رئيس مجلس الادارة

عمــر أحمــد ســامي

رئيس التحرير

طــــه فرغــــلي


قرارات 3 يوليو.. عود على بدء

30-6-2026 | 14:31


حلمي النمنم,

تؤكد الأحداث والحروب التي تشهدها المنطقة منذ سنة 2023 صحة اختيار الشعب المصري وموقفه يوم 30 يونيو 2013، وقرارات 3 يوليو التي ترتبت عليها. تأمل الحروب، سواء كانت أهلية كما في السودان الشقيق منذ أبريل 2023، أو الحرب في غزة وما تبعها من حرب في جنوب لبنان، ثم الحرب الإسرائيلية-الإيرانية في يونيو الماضي، وصولا إلى اللحظة الراهنة، حيث اشتعلت النيران في المنطقة، حرب تشنها إسرائيل على إيران، ثم تدخلت الولايات المتحدة، ورد إيران بحرب أخرى على دول الجوار العربي في منطقة الخليج.

هذه الحروب والأحداث سببها المباشر غياب الدولة الوطنية، كما هو الحال في فلسطين المحتلة، أو تراجعها وضعفها، كما جرى في السودان وليبيا وأيضًا في لبنان. غياب الدولة أو ضعفها وتراجعها يغري الميليشيات وأصحاب الأهواء والانحيازات الأيدلوجية بالقفز على الدولة ومحاولة أن تكون بديلًا عنها، وقد تدخلت العاملة الخارجية بأن ربت وخلقت أذرعًا لها مسلحة وميليشيات بالداخل تأتمر بأمرها وتعمل لحسابها وصالحها هي، حتى لو كان ذلك ضد الدولة التي تنتمي إليها.

لم تكن ثورة 30 يونيو تحمل مطالب فئوية، ولا أي مطالب اجتماعية أو اقتصادية؛ كانت تطالب فقط بالحفاظ على الدولة الوطنية/ المدنية.

دولة القانون، لا دولة مراكز القوى أو القوى الموازية والمضادة للدولة؛ دولة السلاح فيها بيدها هي، وليس في يد حزب ولا جماعة أو تنظيم، ومن ثم لا ميليشيا مسلحة تعمل خارج نطاق الدولة. وقد عانينا من ذلك كثيرًا خلال العام الذي حكمت فيه جماعة حسن البنا البلاد؛ إذ سُمح بدخول ميليشيات إلى شمال سيناء من خارج البلاد ومن داخلها؛ تريد أن تواجه الدولة وتسيطر على اختصاصاتها. ثم إن هذه الميليشيات قررت أن تستوطن شمال سيناء في المنطقة المحاذية لحدودنا مع فلسطين ومع إسرائيل، ومن ثم يمكنها أن تتلاعب بالأمن القومي في أي لحظة، وتزج بالبلاد في صراعات وأزمات لا نريدها ولسنا مستعدين لها. ولم يكن غريبًا أن يقول الرئيس عبد الفتاح السيسي في خطاب التنصيب أمام الشعب يوم 8 يونيو سنة 2014 بالحرف الواحد: "لن أسمح بخلق قيادة موازية تنازع الدولة هيبتها وصلاحياتها..." ثم يقول: "قيادة مصر واحدة فقط".

حروب المنطقة تثبت أن المصريين اتخذوا الموقف الصحيح يوم 30 يونيو

ضرورة حصر السلاح بيد الدولة ورفض وجود ميليشيات مسلحة وجماعات إرهابية اقتضت من مصر خوض معركة ضارية مع الإرهاب والإرهابيين، حتى أمكن تطهير سيناء بالكامل والقضاء على الخلايا التي كانت تتسلل عبر الحدود الغربية ومن الجنوب لتنشر الإرهاب في ربوع البلاد. كانت معركة بكل معنى الكلمة؛ فقدنا فيها شهداء كثر من أفراد القوات المسلحة والشرطة المدنية، فضلًا عن مواطنين مدنيين. يكفي أن نتذكر عمليات مثل تفجير الكنيسة البطرسية، وعملية معهد الأورام بشارع القصر العيني، وعملية مديرية أمن القاهرة، والمتحف الإسلامي، ودار الكتب في باب الخلق؛ هذه كلها عمليات إرهابية تمت في قلب العاصمة، ولكن في النهاية أمكن فرض سيادة الدولة وهيبتها.

