه الشيخ الغزالي: "العقاد خير من كتب عن العقيدة والدين بوعي وإيمان، وصاحب أكبر عدد من المؤلفات الإسلامية الجادة التي تزيد على الثلاثين كتابًا، قدمت حقائق الإسلام وأدحضت أباطيل خصومه".
العقاد في مواجهة الخطاب السلفي انطلاقًا من الصوفية
وبحسب دراسة "الخطاب الإعلامي للصفحات الصوفية والسلفية على مواقع التواصل الاجتماعي (فيس بوك) أنموذجًا: دراسة تحليلية" لكل من شروق محمود إبراهيم، ودعاء عبد الحكم الصعيدي، ود. زينب حمدي الدميري، والتي نُشرت في المجلة العلمية لكلية الإعلام بنات، جامعة الأزهر، المجلد 2، العدد 2، يناير 2026، بهدف إبراز الفروق الفكرية بين التيارين الصوفي والسلفي؛ معتمدة على المنهج الوصفي التحليلي، ومستخدمة تحليل المضمون وتحليل الخطاب والمقارنة المنهجية، من خلال عينة من الصفحات الصوفية (الحبيب علي الجفري، ود. علي جمعة)، والصفحات السلفية (الشيخ مصطفى العدوي، والشيخ أبو إسحاق الحويني)، خلال الفترة من مايو إلى ديسمبر 2022؛ حيث أظهرت النتائج أن الخطاب السلفي يركز على الجوانب العقدية، ويعتمد على الاستدلال الشرعي التقليدي، ولغة فقهية مباشرة، بينما يغلب على الخطاب الصوفي الطابع الروحي والوجداني، مع اعتماد أكبر على الصور والفيديوهات، واستخدام لغة فصحى معاصرة، والجمع بين الأدلة الشرعية واستراتيجيات الترغيب والتأثير العاطفي، مقابل الترهيب في الخطاب السلفي. وكان من المؤكد أن عباس محمود العقاد كان سينحاز لصالح الخطاب الصوفي في مواجهة الخطاب السلفي؛ وهو ما ورد في كتابه "الله.. الفلسفة القرآنية" الصادر عام 1947، ونصه: "لكن التصوف في الحقيقة غير دخيل في العقيدة الإسلامية؛ لأنه، كما قلنا في كتابنا عن أثر العرب في الحضارة الأوروبية، مثبت في آيات القرآن الكريم، ومستكن بأصوله في عقائده الصريحة. فالمسلم يقرأ في كتابه «القرآن» ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ﴾ [الذاريات: 50]، فيعلم ما أصبح يتعلمه تلاميذ البوذيين، حين يؤمنون بأن ملابسة العالم تكدر سعادة الروح، وأن الفرار إلى الله هو باب النجاة. والمسلم الذي يقرأ هذه الآيات «ونحوها»، وهو مطبوع على التصوف والبحث عن خفايا الآثار ودقائق الحكمة، يجد فيها غناءً من الأصول الصوفية، ولا يفوته إذا اكتفى بها أن ينشئ منها مدرسة صوفية إسلامية تلتقي بالمدارس «الصوفية» الأخرى في كثير، وتنفصل عنها في كثير؛ لاتساع هذا المجال، ولكنها لا تنعزل عن لباب التصوف، بالطبع والفطرة، كما يرى بعض المعقبين على الصوفية الإسلامية التي يستمدها المسلم من الدين". وهو نص يكشف عن كيف كان العقاد مطبوعًا على التصوف، لإيمانه أن التصوف غير دخيل على العقيدة الإسلامية.
وفي الوقت نفسه، كان سيتبنى عباس محمود العقاد معركة رقمية شرسة مع التيار السلفي الذي يحرِّم الفن والفلسفة، وذلك من خلال بعض كتاباته الرقمية على منصاته بالإعلام الاجتماعي، مجيبًا عن الكثير من الأسئلة، مثل: علاقة الفن بالدين، وهل الإسلام يحرِّم الفلسفة؛ وهو ما حاول التيار السلفي واللاعقلاني ترويجه بشكل ممنهج، واقعيًا وافتراضيًا، لعقود، كاشفًا عدم صحة ذلك بالأدلة من واقع نصوص الدين.
