رئيس مجلس الادارة

عمــر أحمــد ســامي

رئيس التحرير

طــــه فرغــــلي


حديث التجديد

4-8-2026 | 13:55


الكاتب الصحفي طه فرغلي رئيس التحرير

طه فرغلي,

الحديث هنا ليس من باب الترف ولا من نافلة القول، ولكنه من الضرورات الوطنية والفروض القومية، والأمر ملح وجد خطير، وعنوانه كفى تسويفا وتأجيلا وتمييعا لقضية تجديد الخطاب الديني من قبل مؤسسات لا تراوح مكانها حتى الآن في هذه القضية التي تعد بمثابة أمن قومي ومجتمعي حماية للدين والوطن.

مرت سنوات تجاوزت العشر منذ أطلق الرئيس عبد الفتاح السيسي دعوته التاريخية للمؤسسات الدينية وعلى رأسها الأزهر الشريف للقيام بواجبها والاضطلاع بدورها في قضية تجديد الخطاب الديني، انطلاقا من ضرورة مواجهة الخطاب المتطرف والمتشدد الذي شوه الدين وتبنته الجماعات الإرهابية وحاولت فرضه على المجتمع، خاصة بعد أحداث 2011 وسيطرة جماعة الإخوان الإرهابية على المشهد.

ومنذ دعوة الرئيس السيسي لتجديد الخطاب الديني ورغم مرور السنوات الطوال لا تزال المؤسسات الدينية لم تقم بواجبها الكامل ولم تؤد فرضها في هذه القضية الخطيرة، ولا تزال تبحث في الشكل دون المضمون وتبحث في معنى التجديد المقصود وتحاول رسم ملامح التجديد، لكنها لم تقتحم الطريق بقلب قوي مؤمن بواجب التجديد وعقل واع متفهم لخطورة القضية، ولكنها لا تزال في الريبة تخاف وعورة الطريق وقلة سالكيه وهو طريق الحق..

كان الواجب على هذه المؤسسات ألا تستوحش الطريق ولا تخاف من الذئاب المنفردة المتربصة على ناصيته وبعضها يقبع في زوايا داخل المؤسسات نفسها.

والحق أخشى أن يكون التجديد تائها في دهاليز عتيقة داخل سرداب مظلم يحكم إغلاقه أهل تقديس التراث، ويحرسه فرسان المعبد يقفون بالمرصاد لكل من يحاول الاقتراب، لا يرحبون بنقد الثابت في العقل الديني حتى وإن كان وفق معايير علمية ومنهجية محكمة، يعتبر فرسان المعبد الاقتراب من تراث السابقين جريمة لا تغتفر وأن ما خطوه بيمينهم في صحفهم القديمة بمثابة سدرة المنتهى في الدين ومنطقة خطرة من اقترب منها احترق.

وتناسى فرسان المعبد أن أصحاب التراث أنفسهم كانوا مجددين في عصرهم وأعملوا عقلهم فيما ورثوه عن السابقين وبعض كبار الفقهاء عدلوا عن آرائهم وفقا لمقتضيات العصر والواقع والمجتمع في ذلك الوقت.

أقول ذلك وأتمنى أن أكون مخطئا في طرحي، ولكن واقع الحال يدل على المآل، وأخشى أن يكون خطاب التجديد قد نسي تماما وتراجع القهقري وتوارى إلى الخلف، وغطت عليه سحب كثيفة لا تبشر بمطر الخير ولكن تنذر بمزيد من الغيوم والضباب الذي يكتنف القضية ويحيلها إلى سراب.

والتجديد المقصود ليس تبديل الثوابت، بل إحياء وظيفة الدين في تنزيل أحكامه على واقع متغيّر، بأدوات علمية ومنهج مضبوط.

وواجب بل ومستوجب أن تخرج علينا كل مؤسسة دينية تشرح للناس ماذا فعلت، وماذا قدمت وكشف حسابها في قضية التجديد الديني، وهذا لله ولدينه ولوجه الوطن والأمة.