إلى جوار ذلك، كانت هناك عملية تنويع مصادر السلاح للجيش المصري؛ إذ لا يصح أن تكون قواتنا معتمدة علي مصدر واحد، فهذا المصدر قد يتعثر في أي لحظة لأي سبب، وحتى إذا لم يتعثر وظل منتظمًا، فهذا لا يضمن التنوع في التسليح، ومن ثم تصبح قدراتنا معروفة، بل ومكشوفة أمام أي خصم وأمام أي ظرف متغير. ناهيك عن أن كل مصدر لديه ميزات، وبعض هذه الميزات تعوض النقص الذي يعتبر مصدر بعينه؛ مثلًا، ألمانيا لديها تميز في الغواصات البحرية، ونحن بلد له سواحل طويلة على البحرين الأحمر والمتوسط، وفرنسا تتميز بطائرات الرافال، وهكذا. باختصار، تعددت مصادر التسليح، وهذا يعني بالضرورة تطوير عملية التدريب باستمرار، بحيث تكون قواتنا جاهزة في أي وقت لضرورات حماية الأرض وصيانة الدستور.

بالتوازي مع ذلك، تم القيام بتحديث جهاز الشرطة تدريبًا وإعدادًا، فضلًا عن التزام أكثر في الخدمة والتعامل مع المواطنين بمعايير حقوق الإنسان المتعارف عليها. ونلمس جميعًا أن هناك تميزًا في أداء رجال الشرطة، وسرعة ملاحقتهم للخارجين عن القانون أو من يهددون السلم المجتمعي، فضلا عن عدم التهاون مع أي تجاوز يصدر من أحد أفرادها.

كل ذلك قوبل بدعم ومساندة من الأغلبية، أغلبية المصريين الذين خرجوا يوم 30 يونيو غضبًا لتهديد هوية الدولة والعبث بها، لكنه قوبل كذلك ببعض المعارضين، وهؤلاء انحصروا في جانبين أو فئتين.

الأولى، وتضم أنصار الجماعات الموازية للدولة، وفي أعماقهم لا يؤمنون بفكرة الدولة الوطنية، ويميلون إلى قاعدة الولايات والمناطق المنتزعة والمعزولة عن مفهوم الدولة.

وهم، بالإضافة إلى أفكارهم وعقيدتهم تلك، يرون في الدولة الوطنية العدو الأكبر الذي يجب أن يعملوا على إزاحته، أي إسقاط الدولة وهدم مؤسساتها.

الثانية، تضم فريقًا من السياسيين والمثقفين يطالبون بالديمقراطية، لكنهم يرون أن من شروط صحة وسلامة الديمقراطية أن تكون مؤسسات الدولة ضعيفة، بلا قبضة، ويعيبون أن يكون هناك جيش قوي وجهاز أمن متماسك، ولا أفهم كيف يستقيم ذلك. فالولايات المتحدة تفخر، على لسان رؤسائها، بأن لديها أقوى جيش في العالم وأضخم ميزانية عسكرية في التاريخ كله. ولديهم كذلك جهاز شرطة جبار، وعشرات أجهزة المخابرات والمعلومات، ويمتد نشاط تلك الأجهزة حول العالم. لاحظ أن الولايات المتحدة أرادت منذ سنة 1990 فرض "الديمقراطية" بالقوة على بعض الدول، واحتلت العراق سنة 2003، وكان السبب المعلن هو "بناء عراق ديمقراطي جديد".

أما بريطانيا، أم الديمقراطية أو صاحبة أقدم نظام ديمقراطي كما هو سائد في كثير من الأدبيات، فقد كان لديها جيش احتل نصف العالم في وقت ما، وما زال لديها جيش قوي، فضلًا عن أنها دولة مؤسسية، ولديها جهاز مخابرات يعد مضرب الأمثال في نفوذه وجبروته. وهكذا الحال في بلدان مثل فرنسا وإيطاليا وألمانيا وغيرها، أي الدول المصنعة للديمقراطية.