العقاد رقميًا في مواجهة الإلحاد
وفي الوقت نفسه، كان عباس محمود العقاد سيشتبك مع قضية الإلحاد، رغم تضارب الإحصاءات حولها في المجتمع المصري، بين تقديرات تقول إن عدد الملحدين نحو 866 شخصًا، بحسب تصريحات دار الإفتاء المصرية عام 2014، وبين دراسات حديثة تشير إلى تجاوز عددهم ثلاثة ملايين، وفقًا لأستاذ الفقه المقارن بجامعة الأزهر أحمد كريمة. وكان سيعمل العقاد جاهدًا على تجديد الخطاب الديني رقميًا، انطلاقًا من مكانته ككاتب كبير له تأثير على مستوى الفكر الديني، وفكره التجديدي في تشكيل الرأي العام المصري، بل والعربي ككل.
إحدى القضايا التي أثارت جدلًا حوله كانت موقفه من الدين والإلحاد، لا سيما في سياق مرحلة الإصلاح الديني والنهضة الفكرية العربية في القرن العشرين. والعقاد لم يكن ملحدًا بمعنى إنكاره المطلق للوجود الإلهي، لكنه اتخذ موقفًا نقديًا وفكريًا تجاه بعض المظاهر الدينية والاجتماعية المرتبطة بالممارسات التقليدية.
كتب عن شخصيات دينية مهمة مثل: النبي محمد ﷺ، والصديق أبي بكر، وعمر، وعثمان، والإمام الشافعي، والشيخ محمد عبده، مؤكدًا القيم الروحية والأخلاقية في دين الإسلام، مع نقد الجوانب الاجتماعية والسياسية التي أساءت إلى فهم الدين. كما تناول العقاد موضوع الإلحاد من منظور فلسفي ونقدي، ففي كتبه مثل "الإسلام في القرن العشرين" و"حقائق الإسلام وأباطيل خصومه" ناقش التحديات الفكرية التي واجهت الدين، بما في ذلك الشبهات الإلحادية.
لم يُعلن العقاد نفسه ملحدًا، لكنه كان ناقدًا حادًا للممارسات الدينية التقليدية، وللأفكار التي يستخدمها الخصوم لتشويه الإسلام. وكان يرى أن الفكر الحر والنقد جزء من تطوير العقل الإنساني، وأن الدين يجب أن يُفهم بأسلوب عقلاني وأخلاقي، بعيدًا عن التعصب والجمود. وقد لاحظ بعض الباحثين أن العقاد يميل إلى الفكر العقلاني النقدي الذي قد يراه البعض قريبًا من الإلحاد، لكنه في جوهره محاولة للفهم الديني العميق وتصحيح الانحرافات.
وختامًا، نستشهد بكلمات العقاد من كتابه "التفكير فريضة إسلامية"، حيث أكد أن من مزايا القرآن الكثيرة ميزة تقل فيها الخلافات بين المسلمين وغير المسلمين؛ لأنها تثبت من تلاوة الآيات ثبوتًا تؤيده أرقام الحساب ودلالات اللفظ اليسير، قبل الرجوع إلى المناقشات والمذاهب التي قد تختلف فيها الآراء. وتلك الميزة هي التنويه بالعقل والتعويل عليه في أمر العقيدة وأمر التبعة والتكليف.
ففي كتب الأديان الكبرى إشارات صريحة أو ضمنية إلى العقل أو التمييز، لكنها تأتي عرضًا غير مقصود، وقد يلمح القارئ في بعض الأحيان شيئًا من الزراية بالعقل أو التحذير منه؛ لأنه مزلة العقائد وباب من أبواب الدعوى والإنكار.
لكن القرآن الكريم لا يذكر العقل إلا في مقام التعظيم والتنبيه إلى وجوب العمل به والرجوع إليه، ولا تأتي الإشارة إليه عارضة أو مقتضبة في سياق الآية، بل تتكرر في كل موضع مؤكدة جازمة باللفظ والدلالة، في كل معرض من معارض الأمر والنهي، تحث المؤمن على تحكيم عقله أو لوم من يهمله. ولا يقتصر خطاب العقل على معنى واحد، بل يشمل وظائف الإنسان العقلية المختلفة، مع التفريق بينها في مواطن الخطاب ومناسباته. فلا ينحصر العقل في العقل الوازع أو المدرك أو التأملي، بل يشمل كل ما يتسع له الذهن الإنساني، وهو خطاب ينم عن موسوعية العقاد، وكيف كان يقرأ في التاريخ الإنساني والفلسفة والأدب وعلم النفس وعلم الاجتماع.
وقد قرأ واطلع على الكثير من الكتب، وبدأ حياته الكتابية بالشعر والنقد، ثم توسع إلى الفلسفة والدين. ودافع في كتبه عن الإسلام وعن الإيمان فلسفيًا وعلميًا، ودافع عن الحرية ضد الشيوعية والوجودية والفوضوية، وكتب أيضًا عن المرأة.