رئيس مجلس الادارة

عمــر أحمــد ســامي

رئيس التحرير

طــــه فرغــــلي


من الثورة العرابية إلى ثورة 30 يونيو المرأة المصرية (صوت لا يغيب)

30-6-2026 | 15:27


د. شيماء المهدي,

إن قراءة التاريخ المصري عبر قرن من الزمان تقريبًا تكشف حقيقة ثابتة لا تقبل الجدل، وهي أن المرأة كانت دائمًا حاضرة في لحظات التحول الكبرى. فمن الأدوار السرية في الثورة العرابية، إلى استشهاد حميدة خليل في مظاهرة 16 مارس 1919، إلى الاعتصام الطويل في ميدان التحرير عام 2011، إلى المشاهد الجماهيرية الهائلة في 30 يونيو 2013، ظل صوت المرأة المصرية جزءًا من صوت الوطن، وظلت مشاركتها تعبيرًا عن وعي عميق بأن بناء المستقبل مسؤولية مشتركة، وأن الأمم لا تنهض إلا بمشاركة جميع أبنائها وبناتها في صناعة تاريخها. لقد أثبتت المرأة المصرية أنها تستطيع أن تكون في المقدمة عندما يُطلب منها ذلك، وأنها قادرة على حمل الراية وحماية الوطن في أحلك الظروف، وهكذا تظل المرأة المصرية، كما كانت دومًا، صوتًا لا يُسكت، وصانعة لا تغيب عن مسيرة الوطن.

لم تكن المرأة المصرية يومًا شاهدًا على التاريخ، بل كانت دائمًا إحدى صانعاته، وقد بدأت مسيرتها السياسية في وقت مبكر ربما لا يتذكره الكثيرون. فقبل أن تخرج المرأة إلى الميادين في مظاهرات 1919 الشهيرة، كانت قد بدأت تخطو خطواتها الأولى في دروب العمل السياسي بطرق غير تقليدية خلال الثورة العرابية عام 1881، حيث كانت النساء ينقلن الرسائل بين الثوار، ويخففن عن القادة المعتقلين، ويمولن الحركة الوطنية من أموالهن الخاصة، في مشهد مبكر أظهر أن وعي المرأة المصرية لم يكن أبدًا غائبًا عن قضايا وطنها. ومع انطلاق دعوات مصطفى كامل الإصلاحية، التي خاطب فيها النساء علنًا داعيًا إياهن إلى النهوض والتحرر من القيود، بدأت تتبلور ملامح صحوة نسائية وطنية تمهد لما هو آتٍ.

ثم جاءت ثورة 1919 لتكون الولادة السياسية الكبرى للمرأة المصرية، حيث تحول الحلم إلى فعل جماعي غير مسبوق. وفي حدث قوي يجسد التضحية المبكرة، خرجت في 16 مارس 1919 الفتاة حميدة خليل من حي الجمالية بالقاهرة في أول مظاهرة نسائية ضد الاحتلال البريطاني. لم تكن حميدة سوى واحدة من حشود النساء التي تحدت الرصاص، فارتقت شهيدة لتكون أول روح تروي تراب الوطن في ثورة 1919. وقد استشهدت في هذا اليوم أيضًا شفيقة محمد، وفهيمة رياض، وعائشة عمر، وغيرهن من البطلات المجهولات. جسدت تلك التضحية البداية الحقيقية لاقتحام المرأة الميدان السياسي، لتثبت أن دمها ليس أغلى من وطنها. وبعد أيام قليلة من استشهادها، تظاهرت نحو ألف وخمسمائة سيدة في تصعيد نسائي غير مسبوق بقيادة هدى شعراوي، التي رفعت أعلام الهلال والصليب معًا رمزًا للوحدة الوطنية، مطالبات بعودة سعد زغلول من منفاه، متحديات الأعراف الاجتماعية التي كانت تحصر دور المرأة في الحياة الخاصة. وقوبل الحلم بقسوة الواقع، حين رد المحتل البريطاني بالنار والرصاص، لكن الدماء لم تخمد الحماس، بل أشعلته.

