مصر... نبض التاريخ وركيزة الاستقرار في وجه العواصف
د. أشرف مؤنس,
في زمن تتقلب فيه الأزمات، وتتعقد فيه خرائط الصراع في الشرق الأوسط، وتتسارع فيه التحولات الإقليمية، يظل السؤال الجوهري حاضرًا: لماذا تبقى مصر في قلب معادلة الاستقرار في المنطقة العربية والإسلامية؟ الإجابة لا تُستمد من قراءة الحاضر وحده فحسب، بل من استدعاء طويل لمسار تاريخي ممتد، تُظهر صفحاته أن مصر لم تكن يومًا هامشًا في التاريخ، بل مركز تتوازن عنده القوى، وتتحدد حوله ملامح الاستقرار أو الاضطراب؛ وحيث تتشابك الأزمات السياسية مع التحديات الاقتصادية، وتتقاطع النزاعات المسلحة مع صراعات النفوذ الدولي، تبرز مصر بوصفها إحدى أهم ركائز الاستقرار الإقليمي، وفاعلًا رئيسًا في حفظ توازنات المنطقة. فمنذ قرون طويلة، ارتبط اسم مصر بالدور المحوري في إدارة الأزمات، والسعي إلى تهدئة التوترات، والعمل على منع انهيار الدول الوطنية، وهو دور لم يأتِ من فراغ، بل تأسس على ثقل تاريخي، وموقع جغرافي فريد، ومؤسسات دولة قادرة على الاستمرار والتأثير.
والسؤال الذي يطرح نفسه: ما هي مقومات الدور المصري في الاستقرار الإقليمي؟ تمتلك مصر مجموعة من المقومات التي تجعلها دولة مركزية في النظام الإقليمي العربي والدولي، ومن أبرز هذه المقومات:
أولًا: الجغرافيا التي صنعت الدور:
يُجمع المؤرخون على أن الموقع الجغرافي لمصر كان أحد أهم أسباب مركزيتها التاريخية. فهي تقع عند ملتقى القارات الثلاث: أفريقيا وآسيا وأوروبا، وتشرف على أهم ممر ملاحي عالمي عبر قناة السويس. هذا الموقع لم يمنحها فقط أهمية اقتصادية، بل جعلها أيضًا نقطة توازن استراتيجية في النظام الإقليمي والدولي.
لكن الجغرافيا وحدها لا تصنع الدور، بل تتكامل مع التاريخ والبنية الحضارية، وهو ما يجعل مصر حالة فريدة من حيث القدرة على تحويل موقعها إلى نفوذ وتأثير مستمرين عبر العصور.
ثانيًا: من الفتح الإسلامي إلى بناء الدولة:
مع دخول الإسلام إلى مصر على يد القائد عمرو بن العاص عام 641م، بدأت مرحلة جديدة من تاريخها؛ حيث تحولت إلى جزء من كيان حضاري أوسع هو العالم الإسلامي. ولم يكن هذا التحول مجرد تغيير في السلطة، بل إعادة تشكيل للهوية والانتماء.
وقد أسهم هذا الحدث في جعل مصر مركزًا إداريًا وعلميًا مهمًا، خاصة بعد تأسيس مدينة الفسطاط وبناء مسجد عمرو بن العاص، الذي أصبح نواة للحياة الدينية والعلمية في مصر الإسلامية.
ثالثًا: مصر في قلب التوازن الإسلامي:
عبر العصور الإسلامية المختلفة، لعبت مصر دورًا محوريًا في حماية العالم الإسلامي من الأخطار الخارجية. وقد تجسد هذا الدور بشكل واضح في العصر الأيوبي، حين قاد صلاح الدين الأيوبي (1171-1193م) مشروعًا لتوحيد مصر والشام، وإعادة التوازن في مواجهة الصليبيين.
وكانت معركة عين جالوت 1260م من أبرز اللحظات التي أكدت هذا الدور، حيث انطلقت الجيوش من مصر لوقف الزحف المغولي، الذي كان يمثل تهديدًا وجوديًا للعالم الإسلامي بأسره.
وفي هذه المرحلة، لم تكن مصر مجرد طرف في الصراع، بل كانت مركز القرار العسكري والسياسي، وهو ما يعكس مكانتها كركيزة للاستقرار الإقليمي.