علينا أن نعرف ماذا قدم كل في موقعه في هذه القضية، لا أكتب كلاما مرسلا ولكن أكتب عن قرب واطلاع، والحقيقة أن التضافر والتشابك بين المؤسسات الدينية غائب وربما يكون الأمر قائما على التبعية والتسليم، كنا ننتظر وثيقة عمل واحدة تجمع المؤسسات الدينية، توحد خطوات التجديد ودور كل مؤسسة وآليات التنفيذ، ولجنة واحدة أو هيئة شاملة تتابع تنفيذ خريطة التجديد وخطة زمنية واضحة للتنفيذ..

بالطبع وللإنصاف هناك اجتهادات في كل مؤسسة دينية ولكنها لا ترقى لخطة عمل جماعية، والأزهر الشريف وشيخه الطيب الإمام الأكبر د. أحمد الطيب لديه خطة للتجديد تشمل تطوير المناهج الأزهرية والمؤسسات التابعة للأزهر وهناك وثيقة حاكمة عنوانها " وثيقة الأزهر للتجديد في الفكر والعلوم الإسلامية".

ولأنني كنت قريبا من دار الإفتاء أعرف تفاصيل خطة التجديد التي عكف عليها طيب الذكر د. شوقى علام المفتي السابق وحوله ثلة من المخلصين، واستطاعوا من خلال استراتيجية محكمة اقتحام غمار التجديد ومواجهة الجماعات المتطرفة وتقديم لغة عصرية تستخدم الأدوات التكنولوجية الحديثة في المواجهة وتوجه ضربات استباقية لجماعات الإرهاب والتطرف، ويواصل الدكتور نظير عياد المسيرة في الدار، وأعتقد انه في طريق التجديد وفق الرؤية المؤسسية.

وفى وزارة الأوقاف رؤية استراتيجية لتجديد الخطاب الديني مكونة من 4 محاور مواجهة التطرف الديني بكل صوره، ومواجهة التطرف اللاديني والمتمثل في تراجع القيم والسلوكيات السلبية، وبناء الإنسان وصناعة الحضارة، وهدف الاستراتيجية صياغة خطاب ديني رشيد يقدم ويرسخ للإنسانية كلها قيم السلام والأمان والتسامح وغير ذلك من القيم الرفيعة.

ولكن الأمر يحتاج إلى تشبيك بين المؤسسات والتضافر والتكامل لا العمل بمعزل في إطار الفردية والشخصنة، الأمر والقضية تحتاج عملا مؤسسيا موحدا يجمع المؤسسات الدينية وتكون نتيجته تجديد حقيقي للخطاب الدني ينعكس أثره على سلوكيات الناس في الشارع.

واقترح بعض التوصيات:
مثل:
1. وثيقة تجديد موحّدة بين الأزهر ودار الإفتاء والأوقاف، بمرجعية علمية واحدة.
2. هيئة تنسيق عليا بجدول زمني ومؤشرات أداء قابلة للقياس.
3. مرصد للأثر المجتمعي يقيس تحوّل الخطاب في المنابر والمناهج والإعلام.
4. برنامج تأهيل لجيل جديد من العلماء يجمع بين التمكّن الشرعي وأدوات العصر (الذكاء الاصطناعي، العلوم الاجتماعية).
5. منصّة حوار مع الفاعلين الثقافيين والإعلاميين، لأن التجديد الديني لا ينفصل عن التجديد الثقافي.

فالأمر لا يقتصر على تجديد الخطاب الديني، بل في داخله تجديد الخطاب المجتمعي والحفاظ على القيم والثوابت، وأيضا تجديد الخطاب الثقافي ومخاطبة الأجيال الجديدة التي تنشأ الآن في أحضان الذكاء الاصطناعي.

نبادر في "الهلال" العريقة وهذا دورنا بفتح حديث التجديد من جديد حتى لا يدخل في غياهب الجب ودهاليز النسيان وأقبية المؤسسات، ونطرح في العدد الأخير نقاشا لملف شائك واسم يثير المعارك والجدل بمجرد ذكره " الإمام البخاري" وصحيحه.. وهذا من كتب التراث التي يتعامل معها البعض بقداسة مفرطة " والقسم بالبخاري" لا يزال شائعا عند العامة.. في الهلال مقالات عميقة معمقة وأسئلة جادة لا تهدف إلى الإثارة والجدال الفارغ، ولكنها رؤية مختلفة ونقاش رصين نقترب به من قضية وطنية عنوانها الرئيسي "تجديد الخطاب الديني".