سهير القلماوي.. امرأة سبقت عصرها
امرأةً استثنائيةً وُلدت في زمنٍ لم يكن يرحّب بطموح النساء، فحملت قلمًا وعقلاً متمردًا، وشقّت طريقًا جديدًا في جامعةٍ لم تطأها امرأةٌ من قبل، لكنها عاشت حياةً حافلةً بالريادة الأكاديمية والنضال النسوي، فكانت الأولى في كل ما خطت إليه: أول امرأة تنال الدكتوراة، وأول محاضِرة، وأول رئيسة قسمٍ في الصحافة والجامعة، وتركت وراءها إرثا أدبيًا ونسويًا عظيمًا وخالدًا ثقيلًا، لا يزال صداه حاضرًا في وجدان الثقافة العربية حتى اليوم، إنها «رائدة الأوائل» التي غيرت وجه الثقافة المصرية والعربية، و«صوت النساء» الأول في الأدب والجامعة، وهي التي كتبت «الأول» بقلمها في كل ميدان إنها «صاحبة القلم الحر» سهير القلماوي.
وُلدت سهير القلماوي في القاهرة يوم 20 يوليو 1911م، في أسرةٍ تُقدّر تعليم البنات، فأتيحت لها فرصة الاطلاع منذ الصغر على مكتبة والدها الغنية بأمهات الكتب، كانت قراءتها المبكرة لمؤلفات عميد الأدب العربي طه حسين ورفاعة الطهطاوي وابن إياس بمثابة البذرة الأولى لموهبتها الأدبية، و نشأت طفولتها في ظل ثورة 1919م، متأثرةً بنشاط رائدتَي الحركة النسوية هدى الشعراوي وصفية زغلول، الأمر الذي غرس فيها مبادئها النسوية الأولى.
مسيرة التعليم: سلسلة من الأوائل
تخرجت سهير القلماوي من الكلية الأمريكية للفتيات عام 1928م، وكانت تطمح لدراسة الطب على خطى والدها، غير أن رفض طلبها دفعها - بتشجيعٍ من والدها - إلى دراسة الأدب العربي، وهكذا أصبحت أول فتاة تلتحق بجامعة القاهرة، وأول امرأة تدرس الأدب العربي وسط أربعين رجلًا، وتحت إشراف أستاذها طه حسين، اختيرت عام 1932م مساعدةً لرئيس تحرير مجلة جامعة القاهرة، لتصبح أول امرأة تحمل رخصةً صحفيةً في مصر، وفي عام 1941م توّجت مسيرة سهير القلماوي العلمية بأن أصبحت أول امرأة مصرية تنال درجتَي الماجستير والدكتوراه في الآداب.
المسيرة المهنية والقيادية
عُيّنت عام 1936م أول محاضِرةٍ في جامعة القاهرة، ثم ارتقت لتصبح أستاذةً جامعيةً فرئيسةً لقسم اللغة العربية بين عامَي 1958م و1967م، لتكون بذلك أول امرأة تتولى هذا المنصب. وامتد نشاطها إلى مواقع قياديةٍ عدة: رئاسة الاتحاد النسوي المصري، ورئاسة رابطة خريجات جامعة المرأة العربية عام 1959م، ورئاسة الهيئة المصرية العامة للسينما والمسرح والموسيقى عام 1967م، ورئاسة الهيئة العامة للكتاب من 1967م إلى 1971م، ورئاسة هيئة الرقابة من 1982م إلى 1985م، وفي عام 1967م أسّست معرض القاهرة الدولي للكتاب، أول معرضٍ من نوعه في الشرق الأوسط، تاركةً أثرًا باقيًا في صناعة النشر العربية.
سهير القلماوي تشكل لجنةً للإشراف على جامعة الفتيات الفلسطينيات
دخلت سهير القلماوي أيضًا المعترك السياسي، فأصبحت عضوةً بالبرلمان عام 1958م، ثم مجددًا بين عامَي 1979م و1984م، مستثمرةً موقعها للدفاع عن قضايا المرأة والقضية الفلسطينية، إذ شكّلت عام 1962م لجنةً للإشراف على جامعة الفتيات الفلسطينيات.
الكاتبة والمفكرة النسوية
أصدرت القلماوي أكثر من ثمانين مؤلفًا، أبرزها مجموعتها القصصية الأولى «أحاديث جدتي» عام 1935، وهي أول مجموعة قصصٍ قصيرةٍ تنشرها امرأةٌ في مصر، تناولت فيها دور المرأة حافظةً لذاكرة المجتمع عبر السرد الشفوي، عبر حكايا جدةٍ تروي لحفيدتها ذكريات الماضي وتستخلص منها دروساً أخلاقيةً.