رابعًا: القاهرة مركز العلم وصناعة الاستقرار الفكري:
لم يقتصر دور مصر على الجوانب السياسية والعسكرية، بل امتد إلى المجال الفكري والثقافي؛ حيث أصبحت القاهرة عبر العصور مركزًا علميًا بارزًا، خاصة بفضل مؤسساتها العريقة مثل الأزهر الشريف.
وقد أسهم الأزهر في نشر الفكر الوسطي، ومواجهة التطرف، وتخريج علماء كان لهم تأثير واسع في مختلف أنحاء العالم الإسلامي. وهذا الدور الفكري يُعد أحد أهم عناصر الاستقرار، إذ إن استقرار المجتمعات لا يتحقق بالقوة فقط، بل أيضًا ببناء وعي معتدل ومتوازن.
خامسًا: مصر الحديثة… مشروع دولة واستقرار داخلي:
مع صعود محمد علي باشا (1805-1848م) في النصف الأول من القرن التاسع عشر، بدأت مصر مرحلة جديدة من بناء الدولة الحديثة؛ حيث تم إنشاء جيش قوي، وتحديث الإدارة، وإطلاق مشروعات اقتصادية وتعليمية واسعة.
وقد أسهم هذا المشروع في إعادة مصر إلى موقعها الإقليمي، ليس فقط كدولة مستقرة داخليًا، بل كقوة قادرة على التأثير في محيطها، سواء في بلاد الشام أو السودان أو غيرهما من المناطق التي امتد إليها نفوذها في تلك الفترة.
سادسًا: مصر في القرن العشرين… قيادة وتوازن:
في القرن العشرين، برز الدور المصري بشكل واضح مع جمال عبد الناصر؛ حيث تحولت مصر إلى مركز ثقل سياسي في العالم العربي، وقادت موجات التحرر الوطني، وأسهمت في تأسيس جامعة الدول العربية.
وقد مثّل هذا الدور امتدادًا طبيعيًا لتاريخ طويل من الحضور المصري الفاعل؛ حيث لم تكن مصر مجرد دولة، بل لاعبًا رئيسًا في صياغة التوازنات الإقليمية، والدفاع عن قضايا المنطقة.
سابعًا: مصر وصناعة السلام:
إلى جانب دور مصر في الصراع العربي الإسرائيلي، وانتصارها في السادس من أكتوبر 1973م، لعبت مصر دورًا مهمًا في صناعة السلام في عهد الرئيس محمد أنور السادات (1970-1981م)، وهو ما تجلى في اتفاقية كامب ديفيد 1978م، التي شكلت تحولًا كبيرًا في مسار العلاقات في الشرق الأوسط.
وقد عكست هذه الخطوة إدراكًا مصريًا عميقًا بأن الاستقرار لا يتحقق فقط عبر القوة، بل عبر حلول سياسية واقعية تُنهي النزاعات الممتدة.
ثامنًا: مصر المعاصرة… استمرارية الدور:
في العقود الأخيرة، ووسط ما تشهده المنطقة من أزمات متلاحقة، تواصل مصر أداء دورها كركيزة للاستقرار، من خلال دعم الدولة الوطنية، ورفض تفكك الدول، والعمل على تسوية النزاعات عبر الوسائل السلمية.
شهدت المنطقة العربية منذ عام 2011 موجة من الاحتجاجات والانتفاضات التي عُرفت إعلاميًا باسم "الربيع العربي"، والتي امتدت إلى عدة دول، وكان لمصر نصيب بارز من هذه التحولات، نظرًا لثقلها السكاني والسياسي والتاريخي. وقد تعاملت الدولة المصرية مع هذه الموجة ضمن سياق معقد، جمع بين المطالب الشعبية بالتغيير، والتحديات المتعلقة بالأمن والاستقرار واستمرارية مؤسسات الدولة.
“مرحلة المواجهة”:
يمكن فهم "المواجهة" هنا ليس فقط بمعنى الصراع، بل أيضًا بمعنى إدارة التحول. وقد اتخذت مصر عدة مسارات في هذا الإطار، منها:
الحفاظ على مؤسسات الدولة، مثل الجيش والشرطة والقضاء، باعتبارها ركائز أساسية لمنع الانهيار المؤسسي.
إعادة بناء الاستقرار الأمني، خاصة في ظل تصاعد التحديات الأمنية في بعض المناطق، بما في ذلك سيناء.
إعادة ترتيب الأولويات الاقتصادية، عبر إطلاق مشروعات قومية، ومحاولة جذب الاستثمارات، وتحسين البنية التحتية.
