رئيس مجلس الادارة

عمــر أحمــد ســامي

رئيس التحرير

طــــه فرغــــلي


المهرجان القومي للمسرح المصري يناقش «مسرح المجتمعات المحلية» ضمن مسار «وصلة»

2-8-2026 | 16:54


أسامة عبد الرؤوف ومسعود شومان وآخرون

همت مصطفى

 أقيمت ندوة بعنوان «مسرح المجتمعات المحلية»، ضمن مسار «وصلة»، وأدارها الشاعر والباحث الدكتور مسعود شومان، بمشاركة المخرج أحمد إسماعيل، والمخرج أسامة عبد الرؤوف، والفنان شنودة عادل، حيث ناقشت الندوة مفهوم مسرح المجتمعات المحلية، وتجارب تطبيقه في الأقاليم المصرية، ودوره في التنمية الثقافية، وتعزيز المشاركة المجتمعية، واكتشاف الطاقات الإبداعية داخل البيئات المحلية.

ونظمت الندوة ضمن فعاليات الدورة التاسعة عشرة للمهرجان القومي للمسرح المصري، برئاسة الفنان محمد رياض.

مسعود شومان: المجتمع شريك في صناعة العرض وليس مجرد متفرج

استهل الدكتور مسعود شومان الندوة مؤكدًا أن عنوانها يثير العديد من الإشكاليات، خاصة ما يتعلق بمصطلح «مسرح المجتمعات المحلية»، الذي أثار نقاشات واسعة حتى قبل انعقاد الندوة، موضحًا أن المصطلح ليس جديدًا، وإنما يقابله عالميًا مفهوم Community Theatre، وله جذور راسخة في الدراسات المسرحية، ويتقاطع مع عدد من المفاهيم، مثل المسرح الشعبي، والمسرح الإقليمي، ومسرح الجماهير، كما يرتبط في بعض جوانبه بالمسرح الأنثروبولوجي.

وأوضح «شومان» أن المقصود بمسرح المجتمعات المحلية هو ممارسة مسرحية تشاركية تنطلق من واقع مجتمع بعينه، يشارك أفراده في صناعة العمل المسرحي، بهدف التعبير عن قضاياهم وإيجاد حوار بينهم وإحداث أثر اجتماعي وثقافي وتنموي، مشيرًا إلى أن المجتمع في هذا النموذج لا يكون مجرد جمهور يتلقى العرض، بل يصبح شريكًا في إنتاجه وصناعته.

وأضا :«هذا الاتجاه يستند إلى عدد من الروافد، من بينها المسرح الشعبي، والمسرح التربوي، والمسرح التنموي، ومسرح المقهورين، والأفكار المرتبطة بالتربية التحررية، التي تقوم على الحوار والمشاركة بدلا من التلقين، و هذا النوع من المسرح انتشر منذ سبعينيات القرن الماضي في إفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية، قبل أن يصبح إحدى أدوات التنمية الثقافية في العديد من الدول».

وأشار إلى أن من أبرز سمات مسرح المجتمعات المحلية أنه ينطلق من احتياجات الناس أنفسهم، ويعتمد على مشاركة الأهالي في جمع الحكايات وكتابة النصوص والتمثيل والموسيقى، كما يستثمر التراث المحلي من أمثال وأغانٍ وحكايات ورقصات وطقوس وسير شعبية، ولا يشترط وجود مسرح مجهز، إذ يمكن تقديمه في ساحة قرية أو مركز شباب أو مدرسة أو شارع أو جمعية أهلية.

مسعود شومان:  المسرح في المجتمعات المحلية يعمل على الحفاظ على الهوية الثقافية

وأكد «شومان»: « هذا المسرح لا يستهدف الترفيه فقط، بل يعمل على الحفاظ على الهوية الثقافية، وتنمية المشاركة المجتمعية، ورفع الوعي، ومعالجة القضايا المحلية، واكتشاف المواهب، وإحياء التراث، وتعزيز الانتماء للمكان، فضلًا عن تناوله موضوعات مثل التعليم، والبيئة، والمياه، والهجرة، والبطالة، والعنف، وحقوق المرأة، والحرف التقليدية، والتعايش المجتمعي».

الفروق بين المسرح التقليدي ومسرح المجتمعات المحلية

 استعرض«شومان» الفروق بين المسرح التقليدي ومسرح المجتمعات المحلية، موضحًا أن الأخير يُصنع مع الجمهور وليس من أجله فقط، وأن نصوصه تتطور بالمشاركة الجماعية، وقد يشارك في تقديمها أبناء المجتمع أنفسهم، بينما يعتمد المسرح التقليدي غالبًا على نصوص ثابتة وممثلين محترفين، مؤكدًا في الوقت نفسه أن هذا النموذج يواجه تحديات تتعلق بالتمويل، واستدامة الفرق، والتوازن بين الجودة الفنية والمشاركة المجتمعية، إلى جانب صعوبة توثيق العروض التي تعتمد على الارتجال.

