رئيس مجلس الادارة

عمــر أحمــد ســامي

رئيس التحرير

طــــه فرغــــلي


«لا سلم ولا حرب».. الصراع الأمريكي الإيراني يرتدي ثوبًا جديدًا

2-8-2026 | 16:06


التصعيد العسكري في الشرق الأوسط

محمود غانم

بين التصعيد تارة، والمسار الدبلوماسي تارة أخرى، تتأرجح المواجهة الأمريكية الإيرانية في ظل تمسك كل طرف بمواقفه؛ إذ تسعى الولايات المتحدة إلى انتزاع تنازلات من إيران، بينما ترفض طهران التخلي عن شروطها، وهو ما يعزز حضور الخيار العسكري على حساب الحلول الدبلوماسية والمسارات التفاوضية، ليبقى المشهد عالقًا بين «لا سلم ولا حرب».

وانهارت، في الثامن من يوليو الماضي، مذكرة التفاهم الموقعة بين الولايات المتحدة وإيران في يونيو 2026، والتي كانت تهدف إلى إنهاء حالة التصعيد في الشرق الأوسط، بعدما تبادل الطرفان الهجمات ضمن سقف محسوب، مع الحرص على عدم الانزلاق إلى مواجهة شاملة.

وحتى فجر الأحد، ظلت المنطقة تقف على حافة انفجار واسع، آخره إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تعليق هجوم كان مخططًا لتنفيذه ضد إيران، بهدف منح فرصة جديدة للمفاوضات والتوصل إلى اتفاق ينهي حالة التوتر القائمة.

وكان الهجوم الذي تحدث عنه الرئيس الأمريكي يستهدف تنفيذ ضربات مكثفة ضد مواقع مرتبطة بالطاقة في إيران، في وقت كانت طهران تتوعد برد مماثل، ما كان ينذر بتوسع المواجهة إلى مستوى إقليمي شامل.

إلا أن ترامب أبقى قرار تأجيل الهجوم مرتبطًا بمدى إحراز تقدم في المفاوضات مع إيران، مؤكدًا أن الولايات المتحدة «في حالة جاهزية كاملة» لاتخاذ إجراءات ضد طهران حال تعثر المسار التفاوضي.

في المقابل، جاء الرد الإيراني على لسان القائم بأعمال وزارة الدفاع الإيرانية، سيد مجيد بن الرضا، الذي اعتبر التصريحات الأمريكية جزءًا من «حرب نفسية»، مشددًا على أن بلاده تتعامل مع جميع التهديدات باعتبارها حقيقية، ولن تفاجأ بها أو تتخذ موقفًا سلبيًا، بل ستجعل منها دافعًا لرفع مستوى الجاهزية وتعزيز قدراتها الردعية.

ومع استمرار الموقف الأمريكي القائم على الضغط، وتمسك إيران بشروطها، تظل احتمالات إطالة أمد المواجهة قائمة، وسط مخاوف من تحول حالة «اللا سلم واللا حرب» إلى واقع إقليمي ممتد، في ظل تعثر الوصول إلى تفاهمات حاسمة بين الجانبين.

الخيار العسكري مطروح

في غضون ذلك، قدّم الدكتور محمد اليمني، الخبير في العلاقات الدولية، قراءة للمشهد الراهن، بما في ذلك تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشأن توجيه ضربة لإيران، معتبرًا أن سياسة التهديد التي ينتهجها الأخير ليست جديدة، محذرًا، في الوقت نفسه، من أن أي تصعيد عسكري قد يقود إلى انفجار واسع في منطقة الشرق الأوسط.

وقال اليمني، في تصريحات لـ«دار الهلال»، إن تهديدات ترامب ليست الأولى من نوعها، مشيرًا إلى أن تدخل عدد من الدول، بينها تركيا وباكستان وقطر، وربما المملكة العربية السعودية، أسهم في احتواء الموقف خلال اللحظات الأخيرة.

