رئيس مجلس الادارة

عمــر أحمــد ســامي

رئيس التحرير

طــــه فرغــــلي


نجاحات في مواجهة الصعوبات

30-6-2026 | 14:48


د. أسامة فاروق مخيمر

د. أسامة فاروق مخيمر

جاءت ثورة 30 يونيو 2013 ثورة شعبية عارمة، ترفض أن يحكم مصر فصيل واحد برؤية منفردة. فالشعب المصري، على مر التاريخ، معروف بوسطيته واعتداله وتدينه، يحترم القيم ويحب التنوع ويسعى للتنوير، ويرفض أصحاب الفكر المنغلق. ومن جانب آخر، كانت ثورة 30 يونيو واحدة من أكثر الأحداث تأثيرًا في تاريخ مصر، ليس فقط لأنها غيرت شكل وطبيعة الحكم داخل مصر، بل لأنها أعادت أيضًا تشكيل التوازنات السياسية والإقليمية في منطقة الشرق الأوسط كله.

وسوف نستعرض في هذا المقال أهم التحديات التي نجحت فيها مصر بقيادة الرئيس عبد الفتاح السيسي، في أعقاب الثورة، وقد كانت بطبيعتها تحديات كبيرة ومتراكمة، واندفعت كلها دفعة واحدة لتشكل عبئًا على مصر في توقيت حرج داخليًا وإقليميًا، خاصة أن مصر كانت إحدى الدول التي تأثرت بأحداث الربيع العربي، الذي بدأ في تونس في ديسمبر 2010، وانتقل منها إلى العديد من الدول العربية، حاملًا معه الاضطرابات والانقسامات والتفكك وانهيار الحكومات.

تحدي عدم الاستقرار الداخلي واستهداف مؤسسات الدولة: شهدت مصر بعد عام 2013 موجة من الهجمات من أنصار جماعة الإخوان الإرهابية، طالت أقسام الشرطة ومديريات الأمن في الدقهلية والقاهرة والكنائس وأعضاء القضاء والبنية التحتية، ناهيك عن استهداف ضباط الشرطة والجيش؛ بهدف نشر الذعر وإظهار النظام الجديد بمظهر الضعف وفقدان السيطرة على الأوضاع في البلاد، مع استنزاف قدرات الاقتصاد المصري، الذي كان يعاني من صعوبات منذ يناير 2011. وقد كان ذلك واحدًا من أشد الصعاب؛ نظرًا لكونها أحداث عنف داخلي تطال الداخل المصري وتنال من وحدته.

هذه العمليات الإرهابية دفعت الدولة في مصر إلى المواجهة بطريقتين متكاملتين: الأولى هي المواجهة الأمنية المباشرة والوقائية ضد الإرهاب، والثانية هي توسيع الإجراءات والتشريعات والقوانين المتعلقة بمكافحة الإرهاب؛ لحصر الإرهاب ثم تجفيف منابعه ونشر الوعي بأهمية تماسك المجتمع المصري في مواجهة هذا التحدي.

تحدي الإرهاب في سيناء:

كان الإرهاب أحد أهم التحديات التي واجهت مصر في أعقاب ثورة يونيو، وقد ضرب الإرهاب بقوة وخسة في منطقة سيناء الغالية على مصر؛ بسبب موقعها الهام، الذي أهلها لتكون ضمن مخططات وأوهام دول أجنبية لوضع يدها عليها. لكن الرد المصري كان واضحًا وحاسمًا بقيادة الرئيس عبد الفتاح السيسي، وهو أن مصر لا تفرط في شبر واحد من أراضيها، وأنها جاهزة للدفاع عنها، وهو ما كان. فقد تدفقت قوات الجيش، ومعها قوات الشرطة، تحارب الإرهاب وتطهر الأرض من دنس الجماعات الإرهابية، ولتسطر ملحمة بطولة ترويها الأجيال لرجال صدقوا الله وأحبوا وطنهم وآمنوا بما يفعلون، رحم الله شهداء الوطن، أحياء في جنات يرزقون. لقد كان الإرهاب أخطر التحديات التي تقوض سعي مصر نحو تحقيق الاستقرار والتنمية. وهنا تحركت الاستراتيجية الأمنية على محورين: فركزت بشكل أساسي على الضربات الأمنية وملاحقة العناصر الإرهابية، وفي الوقت نفسه بدأت في تنمية المناطق الصحراوية التي استغلتها الجماعات الإرهابية، وفي مقدمتها شمال سيناء، لتنفيذ عملياتها، بتمهيد الطرق وبناء تجمعات سكنية مناسبة وتوفير الخدمات المختلفة لتلك المناطق، التي كانت فارغة من السكان، يعشش فيها الإرهاب. واستمر العمل وصولًا إلى العملية الشاملة "سيناء 2018"، حيث نجحت مصر في القضاء على المرتكزات الجغرافية الإرهابية، وضرب قيادات تلك الجماعات الإرهابية، التي حاولت النيل من أمن واستقرار مصر من خلال أنشطة مثل تهريب المخدرات ونشر السلاح وغيرها.