لم تحل الديمقراطية دون بناء جيش قوي وضخم ومؤسسات أمنية قوية تحمي المواطن. ولم يقل أحد هناك إن ذلك ضد الديمقراطية أو يعرقلها، ولم يتساءل أحد هناك: لماذا يتم تسليح الجيش؟
لكن البعض هنا يطرحون مثل هذه التساؤلات، ثم إنهم ينتقلون بها من التساؤل والنقاش إلى محاولة التحريض على مؤسسات الدولة، والدعوة إلى إثارة الفوضى والهيجان.

وقد كشفت الأحداث الأخيرة تهافت ذلك الرأي؛ فضعف المؤسسات وقضاياها يعني ضعف الدولة وتعرضها للمخاطر، فضلًا عن أنه لا يدعم الديمقراطية، بل يؤدي إلى تآكلها وانهيارها، والعراق الشقيق نموذجًا.

في العراق فوجئ الجميع بوجود مواقع أو قواعد عسكرية إسرائيلية تعمل في صحراء العراق منذ فترة، وقد انطلقت منها الطائرات الإسرائيلية في يونيو الماضي نحو إيران. والمفاجأة أن مواطنًا عراقيًا اكتشف أحد المواقع بالمصادفة، ثم نشرت صحيفة "هآرتس" الإسرائيلية أن لديهم عدة مواقع عسكرية سرية تعمل داخل العراق، منذ فترة وفي الجانب الآخر، هناك بعض المجموعات المسلحة التابعة لأذرع إيران داخل العراق، انطلقت منها غارات نحو دول شقيقة، تحديد اتجاه الكويت والإمارات والأردن.

والسؤال الطبيعي: أين المخابرات العراقية من ذلك كله؟ وأين سلاح الاستطلاع؟ وأين وأين؟ والإجابة أن الديمقراطية المزعومة فرضت إضعاف المخابرات أو عدم وجودها، وأن الجيش لا يجب أن يكون قويًا.

درس واضح أمام الجميع، يؤكد صحة الموقف المصري منذ يوم 3 يوليو 2013 وما بعدها، حتى يومنا هذا. فالدولة القوية هي التي يمكن أن تحمي حدودها وتتبنى الديمقراطية. والحق أن مصر بعد 3 يوليو اهتمت بالمؤسسات الكبرى، ولكنها أيضًا قامت بعملية تنمية مستدامة، تقوم على تعظيم الدخل القومي وتوسيع الأصول الثابتة، ثم بناء أكثر من عشرين مدينة جديدة، والتوسع في إنشاء الجامعات، ليكون التعليم متاحًا أمام الجميع. ويكفي أننا خرجنا من حصار الوادي الضيق إلى عمق الصحراء غربًا وشرقًا. عشنا نتفاخر بأننا نعيش على 6 بالمائة فقط من مساحة مصر، تتركز في الوادي والدلتا، والآن صار الرقم 14 بالمائة، وتحقق ذلك بالخروج إلى الصحراء والعمل على الاستثمار فيها. هذه المشروعات وفرت فرص عمل واسعة أدت إلى امتصاص البطالة التي كانت متفشية، مع التوسع في قطاعات الإنتاج عبر سياسة توطين الصناعة، وهي التجربة التي بدأت تؤتي ثمارها، كما أنها تقلل من شبح الاستيراد والاعتماد على الخارج.

عود على بدء، يبقى يوم 30 يونيو، وتحرك الشعب المصري، أكثر من 34 مليون مواطن ومواطنة، حدثًا فارقًا في المسيرة المصرية، بل وفي مسيرة المنطقة بأكملها. والحق أن مواقف المصريين في شهر يونيو تستحق أن تُروى: 11 يونيو 1882 أيام الثورة العرابية في الإسكندرية، والتاسع من يونيو 1967، و30 يونيو 2013، كلها مواقف تاريخية مهمة للشعب المصري وللحركة الوطنية المصرية.