رئيس مجلس الادارة

عمــر أحمــد ســامي

رئيس التحرير

طــــه فرغــــلي


في أغانيه من 67 إلى 73 “حليم” عبر بنا من الانكسار إلى أحلى نهار

20-6-2026 | 10:59


فوزي إبراهيم,

كان لأغنيات حليم الوطنية في فترة ما بعد انكسار يونيو ١٩٦٧ وحتى انتصار أكتوبر ١٩٧٣ دور هو الأقوى والأصدق والأعمق بين وطنيات عبد الحليم منذ بداياته، حيث استهدفت تعبئة الشعوب والجيوش العربية وشحنها معنويًا نحو الثأر واسترداد الكرامة، وضحى حليم بصورة المطرب العاطفي التي تربع بها على عرش القلوب، وتحول أداؤه إلى حماسة زعماء المظاهرات والثورات، متجردًا من الزخارف والحليات، وغنى بنبض قلبه وحرارة غيرته ووطنيته، فوصل لما هو أروع من أية جماليات عرفها تاريخ الغناء.
لم يستسلم عبد الحليم لوقع النكسة، ولم يذهب لما ذهب إليه صلاح جاهين من اكتئاب رغم كل ما فيه من آلام، بل تمرد على حزنه ورفض لصوته أن يخفت أو يسكت، فراح يحرض الأبنودي ويستفز بليغًا بعد أسابيع من النكسة لكسر الصمت والبحث عن لغة وروح يصدقها الناس في حالتهم تلك، تأخذهم من شعورهم بالإحباط إلى استشراق الأمل في نهار جديد، وجاء الطرح العبقري للشاعر عبد الرحمن الأبنودي، الذي اختار لغة رمزية اعتمدت على الصورة ودلالتها غير المباشرة، وقال:
عدى النهار
والمغربية جيّه تتخفى ورا ضهر الشجر
وعشان نتوه في السكة شالت من ليالينا القمر
وبلدنا ع الترعة بتغسل شعرها
جالها نهار ما عرفش يدفع مهرها
يا هل ترى الليل الحزين
أبو النجوم الدبلانين
أبو الغناوي المجروحين
يقدر ينسيها الصباح أبو شمس بترش الحنين
أبدًا..
أبدًا بلدنا ليل نهار.. بتحب موال النهار
لما يعدي في الدروب ويغني قدام كل دار
وفرح عبد الحليم وبليغ بهذا التناول الذي اختار مخاطبة العقل والتسلل إليه بلغة تحمل دلالات غير مباشرة، ولم يلجأ لمخاطبة العاطفة المسكونة بالألم بلغة مباشرة فيصطدم بها، وتعامل بليغ مع اللحن على هذا الأساس، وكذلك تعامل عبد الحليم في الأداء التعبيري المتصاعد ليصل ذروته مع: "أبدًا بلدنا ليل نهار بتحب موال النهار"، وتلقى نجاحًا مبهرًا على مسرح ألبرت هول بلندن.
وبعد أن استطاعت هذه الأغنية بث روح الأمل من جديد، قدم حليم والأبنودي، من لحن كمال الطويل، أغنية أخرى كانت بمثابة النشيد الوطني في مرحلة حرب الاستنزاف، هي:
أحلف بسماها وبتربها
أحلف بدروبها وأبوابها
بولادي بأيامي الجيّه
ما تغيب الشمس العربية
طول ما أنا عايش فوق الدنيا
وكان عبد الحليم حافظ يحرص على أن يبدأ بها وينهي بها حفلاته في هذه الفترة، ثم أصبح يغنيها في نهاية الحفل فقط حتى أكتوبر ٧٣.
ثم عادت الإذاعة تبث أشهر أغنيات حليم والأبنودي وكمال الطويل أثناء حرب ٦٧ مثل:
ابنك يقولك يا بطل هاتلي نهار
ابنك يقولك يا بطل هاتلي انتصار
ومن بعدها جاءت أغنية "يا بركان الغضب" لنفس الثلاثي:
يا بركان الغضب
يا موحد العرب
فور عالسجون.. فور عالرمال
انزل عليهم م التلال
من المدافع بالغضب.. ومن الخنادق بالغضب
اغلِ وثور.. ورينا كيف الموت يدور
وكذلك أغنية "اضرب" كلمات الأبنودي ولحن محمد الموجي:
اضرب.. اضرب اضرب
لجل الصغار اضرب
لجل الكبار اضرب
لجل الصغار لجل الكبار لجل النهار اضرب
لجل البلاد لجل الولاد لجل البنات اضرب