وقد نجحت تلك الجهود في هدم أكثر من 4000 نفق، كانت تستخدم في نقل السلاح والدعم اللوجستي والعناصر الإرهابية المدربة من الخارج، كما نجحت في تدمير آلاف المخازن للأسلحة والذخائر، مما أدى إلى نقص كبير في الموارد لدى تلك الجماعات، مع تشديد الرقابة على الحدود، وكذلك ممرات التمويل الخارجي، التي تساقطت بفعل عزم الرجال ودماء أبناء مصر الأوفياء من الجيش والشرطة. وبنهاية عام 2019 خرجت مصر من تعداد الدول العشر الأكثر تأثرًا بالإرهاب على المؤشر العالمي، وهو ما كان دليلًا على أن جهود مصر وعرق البناء وأرواح الشهداء لم تذهب هباء، بل حققت أهدافها وحمت الأرض والعرض.

التحدي الاقتصادي: الاقتصاد عصب الحياة، ومع اقتصاد ضعيف وبنية أساسية متهالكة يصعب الحديث عن بناء دولة قوية ومجتمع حديث، وهذا ما وعته القيادة في مصر منذ اليوم الأول. فقد كانت كل الجهود تصب في تحقيق الأمن للمواطن، ثم النهوض بكل ما يحقق له الحياة الكريمة اقتصاديًا وصحيًا واجتماعيًا. ومن هنا انطلقت رؤية الرئيس عبد الفتاح السيسي للاستثمار في بناء الإنسان وتدشين البنيان. ففي مجال الإنسان انطلق برنامج "تكافل وكرامة" لدعم ملايين الأسر برواتب شهرية. كما تم تنفيذ المبادرة الرئاسية "حياة كريمة" لتطوير الريف المصري وتحسين مستوى المعيشة والخدمات في القرى.

وفي مجال البنيان، تم تأسيس بنية تحتية حديثة لبناء الدولة العصرية وجذب الاستثمار الأجنبي، وانطلق العمل على أكثر من محور. فقد انطلق المشروع القومي للطرق، الذي هدف إلى إنشاء وتطوير آلاف الكيلومترات من الطرق والكباري والمحاور؛ لربط المحافظات وتسهيل حركة التجارة. وأيضًا حل أزمة الطاقة والكهرباء، التي كانت تؤثر على مصر كلها. فتحولت مصر من دولة تعاني من انقطاع يومي ومستمر للكهرباء منذ عام 2013، إلى دولة تمتلك فائضًا ضخمًا وتتجه نحو الربط الكهربائي الإقليمي. هذا مع التوسع في مجالات الطاقة المتجددة بكل أنواعها. وقد تزامن ذلك مع اكتشاف وتشغيل حقل "ظهر" للغاز الطبيعي في البحر المتوسط، وهو ما حقق الاكتفاء الذاتي من الغاز.

ومن جانب آخر، كانت قناة السويس الجديدة، التي شهدت ازدواج المجرى الملاحي؛ لتقليل زمن عبور السفن وزيادة عائدات القناة، علاوة على بناء العديد من المدن الجديدة، حيث تم تدشين أكثر من 20 مدينة جديدة، وعلى رأسها العاصمة الجديدة، ومدينة العلمين الجديدة، ومدينة الجلالة، ومدينة المنصورة الجديدة، ومدينة شرق بورسعيد وغيرها؛ مما ساهم في تخفيف التكدس السكاني وتنشيط قطاع العقارات وفتح فرص عمل للشباب.

أما في جانب الاحتياطي النقدي الأجنبي، فقد ارتفع الاحتياطي من العملات الأجنبية لدى البنك المركزي بشكل ملحوظ؛ ليتجاوز في السنوات التالية للثورة قرابة 40 مليار دولار، مما عزز من قدرة الدولة على مواجهة المتغيرات والأزمات الدولية، ولم تتوانَ الدول الخليجية عن دعم مصر في سنوات التحديات؛ لتؤكد أن التضامن العربي حقيقة، وأن دعم مصر هو دعم وسند لقوة الوطن العربي كله.

لقد كانت سنوات الربيع العربي قاسية على الدول العربية كلها بشكل أو آخر، وكانت مخططًا خارجيًا يهدف إلى تفكيك الدول ونشر الفوضى في الدول العربية. ولله الحمد وبفضله، فقد اجتازت مصر بثورة الشعب في يونيو 2013 وقيادته الواعية الحكيمة وصدق ووفاء أبنائه المحنة بنجاح، وصمدت أمام التحديات والعقبات وتغلبت على الصعاب، وهو ما يؤكد المعدن الأصيل لهذا الشعب وقيادته الواعية عبر التاريخ.