وبرزت في هذه المرحلة أسماء خالدة لا يمكن تجاوزها عند الحديث عن النضال الوطني، فكانت هدى شعراوي رائدة الحركة النسائية التي قادت المظاهرات، ثم أسست الاتحاد النسائي المصري عام 1923، وكانت صفية زغلول زوجة الزعيم، التي لقبت بأم المصريين تقديرًا لدورها الوطني، حيث قادت المظاهرات النسائية بعد نفي زوجها، وأصبحت رمزًا للصمود. ولم تقتصر مشاركة المرأة على التظاهر فقط، بل تنوعت أدوارها بشكل مذهل؛ فقد شكلن خطًا سريًا للثورة ينقلن الرسائل، مستغلات أن الجنود البريطانيين لا يفتشون النساء، وساهمن في دعم أسر المعتقلين والمصابين ماديًا ومعنويًا، وأخفين الهاربين من وجه الاحتلال، بل لعبت الصحافة النسائية دورًا محوريًا في التحريض ضد الاحتلال. وتأسست «اللجنة التنفيذية للنساء الوفديات» برئاسة هدى شعراوي، ليكون أول إطار تنظيمي نسائي يعمل بصورة منهجية في العمل السياسي، رغم ما تعرضت له بعض النساء من اعتقال وضرب، وجدال مجتمعي واسع بين مؤيد ومعارض. لقد فرضت الثورة واقعًا جديدًا جعل فكرة بقاء المرأة في الظل أمرًا غير مقبول، ومهدت الطريق لعقود لاحقة من النشاط النسوي المنظم.

إن الثبات الذي أظهرته المرأة في أصعب لحظات مصر كان دليلًا على أن القيادة ليست حكرًا على جنس دون آخر. فمنذ أن فتحت جامعة القاهرة أبوابها لأول خمس فتيات عام 1929، بدأت المرأة تُثبت جدارتها في مختلف المجالات التي كانت حكرًا على الرجال. فقد أصرت هيلانة سيداروس عام 1930 على دراسة الطب، لتصبح أول طبيبة مصرية، وتُحطم الصور النمطية عن قدرة المرأة في المجالات العلمية. كما أسست مفيدة عبد الرحمن سابقة قضائية عظيمة عندما ارتدت رداء المحاماة، لتصبح أول محامية مصرية تدافع عن الحقوق أمام محاكم النقض. وبعد ثورة 1919، لم تتوقف مسيرة المرأة المصرية، بل تطورت مشاركتها في الحياة السياسية وتنوعت، فدخلت أول مجموعة من الفتيات إلى جامعة القاهرة عام 1928، ونالت المرأة حق الانتخاب والترشح للبرلمان بعد أن منحها دستور 1956 هذا الحق، وبدأت تظهر أسماء نسائية في المجالس النيابية والحياة الحزبية، وإن ظل التمثيل دون طموحاتهن لعقود. ومع تعاقب الأنظمة السياسية، ظلت المرأة حاضرة في مختلف القضايا الوطنية، تشارك في الحركات الاجتماعية والعمل النقابي والتطوعي، وتسهم في تشكيل الوعي العام عبر التعليم والإعلام والثقافة، في تراكم بطيء لكنه ثابت للخبرات والوعي الوطني.

