رئيس مجلس الادارة

عمــر أحمــد ســامي

رئيس التحرير

طــــه فرغــــلي


في ذكرى وفاته.. الشيخ محمد عبده رائد الإصلاح الديني والتنوير في العالم الإسلامي

11-7-2026 | 06:38


الشيخ محمد عبده

بيمن خليل

تحل اليوم ذكرى وفاة الشيخ محمد عبده، أحد أبرز رواد الفكر والإصلاح في العالم الإسلامي، وصاحب مشروع تنويري سعى إلى التوفيق بين الأصالة والحداثة، وجعل من العقل والاجتهاد ركيزة لفهم الدين ومواكبة العصر.

ويُعد الشيخ محمد عبده من أهم المفكرين المصريين والعرب الذين تركوا بصمة بارزة في مسيرة النهضة الحديثة، إذ آمن بأن الإسلام لا يتعارض مع العلم والتقدم، بل يدعو إليهما، وعمل على مواجهة الجمود الفكري وإحياء روح الاجتهاد، ليصبح رمزًا للتجديد في الفقه الإسلامي وأحد أبرز دعاة الإصلاح في العالم العربي والإسلامي.

النشأة والتعليم
وُلد محمد بن عبده بن حسن خير الله عام 1849  في قرية محلة نصر التابعة لمركز شبراخيت بمحافظة البحيرة، لأسرة بسيطة يعمل عائلها في الزراعة. ورغم إشراك والده أبناءه في العمل الزراعي، فإنه رأى في محمد نبوغًا مبكرًا، فألحقه بكُتّاب القرية، ثم أرسله إلى الجامع الأحمدي في طنطا، حيث أمضى ثلاث سنوات، قبل أن ينتقل إلى الجامع الأزهر ويقضي فيه عامين.

وخلال سنواته الأولى في طلب العلم، لم ينسجم مع المناهج الدراسية، وكان يرى أن السبب الرئيسي يعود إلى أساليب التعليم السائدة آنذاك.

ولعب الشيخ درويش خضر، خال والده، دورًا محوريًا في تغيير مسار حياته، إذ شجعه على مواصلة التعلم، فابتكر محمد عبده أسلوبًا خاصًا في القراءة والفهم، وأقبل على طلب العلم بشغف حتى تمكن من تحصيل قدر كبير من المعرفة.

تأثره بجمال الدين الأفغاني
كان للشيخ جمال الدين الأفغاني تأثير بالغ في تكوينه الفكري، إذ التقى به عام 1871، وتتلمذ على يديه، وحرص على حضور حلقاته العلمية التي تناولت الفلسفة والمنطق. وأسهم الأفغاني في تنمية الوعي الفكري لدى تلاميذه، ودفعهم إلى الكتابة والبحث في القضايا الأدبية والفكرية والدينية.

وربطت بين الأفغاني ومحمد عبده علاقة وثيقة، حتى إنه عندما صدر قرار بإبعاد الأفغاني عن مصر، قال في وداعه لبعض المقربين: "قد تركت لكم الشيخ محمد عبده، وكفى به لمصر علمًا."
الثورة العرابية والنفي

شارك الشيخ محمد عبده في الثورة العرابية إلى جانب أحمد عرابي ضد الاحتلال الإنجليزي، رغم أنه كان في البداية متحفظًا على المشاركة، مفضلًا الإصلاح والحوار على المواجهة، ومحذرًا من عواقب الصدام.

وبعد فشل الثورة واحتلال الإنجليز لمصر، أُلقي القبض عليه ضمن المشاركين فيها، وحُكم عليه بالسجن، ثم بالنفي خارج البلاد بسبب فتواه بعزل الخديو توفيق.

واختار الإقامة في سوريا، حيث أمضى نحو ست سنوات، مارس خلالها التدريس وأثر في الحياة الفكرية هناك. وفي عام 1884  انتقل إلى باريس بدعوة من أستاذه جمال الدين الأفغاني، وأسسا معًا صحيفة "العروة الوثقى" التي حققت انتشارًا واسعًا في العالم الإسلامي. وفي العام التالي غادر إلى بيروت، حيث أسس أيضًا جمعية سرية حملت الاسم نفسه.

العودة إلى مصر

عاد الشيخ محمد عبده إلى مصر بعد صدور عفو من الخديو توفيق، بفضل وساطة تلميذه سعد زغلول، وإلحاح نازلي فاضل على اللورد كرومر لإصدار قرار العفو. واشترط كرومر عليه الابتعاد عن العمل السياسي، فوافق على ذلك.

وعُين مستشارًا بمحكمة الاستئناف عام 1891، ثم أصبح عضوًا في مجلس إدارة الأزهر، قبل أن يتولى منصب مفتي الديار المصرية عام 1899، ليكون أول مفتٍ مستقل لمصر يُعين بقرار من الخديو عباس حلمي.
مؤلفاته

ترك الشيخ محمد عبده عددًا من المؤلفات التي شكلت علامات بارزة في الفكر الإسلامي، من أبرزها:  "رسالة التوحيد"، وشروح "البصائر القصيرية للطوسي"، وتفسيرا "دلائل الإعجاز" و"أسرار البلاغة" لعبد القاهر الجرجاني، كما ألّف كتاب "الإسلام والنصرانية بين العلم والمدنية" ردًا على إرنست رينان عام 1902، وكتب "تقرير إصلاح المحاكم الشرعية" عام 1899، وشرح "نهج البلاغة" للإمام علي بن أبي طالب،

و"مقامات بديع الزمان الهمذاني"، إلى جانب مشاركته في إصدار "العروة الوثقى" مع جمال الدين الأفغاني.

وفاته
توفي الشيخ محمد عبده في مدينة الإسكندرية في تمام الساعة الخامسة مساء يوم 11  يوليو 1905، بعد صراع مع مرض السرطان، عن عمر ناهز 56 عامًا.  ونُقل جثمانه ليدفن في القاهرة، ونعاه عدد كبير من كبار الشعراء والأدباء، تقديرًا لمكانته الفكرية وإسهاماته في مسيرة الإصلاح والتنوير.