إعادة ضبط التوازن السياسي، من خلال تعديل الدستور وتنظيم الحياة السياسية في إطار جديد.
لم تكن عملية الانتقال سهلة، بل واجهت مصر مجموعة من التحديات، أبرزها:
التوترات السياسية الداخلية، والضغوط الاقتصادية، والتحديات الأمنية ومكافحة الإرهاب، وتأثيرات الإقليم المضطرب، وإعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع.
تاسعًا: البعد الإقليمي والدولي:
لم تكن أحداث مصر بمعزل عن محيطها الإقليمي؛ حيث تأثرت بما جرى في دول عربية أخرى مثل ليبيا وسوريا واليمن. كما أن الموقف الدولي كان متباينًا، إذ تعاملت قوى دولية مع الأحداث من زوايا مختلفة، وفقًا لمصالحها الاستراتيجية.
عند النظر إلى التجربة المصرية في هذا السياق، يمكن القول إن الدولة سعت إلى تحقيق معادلة صعبة تجمع بين: الاستجابة لمطالب التغيير، والحفاظ على استمرارية الدولة، ومنع الانزلاق إلى الفوضى، وإعادة بناء الاستقرار التدريجي.
وهذا يعكس نمطًا تاريخيًا في دور مصر بوصفها دولة مركزية في الإقليم، تميل دائمًا إلى استعادة التوازن في لحظات الاضطراب. هكذا تُظهر تجربة مصر مع أحداث ما عُرف بـ"الربيع العربي" أنها لم تكن مجرد حالة محلية، بل جزءًا من تحول إقليمي واسع. وقد تعاملت الدولة مع هذه المرحلة من خلال مزيج من الإدارة السياسية، وإعادة بناء المؤسسات، والسعي نحو تحقيق الاستقرار.
وفي ضوء التاريخ، يمكن القول إن قدرة مصر على تجاوز الأزمات الكبرى ليست حدثًا طارئًا، بل هي امتداد لدورها التاريخي كركيزة للاستقرار في المنطقة؛ حيث تظل الدولة المصرية، رغم التحديات، عنصرًا محوريًا في معادلة التوازن الإقليمي.
كما أسهمت مصر في جهود مكافحة الإرهاب، وتعزيز التعاون الإقليمي، بما يعكس إدراكًا بأن أمن المنطقة كلٌّ لا يتجزأ، وأن استقرار مصر ينعكس بالضرورة على محيطها، والعكس صحيح.
عاشرًا: الدروس المستفادة من التاريخ:
إذا كان التاريخ يقدم شيئًا، فهو يؤكد أن مصر حين تستقر، تستقر معها المنطقة، وأن ضعفها أو اضطرابها كان دائمًا مدخلًا لاضطرابات أوسع. ولذلك، لم يكن دور مصر في أي مرحلة منفصلًا عن السياق الإقليمي، بل كان دائمًا جزءًا من معادلة أوسع للتوازن.
هكذا يُجمع التاريخ على أن مصر ليست مجرد دولة ذات حدود جغرافية، بل هي كيان حضاري متجذر، لعب أدوارًا متعاقبة في حفظ التوازن الإقليمي. ومن الفتح الإسلامي إلى العصور الوسطى، ومن الدولة الحديثة إلى الحاضر، ظل الدور المصري حاضرًا بوصفه ركيزة للاستقرار.
وفي عالم يزداد تعقيدًا، تبقى مصر عنصرًا أساسيًا في أي معادلة تسعى إلى تحقيق الأمن والسلام في المنطقة العربية والإسلامية. فالتاريخ لا يروي فقط ما كان، بل يقدّم أيضًا إشارات لما يمكن أن يكون… ومصر، كما يقول التاريخ، ستظل دائمًا في قلب هذا التوازن، وركيزة لا غنى عنها لاستقرار المنطقة.
خلاصة القول:
في ظل عالم يموج بالتغيرات، تظل مصر عنصرًا أساسيًا في معادلة الاستقرار الإقليمي، وركيزة لا غنى عنها في أي تصور لمستقبل المنطقة. فهي لا تنظر إلى دورها باعتباره خيارًا، بل مسؤولية تاريخية تفرضها مكانتها وإمكاناتها.
وبفضل هذا الدور المتوازن، تواصل مصر أداء وظيفتها كصمام أمان، يسعى إلى احتواء الأزمات، وتعزيز الحوار، وبناء مستقبل أكثر أمنًا واستقرارًا لشعوب المنطقة.