وفي الخامس والعشرين من يناير 2011، كانت المرأة المصرية في قلب الأحداث منذ الساعات الأولى، فلم تكن مجرد متفرجة، بل انخرطت في الاعتصام الطويل بميدان التحرير طيلة ثمانية عشر يومًا، تشارك في التظاهر والتنظيم والحشد، وتتلقى الغاز والرصاص جنبًا إلى جنب مع الرجال. وأظهرت هذه المرحلة قدرة المرأة على توظيف أدوات الاتصال الحديثة ووسائل التواصل الاجتماعي في التعبئة السياسية وصناعة الرأي العام، حيث أسست ناشطات مدونات وصفحات إلكترونية لنقل صورة الأحداث إلى العالم الخارجي، وساهمن في تنظيم التظاهرات عبر الشبكات الرقمية. وإلى جانب الناشطات السياسيات اللاتي قدن المسيرات، كانت هناك الأمهات اللاتي حملن أطفالهن إلى الميادين تعبيرًا عن إرادة وطنية تمتد عبر الأجيال، والطبيبات اللاتي أَقَمْنَ مستشفيات ميدانية، والصانعات اللاتي قدمن الطعام والشراب للمعتصمين، لتكون مشاركة متكاملة الأبعاد جسدت معنى أن الثورة قضية كل المصريين.

ثم جاءت ثورة الثلاثين من يونيو 2013 لتشكل محطة فارقة في مسار المشاركة السياسية للمرأة المصرية، بل ربما الأكثر تميزًا في تاريخ هذه المشاركة. فإذا كانت ثورة 1919 قد شهدت خروج ثلاثمائة سيدة، فإن ثورة 30 يونيو شهدت حضورًا نسائيًا واسعًا وغير مسبوق في تاريخ مصر، حيث خرجت النساء من مختلف الفئات العمرية والاجتماعية في محافظات الجمهورية بأكملها، يلوحن بالأعلام ويطلقن الهتافات، وكأنهن يجسدن إرادة الشعب بأسره ويجعلن من المرأة أيقونة هذه الثورة. ولم يقتصر دور المرأة خلال هذه الثورة على المشاركة الميدانية، بل امتد إلى مجالات متعددة تجسد الوعي السياسي العميق؛ فقد لعبت النساء أدوارًا رئيسية في الحشد المجتمعي وتعبئة الرأي العام من خلال الدوائر الاجتماعية والأسرية والمهنية، وأسهمت الإعلاميات والصحفيات والباحثات في نقل صورة الأحداث وتحليلها، ولعبت الأمهات والمعلمات دورًا محوريًا في تشكيل الوعي العام داخل الأسرة والمجتمع ونقل رسالة الثورة إلى الأجيال الصاعدة.

إن من أبرز ما يميز مشاركة المرأة في ثورة 30 يونيو أنها جاءت تعبيرًا عن إدراك عميق لمسؤوليتها الوطنية، وإيمانها بأن الحفاظ على الدولة واستقرارها قضية تخص جميع المواطنين دون استثناء. لم يكن حضورها مجرد استجابة لحدث سياسي عابر، بل امتدادًا لمسيرة طويلة من الانخراط في الشأن العام والدفاع عن قضايا الوطن، فقد حملت المرأة المصرية في تلك الثورة همَّ الوطن كله، لا همها الشخصي فقط، وأثبتت أنها ليست مجرد نصف المجتمع، بل هي صانعة وعيه وضميره.

