على ضفاف النيل الذي شهد ميلاد الفجر، كان التاريخ؛ فقد خرج الإنسان من الكهوف والغابات، وأقام الجسور، وجفّف المستنقعات، وزرع الأراضي، وبنى الجدران، وأقام الدولة، فكانت مصر.
لم يكن التاريخ مجرد سجل من ورق، بل كان روحًا تسري في جسد أول دولة مركزية عرفها البشر، حيث صاغت مصر أبجدية الاستقرار قبل أن تدركها الدنيا بقرون، ومن هذا العمق السحيق في الوجدان الإنساني انطلقت وثبة الثلاثين من يونيو عام 2013، وثبة استمدت عنفوانها من التراكم الحضاري والمعرفي والأخلاقي، ثورة خرجت من رحم الحضارة الأم للبشرية، لتكون أكثر من مجرد ثورة شعبية، إذ كانت استعادة واعية لمجد قديم، ودرعًا واقيًا لهوية كادت أن تذوب في لجة الفوضى والانهيار، ولأن القاهرة كانت ولا تزال حجر الصد الدائم ضد المخططات والمؤامرات، فقد جاءت تلك اللحظة الفارقة لتعيد ترتيب أوراق المنطقة برمتها، منقذة الدولة المصرية والعالم العربي من براثن التفكك الإخواني الذي حاول العبث بجينات هذه الأمة الضاربة في جذور الزمن، فاستردت مصر عافيتها لتعود كما كانت دومًا "تاج العلاء في مفرق الشرق"، وركيزة لا يهتز لها جانب في توازن القوى الإقليمي والدولي.
إن فلسفة البقاء في الشخصية المصرية تكمن في تلك القدرة المذهلة على الانبعاث من جديد، حيث تحولت القاهرة في سنوات قليلة من مرحلة الدفاع عن الوجود إلى مرحلة فرض الحضور، ممسكة بزمام المبادرة في الملفات الشائكة، ومستعيدة دورها كقائد وحكم وضمانة للأمن القومي العربي، فالحضارة والثقافة اللتان انطلقتا من هذه الأرض لم تكونا يومًا مجرد ماضٍ يُحكى، بل هما وقود المستقبل الذي يُبنى الآن في ظل جمهورية جديدة تدرك أن قوة مصر هي صمام أمان العروبة، وأن استقرارها هو المبتدأ والخبر في معادلة الاستقرار العالمي، لتثبت الأيام أن من صنع التاريخ في فجر البشرية قادر على حمايته وصياغة مستقبله في كل العصور، لتبقى مصر شامخة بمركزيتها التاريخية، عصية على الانكسار، وحصنًا منيعًا تتكسر على أسواره أوهام الطامعين.
حين نتأمل مشهد الثلاثين من يونيو، لا يمكن حصره في كونه مجرد خروج شعبي هائل، بل كان في جوهره "فعل استرداد" لهوية الدولة الحديثة التي كادت تتبخر لصالح مشروع ثيوقراطي لم يعترف يومًا بحدود "الوطن" بمفهومه القانوني والسياسي، فقد كان النظام الإخواني يشرع في تفكيك ركائز الدولة المركزية الأولى في التاريخ، مستهدفًا إحلال "الجماعة" محل "الدولة"، والولاء الأيديولوجي محل المواطنة، وهو ما كان يقود البلاد حتمًا نحو انهيار مؤسسي شامل يحولها إلى مجرد ساحة لمشروعات عابرة للحدود تفتقر لأدنى مقومات السيادة الوطنية، ومن هنا كانت العظمة في تلك اللحظة الفارقة؛ إذ استشعر العقل الجمعي المصري خطر التحول إلى "دولة دينية" منغلقة تقضي على التعددية، وتنسف المكتسبات المدنية التي تراكمت عبر قرنين من الزمان، فكان القرار الشعبي المدعوم بمؤسساته الوطنية هو "حائط الصد" الذي أوقف الانحدار نحو الهاوية، معلنًا انحياز مصر لشكل الدولة الحديثة القائم على المؤسسات الوطنية، والديمقراطية الرشيدة، لا على "البيعة" والمبهمات السياسية.