وكذلك أغاني مثل: "ناصر يا حرية"، و"راية العرب"، و"إنذار" وغيرها.
وجاء دور أغنية "فدائي" كلمات محمد حمزة ولحن بليغ حمدي، عندما كان الثلاثة في بيروت يتعاقدون على حفلات هناك، وأراد أن يقدم أغنية جديدة، فغلبه حسه الوطني وظروف المرحلة، فقرر أن تكون أغنيته الجديدة للفدائيين في حرب الاستنزاف، وطلب من محمد حمزة كتابتها، وبالفعل قام حمزة بكتابتها، وقام بليغ بتلحينها في نفس اليوم، وعاد الثلاثي في اليوم التالي إلى القاهرة لتسجيلها، ثم أخذ أحد أصدقاء عبد الحليم التسجيل وطار به إلى بيروت قبل أن يلحق به عبد الحليم، ليجد أن ثلاثة من أشهر متعهدي الحفلات في لبنان قد استمعوا للأغنية، وتنافس كل منهم على إقناع عبد الحليم بالتعاقد معه؛ ليكون هو صاحب أول حفل يغني فيه أغنية "فدائي". وفاز المتعهد الأشهر الحاروفي بأول حفل أقامه في مدرج "بحمدون"، وغنى عبد الحليم حافظ بمصاحبة الفرقة الماسية، وغنى معه آلاف اللبنانيين بحماس:
فدائي فدائي فدائي
أهدي العروبة دمائي
وأموت أعيش.. ما يهمنيش
وكفاية أشوف علم العروبة باقي
وعندما وصل حليم لهذه الشطرة التهبت حماسة البعض، فأطلقوا الرصاص في الهواء، مما أرعب الفرقة ودفع بعضهم لترك المسرح، وخاطب عبد الحليم الجمهور مداعبًا إياه: "إنتوا عايزيني أغني من غير فرقة والّا إيه؟"، فتوقف إطلاق النار، وعاد حليم يغني مع الجمهور:
وسط المخاطر.. هناك مكاني
والنصر عمره ما كان أماني
جوه المواقع.. بين المدافع
وسط القنابل أنزل وأقاتل
وأموت أعيش ما يهمنيش
وكفاية أشوف علم العروبة باقي
وفي نفس الروح، ما بين البهجة والحماسة، كانت هناك أيقونة أخرى صاغها الشاعر محسن الخياط والملحن بليغ حمدي، هي "سكت الكلام"، والتي تقول:
سكت الكلام والبندقية اتكلمت
والنار وطلقات البارود
شدّت على إيدين الجنود واتبسمت
وظلت أغنيات عبد الحليم تشد من أزر الفدائيين طوال حرب الاستنزاف، وظلت كما طلقات البارود شدت على أيدي الجنود وذويهم لسنوات، حتى جاءت حرب أكتوبر ٧٣ وتحقق النصر المجيد، وصاح عبد الحليم حافظ منتشيًا بهذا النصر ومهللًا بقرار العبور وصاحب قرار العبور، وغنى له من كلمات محمد حمزة ولحن بليغ حمدي "عاش اللي قال":
عاش اللي قال الكلمة بحكمة في الوقت المناسب
عاش اللي قال لازم نرجع أرضنا من كل غاصب
عاش العرب اللي في ليلة أصبحوا ملايين تحارب
عاش اللي قال للرجال عدوا القنال
عاش اللي حول صبرنا حرب ونضال
عاش اللي قال يا مصرنا ما فيش محال
وغنى لمصر وفرحة مصر، من كلمات محسن الخياط ولحن محمد الموجي: "لفي البلاد يا صبية لفي البلاد":
لفي البلاد يا صبية بلد بلد
باركي الولاد يا صبية ولد ولد
دا المهر غالي واهُم جابوه
لو نجم عالي في السما راح يقطفوه
يا فرحتك ساعة ما ييجوا يقدموه
ويغنوا للفجر اللي في عنيكي اتولد
ومع حرب أكتوبر، رددت الجماهير كل أغانيه، وأعادت للذاكرة أيقونات مثل: "ابنك يقولك يا بطل هاتلي انتصار"، ومثل "أحلف بسماها وبترابها" التي بقيت في الوجدان، وتناقلتها الأجيال، حتى أن تلميذ حليم النجيب هاني شاكر ظل ينهي بها حفلاته حتى آخر حفل له في لبنان، كما أن الفنانة ماجدة الرومي أعادت غناءها، ولا تزال تحرص على أدائها في كل حفلاتها في مصر.