ولقد انعكست هذه المشاركة النسائية في الثورات، وخصوصًا في ثورة 30 يونيو، على مسار تمكين المرأة في مصر بشكل ملموس، حيث شهدت السنوات التالية توسعًا ملحوظًا في حضورها داخل المؤسسات التشريعية والتنفيذية، فتولت المرأة أرفع المناصب التي كانت حكرًا على الرجال لعقود. ففي عام 1962، اختارها التاريخ لتكون أول وزيرة مصرية، إنها الدكتورة حكمت أبو زيد، التي أظهرت كفاءة منقطعة النظير في منصب وزيرة الشؤون الاجتماعية، فكانت مثالًا للقدرة على تدبير شؤون الأمة باقتدار. وفي السلك الدبلوماسي، رفعت السفيرة عائشة راتب اسم مصر عاليًا، إذ أصبحت أول سفيرة مصرية وعربية، ممثلةً مصر في المحافل الدولية بعد أن كانت وزيرة ناجحة. أما داخل القضاء المصري، الذي طالما مثل قدسية العدالة، فقد كانت المستشارة تهاني الجبالي أول قاضية في مصر عام 2003، حين صدر قرار بتعيينها نائبًا لرئيس المحكمة الدستورية العليا، ثم توالت الإنجازات لتصل المرأة إلى أعلى سلطة قضائية في البلاد. وإذا تحدثنا عن قيادة التعليم العالي، ففي عام 2009 سُطِّر اسم الدكتورة هند حنفي بأحرف من نور لتصبح أول رئيسة لجامعة حكومية مصرية (جامعة الإسكندرية)، لتدير العقول وتصنع الأجيال. وفي عام 2017، كسرت نادية عبده حاجزًا جديدًا بكونها أول محافظة في تاريخ مصر، لتتولى مسؤولية محافظة البحيرة بكل اقتدار. وحتى في البرلمان، تبوأت المرأة مكانها منذ عام 1957 مع النائبة راوية عطية، ممهدة الطريق لعشرات النائبات اللاتي ساهمن في التشريع ومحاسبة الحكومات. وارتفعت معدلات تمثيلها في مجلس النواب والمجالس المحلية بشكل غير مسبوق، بعد أن خصص الدستور المصري لعام 2014 نسبة خمسة وعشرين بالمائة من المقاعد للنساء، ثم تخطت النسبة ذلك بكثير في البرلمانات التالية، لتصل إلى مستويات قياسية في تاريخ مصر.

ولم يقتصر تمكين المرأة المصرية على المناصب الداخلية وحدها، بل امتد ليشمل أرفع المناصب الدبلوماسية والدولية في الخارج، حيث حملت راية مصر في عواصم العالم ومنظمات الأمم المتحدة. فتلت السفيرة عائشة راتب العديد من السيدات اللاتي أبلين بلاءً حسنًا في تمثيل مصر، ومنهن السفيرة عزة صادق التي مثلت مصر لدى اليونان وبلغاريا، والسفيرة سناء مصطفى سفيرةً لدى سلطنة عمان، والسفيرة مايا مرسي سفيرةً لدى فنلندا وإستونيا، والسفيرة ناهد شكري سفيرةً لدى غينيا الاستوائية، والسفيرة شاهندة مكرم عبيد سفيرةً لدى تشيلي، والسفيرة عهود شكري سفيرةً لدى نيبال، والسفيرة سلمى مصطفى الدرديري سفيرةً لدى رواندا. وكانت السفيرة مرفت التلاوي سفيرةً لمصر لدى النمسا واليابان، كما كانت أول امرأة من منطقة الدول العربية تشغل منصب وكيل أمين عام الأمم المتحدة وأمينة تنفيذية للإسكوا لمدة سبع سنوات. وتلتها السفيرة نائلة جبر مندوبةً دائمة لمصر لدى منظمة الأمم المتحدة في فيينا ومديرةً لمركز القاهرة الدولي لتسوية النزاعات، والسفيرة هدى المراسي مندوبةً دائمة لدى منظمة اليونسكو بباريس. وفي المنظمات الدولية، أثبتت السيدة غادة والي جدارتها بتولي منصب المدير التنفيذي لمكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة (UNODC)، وشغلت السفيرة مشيرة خطاب منصب الأمين العام المساعد للحوار بين الحضارات والهيئات الدولية، وتم انتخاب السفيرة وفاء بسيم نائبةً لرئيس لجنة خبراء الأمم المتحدة لحقوق الإنسان. ويعكس هذا الحضور الدبلوماسي والدولي العريض ثقة العالم في كفاءة المرأة المصرية، ويؤكد أن مكانتها لم تعد مكتسبًا نظريًا، بل واقعًا تُمارس فيه أقوى المهام وأعقدها بكل اقتدار.

وهكذا، تظل المرأة المصرية على مدار التاريخ عنوانًا للعطاء والتضحية، وشريكًا أصيلًا في صنع القرار داخل مصر وخارجها، ورمزًا لا يُمحى في وجدان الوطن.