إن "كيفية" استعادة مصر لريادتها العربية والإقليمية بعد هذا المخاض لم تكن وليدة الصدفة، بل جاءت نتيجة استعادة القاهرة لقرارها السيادي المستقل، وتحولها من حالة الانكفاء والضعف إلى دور الفاعل والمبادر؛ فمصر التي كانت تعاني من العزلة، عادت لترسم بمداد قوتها "الخطوط الحمراء" التي تحفظ توازن الإقليم، وتدخلت بثقلها الدبلوماسي والعسكري لإطفاء حرائق الفوضى في دول الجوار، مقدمة نموذجًا للدولة التي ترفض الميليشيات وتنتصر للجيوش الوطنية، وبذلك لم تعد الريادة المصرية مجرد إرث تاريخي نرتكن إليه، بل أصبحت واقعًا يوميًا يُدار عبر استراتيجيات البناء والتنمية وتأمين مصادر الطاقة، وإعادة فرض القاهرة كقبلة لا يمكن تجاوزها في أي معادلة سياسية تخص الشرق الأوسط، وهو ما يثبت أن قوة مصر هي صمام أمان العروبة، وأن ضعفها هو الثغرة التي ينفذ منها الخراب إلى المنطقة بأسرها.
وعبر التاريخ، كانت القاهرة دائمًا هي "المقبرة" التي توارت فيها أطماع الغزاة، وانكسرت على أسوارها أحلام الإمبراطوريات، فمثلما كانت مصر هي التي أوقفت زحف التتار الذين التهموا عواصم الشرق، وحموا بانتصارهم حضارة العالم من الاندثار، ومثلما كانت الحصن الذي تحطمت عليه جحافل الطامعين في كل العصور، فإنها في الثلاثين من يونيو قامت بذات الدور التاريخي ولكن برداء عصري؛ حيث أجهضت أكبر مخطط لتقسيم المنطقة وتفتيتها إلى دويلات طائفية متناحرة، فالحضارة والتاريخ والثقافة التي انطلقت من ضفاف النيل لم تكن يومًا مجرد ذكريات، بل هي "جينات حضارية" تجعل من هذه الدولة المركزية حجر الزاوية في استقرار العالم، فمصر أول من عرف "نظام الدولة"، وهي وحدها من تملك مفاتيح صونه، ليبقى تاج العلاء دائمًا في مفرقه الصحيح، وتظل القاهرة هي القلب النابض الذي يحمي الجسد العربي من التلاشي والضياع.
ولهذا فإن سقوط مصر لم يكن يومًا شأنًا مصريًا خالصًا، كما أن نهوضها لم يكن يومًا أمرًا يخص أهلها وحدهم. فحين تضعف القاهرة يضطرب الإقليم كله، وحين تستعيد عافيتها يعود التوازن إلى المنطقة بأسرها.
من هنا يمكن فهم ما جرى في الثلاثين من يونيو، لا بوصفه مجرد احتجاج سياسي ضد جماعة حاكمة، بل باعتباره لحظة استرداد تاريخي للدولة المصرية نفسها؛ استردادًا لفكرة مصر التي حاولت جماعة الإخوان أن تبدلها من دولة وطنية حديثة إلى مشروع تنظيمي مغلق، يقوم على الولاء للجماعة قبل الوطن، وعلى السمع والطاعة قبل مفهوم المواطنة، وعلى تحويل مؤسسات الدولة إلى أذرع تنظيمية تدور داخل فلك “التمكين”.
لقد بدا واضحًا ـ خلال عام حكم الإخوان ـ أن الجماعة لم تكن تتحرك بعقل الدولة، بل بعقل التنظيم السري الذي يرى مؤسسات الوطن غنائم يجب السيطرة عليها. ولهذا بدأ مشروع “الأخونة” يتسلل إلى مفاصل الإدارة، ومحاولات تهميش القوى السياسية الأخرى، وإضعاف القضاء، ومحاصرة الإعلام، والتشكيك في مؤسسات الدولة التاريخية، بل ومحاولة إعادة تشكيل هوية المجتمع نفسه وفق تصور أيديولوجي ضيق لا يعرف معنى الدولة الوطنية الحديثة.
وكان الأخطر من ذلك أن مصر، في تلك اللحظة، بدأت تفقد وزنها الإقليمي بسرعة مدهشة. فالدول لا تُقاس بالشعارات، بل بقدرتها على الحفاظ على تماسكها الداخلي. وكلما بدت الدولة مرتبكة، تجرأت عليها القوى الإقليمية، وبدأت خرائط النفوذ تتحرك من حولها.
إلى أن جاءت الثلاثون من يونيو.
