رئيس مجلس الادارة

عمــر أحمــد ســامي

رئيس التحرير

طــــه فرغــــلي


" النينو" تهدد أسواق السلع العالمية.. موجة مناخية استثنائية تنذر بنقص الغذاء وارتفاع التضخم

8-8-2026 | 10:24


الغذاء

دار الهلال

حذر خبراء ومراقبون من أن تصاعد حدة ظاهرة النينو المناخية، التي توصف بأنها الأقوى منذ أكثر من 75 عاما، قد يفرض ضغوطا كبيرة على إنتاج عدد من أهم السلع الأساسية المتداولة عالميا.

ومن شأن تراجع الإنتاج أن يفاقم تقلبات أسعار السلع، ويرفع مخاطر نقص الغذاء، كما قد يضيف موجة جديدة من الضغوط التضخمية في عدد من الأسواق حول العالم، مع تأثر المحاصيل الزراعية وسلاسل الإمداد بالظروف المناخية القاسية.

ورصدت صحيفة "فاينانشيال تايمز"، في تقرير موسع لها، تأثيرات ظاهرة "النينو" المناخية وتقلباتها، التي تتأرجح بين هطول أمطار غزيرة وجفاف يحدث عادة كل سنتين إلى سبع سنوات، أثرت فعلياً هذا العام على أسعار البن والكاكاو، حيث يتوقع مستثمرون أضراراً واسعة في المحاصيل من البرازيل إلى غرب أفريقيا وجنوب شرق آسيا.

وبينت أن أسعار بن "أرابيكا" قفزت بنحو 30 في المائة منذ أوائل يونيو لتصل إلى 3.12 دولار للرطل. وتخلل هذا الارتفاع حدوث أكبر مكسب يومي له منذ 47 عاماً.

كما شهد الكاكاو ارتفاعاً حاداً مماثلاً؛ إذ ارتفعت العقود الآجلة للسلعة في نيويورك بأكثر من 63 في المائة، من حوالي 3950 دولاراً للطن في منتصف يونيو إلى أعلى مستوى لها في ثمانية أشهر عند 6455 دولاراً في 9 يوليو، قبل أن تتراجع إلى 5600 دولار يوم الخميس، لكنها لا تزال أعلى بأكثر من 40 في المائة من أدنى مستوى لها في يونيو.

ويشير محللون في مصرف "رابوبنك" إلى تزايد الترابط بين أسعار البن والكاكاو على الرغم من "اختلاف أساسياتهما بشكل كبير"، ما يوحي بأن المستثمرين باتوا يطبقون "علاوة مخاطر ظاهرة النينو" على السلع الزراعية.

من جانبه، قدر "البنك المركزي الأوروبي" أن أحداث "النينو" العنيفة عادة ما ترفع أسعار السلع الغذائية العالمية بنسبة 9 في المائة. وحذر اقتصاديون في مجموعة "جيفريز" المالية من أنه "في ظل الضغط التصاعدي الحالي على أسعار السلع بسبب الحرب الأمريكية الإيرانية، من المرجح أن يكون هذا التأثير أكبر".

كانت "الإدارة الوطنية الأمريكية للمحيطات والغلاف الجوي" قد أعلنت الشهر الماضي أن احتمالية استمرار ظاهرة "النينو" الحالية حتى ربيع عام 2027 تصل إلى 97 في المائة، وأن احتمالية اشتدادها لتصبح "شديدة للغاية" بين أكتوبر وديسمبر من هذا العام تبلغ 81 في المائة، ما يجعلها من بين أقوى الظواهر المسجلة منذ عام 1950، أي منذ أكثر من ربع قرن.

وتلفت "فاينانشيال تايمز" إلى أن هذا التهديد المناخي يأتي في وقت يواجه فيه المزارعون بالفعل نقصاً حاداً في الأسمدة جراء انقطاع إمدادات الطاقة والسلع الأساسية خلال الحرب الإيرانية.

