محمد متولي الشعراوي.. صوت الطمأنينة الذي بقي حاضرًا في قلوب الملايين
حضرة البساطة التي تشبه النور، يطل محمد متولي الشعراوي كحكاية لا تُروى مرة واحدة، بل تتجدد مع كل قلب يبحث عن شعاع أمل ومعنى. لم يكن صوته مجرد كلمات تُقال، بل كان طمأنينة تمشي على مهل، تربت على الروح قبل أن تقنع العقل، وجهه المألوف، ونبرته التي تحمل دفء الجد، جعلاه أقرب إلى الناس من أنفسهم، كأنه واحد منهم، يحكي فيصمت الجميع، لا لأنهم مأمورون بالإنصات، بل لأنهم وجدوا في كلماته شيئًا يشبههم.
هو الشيخ الذي لم يقف على المنبر فقط، بل نزل إلى تفاصيل الحياة، فصار التفسير عنده حكاية، والدين تجربة تُعاش لا مجرد معلومات تُحفظ. بين ابتسامته وتعجباته الشهيرة، صنع عالمًا خاصًا، تتحول فيه الآيات إلى نبض يومي، ويشعر كل مستمع أن الحديث موجه إليه وحده.
لم يكن الشعراوي مجرد اسم في كتب الدعوة، بل كان حالة إنسانية كاملة، صوتًا إذا غاب حضر، وإذا حضر ترك في القلب أثرًا لا يُمحى.
في قرية هادئة تحمل اسم دقادوس، لم يكن أحد يتوقع أن يخرج منها صوت سيملأ الدنيا تفسيرًا وطمأنينة. هناك وُلد محمد متولي الشعراوي، طفلًا عاديًا حفظ القرآن صغيرًا، لكنه لم يكن يعلم أن كلماته يومًا ستصبح ملاذًا لملايين القلوب.
لم يكن طريقه مفروشًا برغباته، بل بإصرار والده الذي دفعه لاستكمال تعليمه رغم تردده، ليبدأ من هنا فصل مختلف من الحكاية. شاب يميل إلى الشعر والأدب، يتصدر المشهد بين زملائه، ويكتشف مبكرًا أن اللغة ليست مجرد أداة، بل مفتاح لفهم الدين والحياة معًا.
ومع الوقت، لم تعد العربية عنده قواعد تُدرس، بل روحًا تُحكى، بها فسر القرآن، وبها اقترب من الناس، حتى صار صوته جزءًا من تفاصيلهم اليومية، ينتظرونه كما يُنتظر الأذان، ويصغون إليه كأن كل كلمة تخصهم وحدهم.
لم يكن الشعراوي مجرد عالم يجلس في مكانه، بل إنسانًا مر بمراحل الحياة المختلفة، من قاعات التدريس إلى منابر الدعوة، ومن مواقع المسؤولية إلى مواقف المواجهة. ظل ثابتًا على قناعته بأن الدين يُفهم بالعقل ويُحب بالقلب، وترك أثره في كل موقع شغله، وفي كل إنسان استمع إليه، حتى تجاوز حضوره حدود المكان، ليصبح حالة ممتدة بين الناس.
وحين رحل في هذا اليوم لم ينتهِ صوته، بل بقي حاضرًا، كأن كلماته اختارت ألا تغادر، لتؤكد أن بعض الحكايات لا تُختتم، بل تظل تُروى كلما احتاج القلب إلى معنى.
وبعد عمر مديد في رحاب الدعوة الإسلامية وخدمة الإسلام والمسلمين، توفي الشيخ عن عمر ناهز السابعة والثمانين عامًا، في 22 صفر 1419هـ، الموافق 17 يونيو 1998م.