مؤلفات متميزة في عالم الإبداع
ومن أبرز مؤلفات سهير القلماوي الأخرى «ألف ليلة وليلة» (1943) الطبعتان الحديثتان الأولى بالهيئة المصرية العامة للكتاب 2010 م، والثانية بالهيئة العامة لقصور الثقافة 2010م، ضمن سلسلة ذاكرة الكتابة، و«أدب الخوارج» (1945)، الطبعة الحديثة: الهيئة المصرية العامة للكتاب 2010، و«في النقد الأدبي» (1955)، و«المحاكاة في الأدب» (1955)، و«الشياطين تلهو» (1964)، و«ثم غربت الشمس» (1965)، و«ذكرى طه حسين» (1974)، و«العالم بين دفتي كتاب» 1985، والطبعة الحديثة: عن الهيئة المصرية العامة للكتاب 2010 (1985).
وترجمت عددًا من الكتب والقصص، منها: «قصص صينية» لبيرل باك، و«عزيزتي اللويتا»، و«الرسالة السابعة» لأفلاطون، إضافة إلى عشر مسرحيات للعالمي المسرحي ويلم شكسبير، وأكثر من 20 كتابًا ضمن مشروع «الألف كتاب»، فضلًا عن أبحاثها «المرأة عند الطهطاوي» و«أزمة الشعر».
الريادة في المجالات الثقافية والتعليمية
وكانت «القلماوي» رائدة في عدد من المبادرات الثقافية والتعليمية، إذ أنشأت مكتبة بصالة مسرح الأزبكية لبيع الكتب بنصف ثمنها، وقدمت لأول مرة دراسة عن الأدب المصري المعاصر ضمن المناهج الجامعية، كما أتاحت الفرصة لأكثر من 60 أديبًا لنشر مؤلفاتهم من خلال سلسلة «مؤلفات جديدة»، وأسهمت في وضع أسس منهجية للتحليل الأكاديمي للأدب والفن.
رسالة الدكتوراة لسهير القلماوي أساسًا حقيقيًا لمشروعها النسوي
أما رسالة الدكتوراه، التي تناولت «ألف ليلة وليلة»، فكانت أساسا حقيقيا لمشروعها النسوي، إذ صاغت من خلالها مفهوم «المرأة الجديدة»: امرأةٌ مثقفةٌ وحكيمةٌ، لا تكتفي بمساواة الرجل بل تسعى أيضاً إلى إعادة تثقيفه ليكون شريكاً حقيقياً في هذه المساواة، وتجلّت هذه الأفكار لاحقاً في كتاباتها النقدية مثل «في النقد الأدبي» (1955) و«العالم بين دفتَي كتاب» (1985)، وفي ترجماتها لمؤلفات وكتب عالميةٍ منها قصص «بيرل باك الصينية (1950) ومسرحية «ترويض النمرة» لشكسبير (1964).
التكريم والإرث ..جوائز الدولة وأوسمة وتكريمات
نالت صوت النساء الأول في الأدب والجامعة سهير القلماوي عشرات الجوائز تقديراً لعطائها وهي:
جائزة مجمع اللغة العربية، لموضوع رسالة الدكتوراة عن «ألف ليلة وليلة»، عام 1954، جائزة الدولة التقديرية في أدب الشباب، وكانت أول امرأة تحصل عليها عام 1955م، كرمها محافظ القاهرة في العام نفسه، بمناسبة يوم المرأة وجائزة الدولة التشجيعية لعام 1955م، جائزة الدولة التقديرية في الآداب، تشاركتها مع د كتور شوقي ضيف عام 1963م.
جائزة ناصر، المهداة من الاتحاد السوفياتي (روسيا السابق عام 1976م، و جائزة الدولة التقديرية في الآداب عام 1977م، ميدالية التقدير عام 1977م، ووسام الجمهورية من الدرجة الأولى عام 1978م، وسام الإنجاز عام 1978م، جائزة الدولة التقديرية للآداب.
الدكتوراه الفخرية من الجامعة الأمريكية بالقاهرة عام 1987م، بالإضافة لذلك، كرمها معرض القاهرة الدولي للكتاب عام 1993م تقديرًا لدورها كرئيسة الهيئة المصرية العامة للكتاب، واعتُبرت سهير القلماوي بشهادة كثيرين، علامةً أدبيةً بارزةً في الحركة الثقافية المعاصرة في مصر.
رحيل وأثر باق
توفيت سهير القلماوي في القاهرة يوم 4 مايو 1997، تاركة خلفها إرثاً أكاديميا ونسويا وأدبيا ظل - ولا يزال - مصدراً ملهماً لأجيالٍ من النساء العربيات.
ورحلت سهير القلماوي، لكن حبر قلمها لم يجفّ بعد، فما زالت كلماتها تنبض في كل صفحةٍ كتبتها امرأةٌ عربيةٌ بثقةٍ وحرية، هكذا تصنع الرائدات الخلود: لا بالبقاء، بل بالأثر الذي يُورَث جيلًا بعد جيل.