وأضاف أن العلاقات الوثيقة التي تربط الرياض بواشنطن، والعلاقة الشخصية بين ولي العهد الأمير محمد بن سلمان والرئيس الأمريكي، ربما لعبتا دورًا في نقل رسائل مهمة لتجنب التصعيد.

وأوضح أن تنفيذ الضربة التي تحدث عنها ترامب سيكون سابقة خطيرة منذ الحرب العالمية الثانية، نظرًا لما قد تسببه من تأثيرات واسعة على البنية التحتية، خاصة محطات الكهرباء والمنشآت الحيوية، لافتًا إلى أن إيران قد ترد باستهداف منشآت مماثلة في دول الخليج التي تستضيف قواعد أمريكية، وهو ما قد يوسع دائرة الصراع ويهدد استقرار المنطقة التي يعتمد اقتصادها بصورة كبيرة على النفط.

وأكد اليمني أن ترامب يعتمد، منذ ولايته الأولى، على استراتيجية تقوم على «التهديد والوعيد»، إلا أنها لم تحقق أهدافها حتى الآن، موضحًا أن إيران لم تُبدِ أي تراجع أو قبول بالشروط الأمريكية، بل استمرت في مواقفها، بالتزامن مع حضور روسي وصيني مؤثر في المشهد، ما يجعل حسم الأزمة عسكريًا أمرًا بالغ الصعوبة، رغم القدرات العسكرية الأمريكية.

وتساءل اليمني عن وجود تنسيق مسبق بين الرئيس الأمريكي ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، خاصة بعد إشادة الأخير باجتماعه مع الإدارة الأمريكية، مضيفًا أن ترامب اعتاد التراجع عن بعض مواقفه، ثم العودة مجددًا إلى لغة التهديد، وربما الإقدام على خطوات تتجاوز الخطوط الحمراء.

وأشار إلى أن أي ضربة عسكرية في المرحلة الحالية ستكون «خطوة جنونية» قد تؤدي إلى انفجار الأوضاع في الشرق الأوسط، موضحًا أن سياسة الردع المتبادل والتصعيد المنضبط ما زالت تحكم العلاقة بين الطرفين، إلا أن الحشود العسكرية الأمريكية الكبيرة التي انتقلت من أوروبا إلى المنطقة خلال الأسابيع الماضية توحي بأن الخيارات العسكرية لا تزال مطروحة، مستشهدًا بتصريحات نتنياهو حول رغبته في تشكيل «شرق أوسط جديد».

وحول حديث ترامب عن إمكانية عقد مفاوضات جديدة مع إيران، رأى اليمني أن انعقادها يظل احتمالًا قائمًا، لكنه يختلف عن الجولات السابقة؛ إذ لم يعد الملف النووي ووقف إطلاق النار وحدهما على طاولة النقاش، بل أصبح مضيق هرمز من أبرز القضايا الخلافية بين واشنطن وطهران.

وأضاف أنه إذا نجح الوسطاء في إعادة الطرفين إلى طاولة المفاوضات وتقريب وجهات النظر، فقد تُعقد المحادثات، لكنه استبعد نجاحها حتى في حال انعقادها، مشيرًا إلى أن الجولات السابقة شهدت نشاطًا دبلوماسيًا مكثفًا، شمل تحركات أمريكية وباكستانية وإيرانية، دون أن تسفر عن نتائج ملموسة.

واختتم اليمني حديثه بالتأكيد على أن الولايات المتحدة تواجه سيناريوهين لا ثالث لهما؛ أولهما تنفيذ الضربة العسكرية، بما قد يقود إلى اندلاع حرب إقليمية واسعة طالما حذر منها، والثاني الانسحاب من المواجهة، في مشهد قد يشبه ما حدث للقوات الأمريكية في فيتنام وأفغانستان.

هدنة تكتيكية

من جانبه، يرى علاء السعيد، خبير الشؤون الإيرانية، أن قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تعليق الضربات لا ينبغي قراءته باعتباره تراجعًا عن خيار القوة، وإنما انتقالًا مؤقتًا إلى أداة أخرى من أدوات إدارة الصراع.