ففي لحظات نادرة من التاريخ، تتحرك الشعوب لا بدافع السياسة وحدها، بل بدافع الغريزة الحضارية؛ يكون ذلك عندما تشعر الأمة أن شيئًا من روحها العميقة مهدد بالفناء، فكان أن خرج المصريون بالملايين لا ليستبدلوا حاكمًا بحاكم، بل ليستعيدوا الدولة من حافة التفكك.
ولم يكن الطريق بعد ذلك مفروشًا بالورود. فمصر التي استعادت نفسها وجدت أمامها حربًا مركبة؛ إرهابًا مسلحًا في سيناء، واقتصادًا مثقلًا بالأزمات، وبنية تحتية منهكة، وحدودًا ملتهبة من كل اتجاه، ومحاولات دولية وإقليمية لدفع البلاد إلى الفوضى على الطريقة التي جرى بها تفكيك دول عربية أخرى.
لكن ما حدث بعد ذلك كان لافتًا في تاريخ الدولة المصرية الحديثة؛ إذ قررت القاهرة أن تخوض معركتين في وقت واحد: معركة البقاء، ومعركة البناء.
فبينما كان الجيش المصري يخوض حربًا شرسة ضد التنظيمات الإرهابية في سيناء، كانت الدولة تفتح في الوقت نفسه أكبر ورشة إعمار عرفتها مصر منذ عقود طويلة. وكأنها تستعيد جوهر الحضارة المصرية القديمة التي جمعت دائمًا بين السيف والمحراث؛ بين حماية الأرض وتعميرها.
لقد كانت سيناء، لسنوات طويلة، فراغًا جغرافيًا وأمنيًا استغلته الجماعات المتطرفة. لكن الدولة بعد 30 يونيو تعاملت مع الأمر باعتباره قضية وجود لا مجرد ملف أمني. فتم تطهير مناطق واسعة من البؤر الإرهابية، وتفكيك شبكات السلاح والتهريب، وإعادة فرض هيبة الدولة على كامل التراب الوطني.
وفي الوقت نفسه، كانت الطرق الجديدة تمتد في كل الاتجاهات، آلاف الكيلومترات من المحاور والكباري والطرق الحديثة، لا باعتبارها رفاهية إنشائية، بل باعتبارها إعادة رسم للخريطة الاقتصادية والسكانية لمصر. فالطرق ليست أسفلتًا فقط، وإنما شرايين تنقل الحياة والتنمية إلى أماكن ظلت لعقود خارج التاريخ التنموي.
ثم جاءت المدن الجديدة، وعلى رأسها العاصمة الجديدة، لتعلن تحولًا عميقًا في فلسفة العمران المصري. فمصر، منذ قرون طويلة، ظلت متكدسة حول شريط ضيق على ضفاف النيل، حتى بدا الأمر وكأن الوادي وحده هو مصر. لكن الدولة بعد 30 يونيو بدأت مشروعًا غير مسبوق لإعادة توزيع السكان، والخروج من الاختناق التاريخي للوادي القديم إلى فضاءات عمرانية جديدة.
وهكذا لم تعد المدن الجديدة مجرد تجمعات سكنية، بل أصبحت مشروعًا استراتيجيًا لإعادة الانتشار السكاني، وخلق مراكز اقتصادية وصناعية وعمرانية حديثة، تمتد من الساحل الشمالي إلى الصعيد، ومن شرق القناة إلى غرب الدلتا.
وفي موازاة العمران، تحركت الدولة لإحياء قطاعات صناعية ظلت سنوات طويلة تعاني الإهمال أو التراجع، مع التوسع في إنشاء المناطق الصناعية، ومحاولة توطين صناعات استراتيجية، بالتوازي مع التوسع الزراعي واستصلاح ملايين الأفدنة، حتى تعود الأرض المصرية ـ كما كانت دائمًا ـ منتجة للحياة لا مستهلكة لها فقط.
ولم يكن ممكنًا لدولة تواجه هذا الحجم من التحديات أن تستعيد مكانتها الإقليمية دون إعادة بناء قوتها العسكرية على أسس حديثة. فالتاريخ يعلمنا أن الدول الكبرى لا تحمي التنمية بالكلمات، وإنما تحميها بجيش قادر على الردع، وجاهز لخوض حروب الجيل الجديد التي لم تعد تعتمد فقط على الجيوش التقليدية، بل على التكنولوجيا والمعلومات والسيطرة الاستراتيجية الشاملة.
