متحف سوهاج القومي.. 7 آلاف قطعة أثرية تروي حكاية الحضارة المصرية على ضفاف النيل
على الضفة الشرقية لنهر النيل بمدينة ناصر، يقف متحف سوهاج القومي شامخًا كواحد من أهم الصروح الأثرية والثقافية في صعيد مصر، ليحكي قصة حضارة صنعت تاريخ الإنسانية، ويجمع بين جدرانه آلاف القطع الأثرية التي توثق رحلة المصري القديم منذ فجر التاريخ وحتى العصور الإسلامية.
ولم يعد المتحف مجرد قاعات لعرض الآثار، بل تحول إلى نافذة حضارية تكشف للعالم المكانة التاريخية لمحافظة سوهاج، التي احتضنت عددًا من أعظم مراكز الحضارة المصرية القديمة.
ويعد متحف سوهاج القومي، من أكبر المتاحف الإقليمية في مصر، حيث يضم أكثر من 7 آلاف قطعة أثرية بين معروضات ومقتنيات محفوظة، تمثل مختلف العصور التاريخية، وتبرز التنوع الحضاري الذي شهدته أرض سوهاج على مدار آلاف السنين.
منذ اللحظة الأولى لوصول الزائر، يلفت المبنى الأنظار بتصميمه المستوحى من معبد الملك سيتي الأول بمدينة أبيدوس، في رسالة معمارية تؤكد أن المتحف امتداد طبيعي لتاريخ المحافظة، التي كانت شاهدة على ميلاد الدولة المصرية القديمة، وموطنًا لعدد من أهم الملوك والرموز التاريخية.
ويتكون المتحف من بدروم وطابقين، ويضم ست قاعات عرض رئيسية صُممت وفق أحدث أساليب العرض المتحفي، لتمنح الزائر رحلة متكاملة بين الحضارات التي تعاقبت على أرض مصر.
تبدأ الجولة داخل المتحف بقاعة الملوك والشخصيات التاريخية، التي تستعرض سيرة حكام مصر القديمة، خاصة ملوك الأسرتين الأولى والثانية، وتبرز الدور المحوري الذي لعبته سوهاج في نشأة الحضارة المصرية، وتنقل قاعة الأسرة والحياة الاجتماعية الزائر إلى تفاصيل الحياة اليومية للمصري القديم، من العلاقات الأسرية إلى وسائل الترفيه وألعاب الأطفال، بينما تكشف قاعة المطبخ المصري القديم أسرار الطعام وأدوات الطهي والعادات الغذائية التي عرفها المصريون قبل آلاف السنين.
وتستعرض قاعة الحرف والصناعات المهن التي اشتهرت بها سوهاج عبر التاريخ، ودورها في دعم الاقتصاد والحياة اليومية، في حين تخصص قاعة النسيج مساحة واسعة لمدينة أخميم، التي لا تزال حتى اليوم تحتفظ بمكانتها كإحدى أشهر مدن صناعة النسيج في مصر، وهي حرفة توارثها أبناؤها منذ العصر الفرعوني.
أما قاعة رحلة الحج عبر العصور، فتأخذ الزائر في جولة تاريخية توثق الرحلات الدينية إلى مدينة أبيدوس، مركز عبادة الإله أوزوريس، وتوضح تطور الطقوس والمعتقدات الدينية عبر العصور المختلفة.
يحتضن المتحف مجموعة من القطع الأثرية الفريدة، يأتي في مقدمتها تمثال الملك رمسيس الثاني المصنوع من الجرانيت الوردي، والذي يجسد روعة الفن المصري القديم، كما يضم جزءًا من مقبرة القائد الشهير "وني" من الأسرة السادسة، أحد أبرز رجال الدولة في عصر الدولة القديمة، إلى جانب تمثالي الإلهة سخمت اللذين يستقبلان الزائرين عند مدخل قاعات العرض.
ولا تقتصر مقتنيات المتحف على الآثار الفرعونية، بل تمتد لتشمل قطعًا قبطية وإسلامية نادرة، من بينها مفتاح الدير الأبيض المصنوع من الحديد المكفت بالبرونز، ودينار ذهبي مكتوب بالخط الكوفي، ومصحف مذهب يعود إلى العصر العثماني، فضلًا عن عدد من المومياوات التي تعكس ثراء الاكتشافات الأثرية في المحافظة.
يمثل متحف سوهاج القومي، ركيزة أساسية لتنشيط السياحة الثقافية في صعيد مصر، إذ يستقبل الزائرين والباحثين وطلاب العلم، ويقدم لهم تجربة معرفية متكاملة تسلط الضوء على تاريخ محافظة تعد من أغنى محافظات مصر بالتراث الإنساني.
كما يؤدي المتحف دورًا مهمًا في نشر الوعي الأثري والحفاظ على الهوية الوطنية، من خلال فعالياته الثقافية والتعليمية، التي تربط الأجيال الجديدة بجذور حضارتهم الممتدة عبر آلاف السنين.
وبين روعة التصميم المستوحى من معابد أبيدوس، وثراء مقتنياته التي تتجاوز سبعة آلاف قطعة أثرية، يواصل متحف سوهاج القومي ترسيخ مكانته كواحد من أهم المعالم الثقافية في مصر، ووجهة حضارية تؤكد أن سوهاج لم تكن مجرد محطة في التاريخ، بل كانت ولا تزال أحد أبرز صناع الحضارة الإنسانية.