ويرى المحللان في بنك "آي إن جي"، وارن باترسون وتايس جيير، أن ظاهرة النينو "قد تمتد آثارها إلى قطاع الغذاء والزراعة بشكل أوسع، وفي نهاية المطاف إلى الاقتصاد العالمي".

ويهدد نقص الأسمدة المزارعين بتقليل استخدامها في الوقت الذي تواجه فيه المحاصيل الجفاف، أو الحرارة الشديدة، أو الأمطار الغزيرة والفيضانات، ما يجعل النباتات أقل قدرة على تحمل الظروف الجوية القاسية.

وقال كبير الاقتصاديين في "منظمة الأغذية والزراعة" (فاو) التابعة للأمم المتحدة، ماكسيمو توريرو: "ينصب قلقي حالياً على القمح القاسي والأرز"، مضيفاً أن اجتماع ظاهرة النينو وانخفاض استخدام الأسمدة في أستراليا، وهي من كبار منتجي القمح، والهند، أكبر منتج للأرز في العالم، يهدد بانخفاض المحاصيل، واصفاً الأمر بأنه "تأثير مركب خطير".

وحسب تقديرات "برنامج الغذاء العالمي" التابع للأمم المتحدة، قد تدفع ظاهرة "النينو" ما لا يقل عن 49 مليون شخص إضافي إلى مواجهة انعدام الأمن الغذائي الحاد بحلول نهاية عام 2027. وقال المدير التنفيذي بالإنابة للبرنامج، كارل سكو: "تمثل ظاهرة النينو تهديداً هائلاً للأمن الغذائي لملايين الأشخاص الذين يعانون أصلاً من الهشاشة".

وبينت الصحيفة البريطانية أن أولى آثار الصدمة المادية على الإمدادات الغذائية نتيجة لظاهرة "النينو" بدأت تظهر بالفعل في بيرو، حيث تم تعليق صيد الأنشوجة منذ مايو بسبب ارتفاع درجة حرارة مياه المحيط الهادئ بشكل غير معتاد- وهي سمة من سمات ظاهرة "النينو"- ما يجعل المخزونات السمكية أكثر عرضة للخطر. ارتفعت أسعار وجبات الأسماك بأكثر من الضعف مقارنة بالعام الماضي، بينما تضاعفت أسعار زيت السمك بأكثر من ثلاثة أضعاف منذ يوليو 2025.

وتعود "فاينانشيال تايمز" إلى الكاكاو الذي يعد من أكثر السلع عرضةً للتأثر، إذ يتركز 88 في المائة من إنتاجه في غرب أفريقيا، والإكوادور، وجنوب شرق آسيا، وهي مناطق تتأثر سلباً بظاهرة "النينو"، حسب إحصاءات مصرف "رابوبنك".

وتشير إلى أن فترات اندلاع "النينو" القوية السابقة تزامنت مع خسائر فادحة. فقد انخفض إنتاج الكاكاو العالمي بنسبة 12 في المائة خلال "فترة النينو" القوية جداً في 1982-1983، و9 في المائة في 1991-1992، و6 في المائة في 2015-2016. وخلال فترة 2023-2024، انخفض الإنتاج بنسبة 13 في المائة، وارتفع متوسط سعر الكاكاو الموسمي بنسبة 122 في المائة.

ولم يتعافَ سوق الكاكاو بشكل كامل بعد من فشل المحاصيل المتتالية، ما يعني أن أي انخفاض طفيف نسبياً في الإنتاج قد يفضي إلى ردة فعل سعرية قوية. ويهدد انخفاض رطوبة التربة، وضعف نمو القرون محصول ساحل العاج الرئيسي القادم، بينما زادت الأمطار الغزيرة من انتشار مرض تعفن القرون السوداء في غانا.

وتترقب أسواق البن أيضاً احتمال حدوث صدمة مناخية طويلة الأمد. وأشار مصرف "رابوبنك" إلى أن الأسعار المرتفعة بشكل غير معتاد لعقود بن "روبوستا" الآجلة تشير إلى تزايد المخاوف من امتداد هذه الصدمة حتى عام 2027.