ولهذا شهدت مصر بعد 30 يونيو عملية تحديث واسعة للقوات المسلحة، لم تقتصر على شراء السلاح، بل شملت إعادة بناء فلسفة القوة نفسها. فقد أدركت الدولة أن المنطقة من حولها دخلت مرحلة سيولة خطيرة؛ جيوش انهارت، وحدود تفككت، وميليشيات صارت تنازع الدول سلطتها، وممرات بحرية وثروات إقليمية أصبحت محل صراع دولي مفتوح.
في هذا المناخ، تحركت مصر لتحديث قواتها البرية والجوية والبحرية بصورة متوازنة، وتنويع مصادر التسليح حتى لا تبقى إرادتها العسكرية رهينة لطرف واحد. فتم تطوير سلاح الجو بطائرات حديثة متعددة المهام، وتعزيز قدرات الدفاع الجوي، وتحديث القوات البحرية بصورة جعلتها واحدة من أقوى القوى البحرية في المنطقة، خاصة مع التوسع في حماية البحرين الأحمر والمتوسط، في لحظة أصبحت فيها المياه الإقليمية وممرات الطاقة جزءًا من معادلات الأمن القومي.
ولم يكن الهدف من هذا التحديث صناعة حرب، بل منعها. فالقوة العسكرية في جوهرها ليست شغفًا بالصدام، وإنما قدرة على فرض التوازن ومنع الآخرين من العبث بمقدرات الدولة. ولهذا استطاعت مصر، في سنوات شديدة الاضطراب، أن تحافظ على تماسكها وحدودها، بينما كانت خرائط كاملة حولها تتعرض للتفكك والانهيار.
وهكذا جرى التوازي النادر بين البناء والحماية؛ طرق ومدن ومصانع تُقام في الداخل، وجيش حديث يحرس هذا كله من الخارج، كأن الدولة المصرية كانت تستعيد مرة أخرى القاعدة القديمة التي قامت عليها حضارتها منذ آلاف السنين: لا عمران بلا أمن، ولا أمن بلا قوة تحمي العمران.
ولم يكن هذا كله مجرد مشروعات منفصلة، بل كان جزءًا من رؤية أوسع لاستعادة فكرة الدولة القادرة. فالدولة القوية ليست تلك التي ترفع الشعارات العالية، وإنما تلك التي تستطيع أن تؤمن حدودها، وتبني اقتصادها، وتحافظ على مؤسساتها، وتفرض حضورها الإقليمي في آن واحد.
ولهذا عادت القاهرة تدريجيًا إلى موقعها الطبيعي في المنطقة. فعلى امتداد التاريخ، لم تكن مصر مجرد طرف في الشرق الأوسط، بل كانت ركيزة التوازن فيه. وحين ننظر إلى التاريخ الطويل نجد أن القاهرة كانت دائمًا حجر الصد الأكبر ضد الفوضى والانهيار.
فعندما اجتاح التتار المشرق الإسلامي وأسقطوا بغداد، بدا العالم الإسلامي كله وكأنه يتهاوى، ولم يبق سوى مصر. ومن القاهرة خرجت الإرادة التي أوقفت الزحف التتري في عين جالوت، فأنقذت المنطقة كلها من السقوط الكامل. وحين تمدد الصليبيون، كانت مصر هي التي أعادت تشكيل ميزان القوة. وحتى في العصر الحديث، ظلت القاهرة ـ رغم كل ما مرت به ـ مركز الثقل الثقافي والسياسي والعسكري في العالم العربي.
ذلك لأن مصر ليست دولة طارئة في التاريخ، بل هي أحد صُنّاع التاريخ نفسه.
ومن هنا فإن استعادة الدولة المصرية لعافيتها بعد 30 يونيو لم تكن مجرد شأن داخلي، بل كانت عودة لمركز التوازن الإقليمي. فحين استعادت القاهرة قدرتها على الحركة، استعادت المنطقة شيئًا من توازنها المفقود.
ولهذا بدا المشهد وكأن مصر تعود بالفعل إلى مكانها القديم الذي وصفه الشعراء يومًا:
“وقف الخلق ينظرون جميعًا كيف أبني قواعد المجد وحدي”.
ولكن الدول الكبرى لا تعيش على أمجاد الماضي وحده، وإنما تستمد قوتها من قدرتها على تجديد نفسها كلما تعرضت للخطر. ومصر، عبر آلاف السنين، سقطت مرات، وتعثرت مرات، لكنها في كل مرة كانت تملك قدرة نادرة على النهوض من جديد؛ لأنها ببساطة ليست مجرد دولة… بل حضارة تعرف كيف تعود.