أحمد إسماعيل: علاقتي بالمجتمع بدأت من قريتي قبل أن تبدأ من خشبة المسرح

وتحدث المخرج أحمد إسماعيل عن تجربته الممتدة مع المسرح المجتمعي، موضحًا أن اهتمامه بعلاقة المسرح بالجمهور بدأ منذ سنوات دراسته بالمعهد العالي للفنون المسرحية، عندما أجرى بحثًا حول جمهور المسرح في مصر، واكتشف أن نسبة رواد المسرح مقارنة بعدد السكان كانت محدودة للغاية، وهو ما دفعه إلى التساؤل حول كيفية وصول المسرح إلى الناس خارج العاصمة.

أحمد إسماعيل: بداياتي الحقيقية تعود إلى قريتي «شبرا بخوم»

ووأوضح: لى أن بداياتي الحقيقية تعود إلى قريتي «شبرا بخوم»،  شاركت منذ طفولته في فرقة للهواة، قبل أن أعيد إحياء نشاطها أثناء دراستي بالمعهد، من خلال جمعية تنمية المجتمع، مقدمًا عروضًا مسرحية شارك فيها أبناء القرية من مختلف الأعمار والمهن، حتى أصبحت التجربة جزءًا من الحياة الثقافية للمكان»

وأوضح «إسماعيل»:« تلك التجربة تطورت تدريجيًا، بداية من الحفلات المسرحية القصيرة، وصولًا إلى تقديم عروض كاملة، نجحت في تكوين جمهور محلي يؤمن بقيمة المسرح، و التجربة أثبتت أن بناء الجمهور يحتاج إلى تراكم واستمرارية، وليس إلى عروض موسمية»

 الخصائص الجمالية والاجتماعية لجمهور الريف

وأضاف أن دراستي في فرنسا أتاحت لي تعميق البحث في العلاقة بين العرض المسرحي والجمهور، وركزن على الخصائص الجمالية والاجتماعية لجمهور الريف، وهو ما انعكس لاحقًا على مشروعاتي المسرحية التي سعت إلى إنتاج عروض تنطلق من خصوصية المكان وثقافته، وتستجيب لاحتياجات جمهوره.

أسامة عبد الرؤوف: المسرح المجتمعي وسيلة للتنمية واكتشاف الإنسان

واستعرض المخرج أسامة عبد الرؤوف تجربته مع مشروع «مسرح الجرن»، قوال مؤكدًا :  أمثل واحدًا من أهم المشروعات التي آمن بها، وسعى إلى تطبيقها في عدد من المحافظات، ومنها كوم أمبو، والوادي الجديد، وقنا، وشلاتين، وقوص، بهدف التنمية الثقافية، واكتشاف الطاقات الإبداعية داخل المجتمعات المحلية»

وأوضح أن التجربة لم تكن تقتصر على تقديم عروض مسرحية، وإنما كانت تنطلق من دراسة احتياجات كل مجتمع، والعمل مع أبنائه على إنتاج عروض تعبر عن قضاياهم اليومية، وتسهم في مواجهة التطرف، وتجفيف منابع الإرهاب، وترسيخ قيم الحوار والانتماء.

وتوقف أسامة عبد الرؤوف ععند عدد من المواقف التي عايشها خلال تلك التجارب، ومنها تجربة شلاتين، التي نجح خلالها في إشراك شباب المنطقة في صناعة عناصر العرض المسرحي، بدءًا من تصنيع الديكور وحتى المشاركة في الأداء، مؤكدًا أن نجاح المسرح المجتمعي يقاس بقدرته على إشراك الناس في الفعل الثقافي، وليس فقط بحجم الجمهور الذي يشاهد العرض.

تجربة مؤثرة في إحدى قرى محافظة قنا

 روى  أسامة عبد الرؤوف تجربة مؤثرة في إحدى قرى محافظة قنا، حين قدم الأطفال عرضًا مسرحيًا تناول مشكلة غياب الخدمات الصحية، وانتهى بمبادرة أطلقتها طفلة صغيرة للتبرع من أجل إنشاء مستشفى بالقرية، وهو ما دفع الأهالي إلى التفاعل والمساهمة، معتبرًا أن تلك اللحظة جسدت قدرة المسرح على تحويل الوعي إلى فعل مجتمعي.

تأسيس «مهرجان مسرح الصعيد»

وأشار كذلك إلى تجربته في تأسيس «مهرجان مسرح الصعيد»، الذي استهدف دعم الفرق المسرحية المستقلة في محافظات الصعيد، من خلال مشاهدة العروض داخل المحافظات، واختيار أفضلها، وتنظيم ورش تدريبية في مجالات الإخراج والتمثيل والديكور والعرائس، بهدف تطوير الحركة المسرحية خارج العاصمة.

