"معلومات الوزراء" يستعرض دور اقتصاد الرعاية باعتباره ركيزة للنمو المستدام وتعزيز رأس المال البشري
أصدر مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار بمجلس الوزراء تحليلاً جديداً بعنوان "اقتصاد الرعاية"، استعرض فيه الدور المتنامي لهذا القطاع باعتباره أحد الركائز الأساسية للتنمية المستدامة، لما يؤديه من دور في تنمية رأس المال البشري، وتعزيز المشاركة الاقتصادية، ودعم النمو الشامل، وخلق فرص العمل.
وأوضح المركز أن اقتصاد الرعاية لم يعد يُنظر إليه باعتباره قطاعاً اجتماعياً تقليدياً، بل أصبح محركاً اقتصادياً يسهم في رفع الإنتاجية، وتقليص الفجوات بين الجنسين، وتعزيز مرونة أسواق العمل، في ظل التغيرات الديموجرافية المتسارعة والزيادة المستمرة في الطلب على خدمات الرعاية.
وأشار التحليل إلى أن منظمة العمل الدولية تُعرّف اقتصاد الرعاية بأنه يشمل جميع أعمال الرعاية المدفوعة وغير المدفوعة، المباشرة وغير المباشرة، التي تُقدَّم من خلال القطاعين العام والخاص، والمنظمات غير الربحية، وقطاع التضامن الاجتماعي، والأسر، ويضم مقدمي الرعاية ومتلقيها، إضافة إلى المؤسسات وأصحاب العمل المرتبطين بتقديم هذه الخدمات.
وأضاف أن أعمال الرعاية تشمل الأنشطة التي تحافظ على جودة الحياة، وتنمي القدرات البشرية، وتعزز الاستقلالية والكرامة، وتلبي الاحتياجات الجسدية والنفسية والمعرفية لمختلف الفئات العمرية، بما في ذلك الأطفال، وكبار السن، والأشخاص ذوو الإعاقة، فضلاً عن مقدمي الرعاية أنفسهم.
ولفت المركز إلى أن اقتصاد الرعاية يضم العاملين في قطاعات التعليم، ورعاية الطفولة المبكرة، والصحة، والشؤون الاجتماعية، والعمل المنزلي، إلى جانب أعمال الرعاية غير مدفوعة الأجر التي تؤديها الأسر، والتي تمثل قيمة اقتصادية واجتماعية كبيرة رغم عدم احتسابها ضمن الناتج المحلي الإجمالي.
وأوضح التحليل أن النساء يقمن يومياً بنحو 16 مليار ساعة من أعمال الرعاية غير مدفوعة الأجر على مستوى العالم، وهو ما يعكس الدور المحوري لهذا القطاع في استمرار النشاط الاقتصادي، رغم بقائه خارج الحسابات الاقتصادية التقليدية.
واستعرض التقرير الصادر عن هيئة الأمم المتحدة للمرأة عام 2026 حول الاستثمار في اقتصاد الرعاية، والذي أكد أن الاستثمار في هذا القطاع يحقق آثاراً اقتصادية واجتماعية واسعة؛ فمن جانب الطلب يسهم في توفير وظائف لائقة، وزيادة مشاركة النساء في سوق العمل، وتحفيز النمو الاقتصادي والحد من الفقر، بينما يؤدي من جانب العرض إلى تحسين الخدمات الأساسية، وتعزيز الصحة ورأس المال البشري، وتقليل أعباء الرعاية غير مدفوعة الأجر، بما يرفع الإنتاجية ويعزز الرفاهة الاجتماعية.
كما تناول التحليل أبرز الاتجاهات العالمية في اقتصاد الرعاية، مشيراً إلى توقعات منظمة الصحة العالمية بوجود عجز لا يقل عن 10 ملايين عامل في القطاع الصحي بحلول عام 2030، مع استمرار معاناة نحو 4.5 مليارات شخص من نقص الخدمات الصحية الأساسية.