وقال السعيد، في تصريحات لـ«دار الهلال»، إن ترامب، منذ عودته إلى البيت الأبيض، اعتمد سياسة تقوم على تعظيم الضغوط العسكرية والاقتصادية إلى أقصى حد، ثم فتح نافذة للتفاوض من موقع القوة.

وأضاف أن تعليق الضربات لا يعني انتهاء الأزمة، بل يعكس قناعة أمريكية بأن العمل العسكري وحده لن يحقق الأهداف السياسية، دون اللجوء إلى مسار تفاوضي يفرض على طهران تقديم تنازلات واضحة.

وفيما يتعلق بفرص نجاح المفاوضات، رجح السعيد أن تُعقد بالفعل خلال الفترة المقبلة، مشيرًا إلى أن الطرفين يدركان ارتفاع تكلفة استمرار المواجهة.

وأوضح أن الولايات المتحدة تسعى إلى منع إيران من امتلاك قدرات نووية عسكرية، وضمان أمن الملاحة في الخليج، بينما تهدف إيران إلى تخفيف الضغوط الاقتصادية والعسكرية والحفاظ على استقرار النظام.

وأكد أن بقاء النظام يمثل نقطة محورية بالنسبة لطهران، إذ ستسعى إلى تقديم ذلك باعتباره انتصارًا سياسيًا، والترويج لسردية صمود النظام في مواجهة الضغوط.

واستدرك قائلًا إن انعقاد المفاوضات لا يعني بالضرورة نجاحها، موضحًا أن الفجوة بين مطالب الطرفين لا تزال كبيرة، كما أن أزمة الثقة المتراكمة على مدار سنوات تجعل أي اتفاق عرضة للاهتزاز عند أول خلاف جوهري، كما حدث في التجارب السابقة.

وتوقع السعيد أن تشهد المرحلة المقبلة ما وصفه بـ«الهدنة التكتيكية» أكثر من كونها سلامًا حقيقيًا، مرجحًا انخفاض مستوى العمليات العسكرية المباشرة، مقابل استمرار الضغوط السياسية والاقتصادية والاستخباراتية، مع بقاء الخيار العسكري مطروحًا على الطاولة.

وأشار إلى أن الحديث عن نهاية التصعيد لا يزال سابقًا لأوانه، في ظل بقاء جذور الأزمة دون حل، سواء ما يتعلق بالبرنامج النووي الإيراني، أو النفوذ الإقليمي لطهران، أو شبكات الفصائل المسلحة الحليفة لها، فضلًا عن التوترات المرتبطة بمضيق هرمز.

وأضاف أن المشهد الحالي لا يعكس اقتراب اتفاق تاريخي، بقدر ما يمثل إدارة مؤقتة للأزمة، محذرًا من أن فشل المفاوضات في تحقيق اختراق حقيقي سيقود إلى موجة جديدة من التصعيد، قد تكون أكثر حدة من سابقاتها، بعدما يقتنع الطرفان بأن المسار الدبلوماسي استنفد فرصه، وأن الحسم قد يعود مجددًا إلى الميدان.

وأوضح أن التصعيد قد يتجسد في تنفيذ الولايات المتحدة تهديداتها باستهداف البنية التحتية الإيرانية، مقابل تهديدات إيرانية باستهداف البنية التحتية في دول الخليج.

ولفت السعيد إلى ما وصفه بـ«المفارقة»، موضحًا أن الولايات المتحدة تهدد بضرب البنية التحتية الإيرانية، بينما انتقلت إيران من التهديد باستهداف القواعد الأمريكية إلى التهديد بضرب البنية التحتية في دول الخليج، معتبرًا أن هذا التحول يتعارض مع الرواية الإيرانية السابقة التي كانت تؤكد أن عملياتها تستهدف القواعد والمصالح الأمريكية في المنطقة.