شنودة عادل: حولنا مقلب قمامة إلى مساحة ثقافية تجمع الأطفال والشباب

و استعرض الفنان شنودة عادل تجربة «مركز الصخرة الثقافي» بقرية دير جبل الطير بمحافظة المنيا، موضحًا أن المشروع بدأ عام 2016 بهدف توفير أنشطة ثقافية وفنية داخل القرى المحرومة من الخدمات الثقافية، من خلال نادي سينما، وعروض مسرح العرائس، والسينما المتنقلة، وورش صناعة الأفلام باستخدام الهاتف المحمول.

شنودة عادل:  المبادرة انطلقت من شعور بمعاناة أبناء القرى

وأوضح «شنودة» أن المبادرة انطلقت من شعور بمعاناة أبناء القرى، الذين يضطرون إلى السفر لمسافات طويلة للوصول إلى الفعاليات الثقافية، فكان الهدف هو نقل الثقافة إلى الناس داخل مجتمعاتهم، بدلًا من انتظار انتقالهم إليها.

شنودة عادل: نجنا بالتعاون مع أهالي القرية، في تحويل أحد مقالب القمامة إلى حديقة ثقافية على مساحة نحو 600 متر

وأضاف: « الفريق نجح، بالتعاون مع أهالي القرية، في تحويل أحد مقالب القمامة إلى حديقة ثقافية على مساحة نحو 600 متر، أصبحت تستضيف عروض السينما والمسرح والحكي والقراءة، واستقبلت آلاف الأطفال من القرية والقرى المجاورة، وأسهمت في خلق مساحة للتواصل بين الأهالي والشباب»

وأشار إلى أن المشروع توسع لاحقًا ليشمل عروضًا متنقلة لمسرح العرائس بعنوان «تياترو سلك»، يقوم الشباب والأطفال أنفسهم بتصميم العرائس وصناعتها وكتابة نصوصها وتسجيل أصواتها وتقديم عروضها داخل القرى، مؤكدًا أن هذه المشاركة عززت شعورهم بالمسؤولية والانتماء، ورسخت مفهوم الثقافة باعتبارها فعلًا مجتمعيًا يشارك الجميع في صناعته.

المهرجان القومي للمسرح المصري

يُعد المهرجان القومي للمسرح المصري أحد أبرز الفعاليات الثقافية التي تُنظمها وزارة الثقافة، وهو أكبر تجمع سنوي للمسرح المصري، ويهدف المهرجان، منذ انطلاق دورته الأولى عام 2006، إلى دعم وتطوير الحركة المسرحية المصرية، والاحتفاء بالإبداع المسرحي بكافة أشكاله واتجاهاته، وهو مهرجان تنافسي يعرض مختارات من العروض المسرحية التي قُدّمت خلال العام في مختلف أرجاء مصر، لقطاعات وهيئات وزارة الثقافة، وعروض الفرق المستقلة والحرة، والقطاع الخاص، والمسرح الجامعي، والهواة، وغير ذلك.

وأصبح المهرجان القومي للمسرح المصري، عامًا بعد عام، منصةً مهمةً لتكريم الرواد والمبدعين، ولخلق حوار فني بين الأجيال، وإبراز الطاقات الجديدة، وتشجيع المبدعين في مختلف مجالات وعناصر العرض المسرحي: التأليف، والإخراج، والتمثيل، والسينوغرافيا، ويقدّم في كل دورة برنامجًا ثقافيًا وفنيًا متنوعًا يشمل العروض المسرحية، والندوات الفكرية، والورش الفنية، بالإضافة إلى تكريم رموز المسرح المصري الذين أثروا الساحة الفنية بعطائهم وإبداعهم.

ويُعد المهرجان القومي أهم منصة رسمية للمسرح المصري، وهو احتفال سنوي يفتح نوافذ الحوار والتفاعل بين فناني المسرح ونقاده وجمهوره، ويضم المهرجان في كل دورة من دوراته مجموعة من المسابقات المتنوعة التي تشمل العروض المسرحية، والتأليف، والمقال النقدي، والدراسات النظرية.

ويواصل المهرجان القومي للمسرح المصري، من خلال دورته التاسعة عشرة، تنفيذ رؤيته الهادفة إلى توسيع قاعدة المشاركة الثقافية، وتعزيز دور المسرح في بناء الوعي، ودعم الأجيال الجديدة من المبدعين، وترسيخ حضور الفن المسرحي في مختلف المحافظات المصرية.

ويستهدف المهرجان تأصيل ملامح المسرح المصري المعبر عن الهوية الثقافية الوطنية، ونشر الرسالة التنويرية للفن المسرحي، ودعم الأجيال الجديدة من المبدعين، عبر برامج متنوعة تشمل العروض والندوات والورش الفنية والأنشطة الفكرية، في إطار رؤية تسعى إلى بناء الإنسان وتعزيز الوعي الثقافي والفني داخل المجتمع.