وأشار إلى أن سد فجوة العاملين في قطاع الرعاية الصحية قد يحقق عائداً اقتصادياً عالمياً يقدر بنحو 1.1 تريليون دولار، وفق تقديرات معهد ماكينزي للصحة، فضلاً عن الإسهام في الحد من الوفيات المبكرة وتحسين إنتاجية القوى العاملة.
وأوضح أن عدد العاملين في خدمات الرعاية على مستوى العالم بلغ نحو 381 مليون عامل، بينما يوجد نحو 748 مليون شخص خارج القوى العاملة بسبب مسؤوليات الرعاية، مع استمرار فجوة الأجور بين الجنسين في قطاع الصحة والرعاية عند نحو 24%.
كما أشار إلى أن النساء يقضين في المتوسط نحو 2.5 ضعف الوقت الذي يقضيه الرجال في أعمال الرعاية غير مدفوعة الأجر، بينما تشغل النساء غالبية الوظائف المدفوعة في قطاع الرعاية، إلا أن هذه الوظائف غالباً ما تكون منخفضة الأجر، وغير رسمية، وتفتقر إلى الحماية الاجتماعية.
وأوضح التحليل أن الطلب على خدمات الرعاية طويلة الأجل يتزايد في دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية نتيجة شيخوخة السكان، في الوقت الذي يواجه فيه القطاع تحديات تتعلق بنقص العمالة، وضعف الأجور، وارتفاع الضغوط المهنية، وهو ما أدى إلى تزايد الاعتماد على العمالة المهاجرة في هذا المجال.
وأكد المركز أن مسؤوليات الرعاية لا تزال تمثل السبب الرئيسي لابتعاد النساء عن سوق العمل، حيث تشير تقديرات منظمة العمل الدولية إلى أن 748 مليون شخص حول العالم خارج القوى العاملة بسبب التزامات الرعاية، فيما تمثل النساء نحو ثلثي هذه الفئة، مع تسجيل شمال إفريقيا والدول العربية أعلى معدلات خروج النساء من سوق العمل لهذا السبب.
وفيما يتعلق بالجهود المصرية، أوضح التحليل أن الدولة أولت اهتماماً متزايداً خلال السنوات الأخيرة بتطوير قطاعات الرعاية باعتبارها أحد محاور التنمية البشرية، من خلال تبني استراتيجيات وطنية وبرامج ومبادرات لتطوير خدمات الصحة والتعليم والحماية الاجتماعية ورعاية الطفولة وتمكين المرأة.
وأشار إلى أن هذا التوجه يستند إلى إطار دستوري وتشريعي متكامل، يشمل دستور 2014، وقانون رعاية حقوق المسنين رقم 19 لسنة 2024، وقانون الطفل، وقانون حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، إلى جانب تنظيم العمل المنزلي بما يعزز منظومة الرعاية في مصر.
كما استعرض نتائج دراسة مشتركة بين وزارة التضامن الاجتماعي وهيئة الأمم المتحدة للمرأة، والتي أشارت إلى الحاجة لتوفير 2.2 مليون مكان إضافي في خدمات رعاية الطفولة والتعليم المبكر خلال عامين إلى ثلاثة أعوام، باستثمارات تقارب 18 مليار جنيه، بما يوفر نحو 459 ألف فرصة عمل، فيما ترتفع الاحتياجات خلال عشر سنوات إلى نحو 9 ملايين مكان إضافي باستثمارات تقدر بنحو 283 مليار جنيه.
واختتم التحليل بالتأكيد على أن اقتصاد الرعاية يمثل اليوم أحد المحركات الرئيسية للنمو الاقتصادي والتنمية المستدامة، وأن الاستثمار فيه لم يعد خياراً اجتماعياً فحسب، بل أصبح ضرورة اقتصادية لتعزيز رأس المال البشري، ورفع كفاءة سوق العمل، وتحقيق نمو أكثر شمولاً وعدالة واستدامة.