فرض صيف قياسي الحرارة والجفاف العام الجاري قبضته على أوروبا، فيما حلّقت طائرات لإسقاط المياه فوق حريق غابات كبير في اليونان وسعى رجال الإطفاء في فرنسا إلى السيطرة على حريق مستعر في منطقة بروفانس، بينما سجلت مناطق واسعة من المملكة المتحدة أكثر شهور يوليو جفافًا منذ نحو قرنين.
كان ذلك وصف لمشاهد متفرقة في أنحاء مختلفة من القارة العجوز؛ حيث أكد تقرير أعده مراسل وكالة أنباء "أسوشيتيد برس" الأمريكية في أثينا أن أجواء الصيف الحارق لهذا العام في أوروبا ساهمت في اتساع رقعة الأراضي المحترقة في فرنسا واليونان وإسبانيا ودول أخرى، بينما زادت من أمد فترات الجفاف في بريطانيا.
ففي اليونان، تجاوزت حرائق الغابات الواقعة غرب أثينا خطوط السيطرة، وذلك بعد يوم واحد من اصطدام جوي بين مروحيتين أسفر عن مقتل اثنين من أفراد الطاقم هما مواطن يوناني وآخر دنماركي، فيما نُقل شخصان آخران إلى المستشفى. وكان الأشخاص الأربعة من العاملين لدى شركات خاصة، واستعانت بهم مصلحة الإطفاء اليونانية بموجب عقود لمكافحة الحرائق.
أما في فرنسا، واصل رجال الإطفاء في المنطقة المحيطة بمدينة بوردو مراقبة بؤر محتملة لاندلاع النيران مجددًا داخل المنطقة التي سبق أن التهمتها الحرائق، والتي تبلغ مساحتها نحو أربعة أضعاف مساحة باريس.
وأدى استمرار موجة الحر ونقص هطول الأمطار إلى تسجيل أكثر شهور يوليو جفافًا في إنجلترا وويلز منذ بدء تسجيل البيانات قبل نحو 200 عام، وفق إحصاءات أولية أعلنتها هيئة الأرصاد الجوية البريطانية أمس الاثنين.
وقالت الهيئة إن جميع مناطق ويلز وأكثر من نصف مساحة إنجلترا أصبحت رسميًا تحت وطأة الجفاف.
وتزامنت هذه الأجواء الجافة مع ارتفاع شديد في درجات الحرارة في أنحاء واسعة من المملكة المتحدة، بعد موجتي حر شهدتهما البلاد في مايو ويونيو.
وسجلت ويلز أعلى متوسط لدرجات الحرارة خلال شهر يوليو، معادلة بذلك الرقم القياسي السابق، بينما شهدت إنجلترا والمملكة المتحدة ككل ثاني أكثر شهور يوليو حرارة على الإطلاق.
وفي جنوب اليونان، عادت الرياح القوية إلى المنطقة مساء أمس الاثنين، ما دفع ألسنة اللهب نحو تجمعات سكنية في المناطق الجبلية، وأدى إلى تدمير مزارع وممتلكات، فضلًا عن إغلاق أحد الطرق السريعة.
ولا تزال المناطق المحيطة بالعاصمة أثينا تواجه خطرًا مرتفعًا لاندلاع الحرائق طوال الأسبوع، في ظل توقعات بارتفاع درجات الحرارة بصورة أكبر.
ونتيجة لذلك، أجلت السلطات أكثر من ألف شخص من المناطق المحيطة بمنتجع "بورتو جيرمينو" الساحلي ومناطق أخرى غرب العاصمة، فيما جرى إنقاذ أكثر من 250 شخصًا بواسطة القوارب من شواطئ المنطقة.
وقال يانيس أرتوبيوس، المتحدث باسم جهاز الإطفاء اليوناني، في تصريح خاص للوكالة: إن الحريق يمثل تحديًا كبيرًا، مضيفًا أن 12 طائرة لإسقاط المياه و11 مروحية كانت تشارك في عمليات مكافحة النيران أمس الاثنين.
وأرجعت السلطات سبب اندلاع الحريق إلى خلل في أحد خطوط الكهرباء التابعة لمزرعة رياح، وأسفر التحقيق عن توقيف متعاقدين اثنين بتهمة التسبب في حريق نتيجة الإهمال.
وعلى الرغم من تحسن أنظمة رصد الحرائق وتوثيق التعاون بين دول الاتحاد الأوروبي، أوضح تقرير "أسوشيتيد برس" أن اليونان ودول أخرى مطلة على سواحل البحر المتوسط في أوروبا لا تزال تواجه حرائق غابات مدمرة كل صيف، في ظل ازدياد طول فترات موجات الحر وارتفاع درجات الحرارة.
ولفت التقرير إلى حقيقة أن أوروبا تُعد أسرع قارات العالم ارتفاعًا في درجات الحرارة، إذ ارتفعت حرارتها منذ ثمانينيات القرن الماضي بأكثر من ضعف متوسط الارتفاع العالمي، وفقًا لخدمة "كوبرنيكوس" المعنية بتغير المناخ التابعة للاتحاد الأوروبي.
وأضاف أن درجات الحرارة المرتفعة وفترات الجفاف الممتدة عادةً ما تؤدي إلى زيادة جفاف الغطاء النباتي وجعله أكثر قابلية للاشتعال، ما يسمح للحرائق بالانتشار بسرعة أكبر والاشتعال بكثافة أعلى.
وفي فرنسا، سُمح لآلاف الأشخاص الذين أُجلوا من منازلهم بالعودة إليها أو إلى أماكن إقامتهم السياحية أمس الاثنين، بعد أن تمكنت السلطات من احتواء حريق غابات ضخم.
وكان أكثر من 224 ألف شخص قد غادروا منازلهم ومناطق إقامتهم هربًا من النيران، في أكبر عملية إجلاء للمدنيين في فرنسا خارج أوقات الحرب، وفقًا لمسئولين؛ حيث التهم الحريق نحو 420 كيلومترًا مربعًا، أي ما يعادل 162 ميلًا مربعًا، ليصبح بذلك أكبر حريق غابات يتم تسجيله في تاريخ فرنسا.
وشملت عمليات العودة أمس الاثنين شبه جزيرة كاب فيريه، وهي منطقة سياحية شهيرة على ساحل المحيط الأطلسي، إلى جانب بلدية لو بورج، التي كانت الأكثر تضررًا من الحريق، حيث دُمر 183 منزلًا. ولا تزال مواقع التخييم مغلقة.
وفي منطقة بروفانس الفرنسية، لم يشهد حريق غابات ثانٍ تجددًا خلال الليل، لكنه ظل خارج نطاق السيطرة بشكل كامل على مدار الأمس، مع توقعات بعودة الرياح القوية فيما يواصل نحو 1,500 رجل إطفاء، بدعم من مروحيات لإسقاط المياه، تعزيز خطوط مكافحة النيران واحتواء الحريق الذي اجتاح نحو 18 كيلومترًا مربعًا، أي ما يعادل 7 أميال مربعة.