وتأتي فيتنام وإندونيسيا والهند بين أكبر منتجي بن "روبوستا"، وعادةً ما تشهد طقساً أكثر دفئاً وجفافاً خلال ظاهرة "النينو". وقد يؤدي الجفاف المطول إلى استنزاف خزانات المياه المستخدمة لري أشجار البن الفيتنامية، ما يلحق الضرر بعملية الإزهار في موسم حصاد 2027-2028.

وقال رئيس أسواق السلع الزراعية في مصرف "رابوبنك"، كارلوس ميرا: "يكمن الخطر في أن تجف خزانات المياه تماماً خلال موسم الجفاف، وبالتالي لن يكون هناك ماء كافٍ لدعم محصول الموسم القادم".

أما بالنسبة لمحصول "أرابيكا" في البرازيل، فإن التأثير الأكثر ثباتاً هو ارتفاع درجات الحرارة.

المعروف أن الطقس الشتوي الدافئ يقلل من خطر الصقيع، لكن الحرارة الشديدة المصحوبة بأمطار غير منتظمة قد تجهد الأشجار وتقلل من المحصول. سيراقب التجار فترة الإزهار بين سبتمبر ونوفمبر، والتي ستحدد إمكانات المحصول التالي.

وتشير بيانات "آي إن جي" إلى أن إنتاج السكر سجل تراجعاً مستمراً في منطقة آسيا والمحيط الهادئ خلال فترات ظاهرة "النينو" القوية.

وقد حظرت نيودلهي بالفعل صادرات السكر حتى نهاية سبتمبر. وقال مصرف "رابوبنك" إن الخطر الأكبر يكمن في أن صدمة إنتاجية كبيرة قد تجبر الهند على استيراد السكر. ومن المتوقع أيضاً أن تحصد تايلاند مساحة أصغر بعد أن أصبح قصب السكر أقل ربحية مقارنة بالمحاصيل البديلة.

ويرى مراقبون أن البرازيل بوسعها تعويض هذه الخسائر جزئياً بحصاد وفير من قصب السكر. لكن الأمطار الغزيرة المرتبطة بظاهرة "النينو" قد تعطل عمليات الطحن وتؤخر المحصول التالي. ويتوقع "سيتي" ارتفاع أسعار السكر الخام إلى 17 سنتاً للرطل خلال ثلاثة أشهر، و19 سنتاً خلال عام.

وبالنسبة لزيت النخيل توقع محللون أن يكون عرضة للخطر أيضاً، إذ تنتج إندونيسيا وماليزيا أكثر من 80 في المائة من الإمدادات العالمية، وعادة ما يشهد البلدان طقساً أكثر جفافاً خلال ظاهرة "النينو". وأفاد مصرف "رابوبنك" بأن مخاطر الإنتاج قد تظهر في أواخر هذا العام وتتفاقم في أوائل عام 2027 مع انخفاض المحاصيل بسبب تأثير نقص الرطوبة المتأخر.

ويتفاقم تأثير الصدمة المناخية الناشئة بفعل تغير المناخ. فظاهرة "النينو" ظاهرة طبيعية، لكنها تحدث الآن في ظل مناخ عالمي أكثر دفئاً، مما يزيد من التبخر والإجهاد الحراري. وقد خلصت "الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ" إلى أن تقلبات هطول الأمطار المرتبطة بظاهرتي "النينو" والـ"لا نينا" من المرجح جداً أن تزداد في وقت لاحق من هذا القرن.

واختتمت الصحيفة تقريرها بتحذير كبير اقتصاديي منظمة "الفاو"، ماكسيمو توريرو، من أن خسائر المحاصيل قد تدفع الحكومات إلى فرض قيود على الصادرات، ما ينقل النقص الإقليمي إلى الأسواق العالمية، كما حدث في أزمة أسعار الأرز عام 2023.

وتابع قائلاً عندما تواجه الدول "انخفاضاً في المحاصيل والإنتاج"، فإنها "عادةً ما تفرض قيوداً على الصادرات، ما قد يضغط على الأسعار".