رئيس مجلس الادارة

عمــر أحمــد ســامي

رئيس التحرير

طــــه فرغــــلي


أستاذ بطب عين شمس: "الأبركسيا الكلامية" اضطراب غير شائع يؤثر على التخطيط والبرمجة الحركية

8-8-2026 | 12:25


الدكتور محمد بركة أستاذ أمراض التخاطب بكلية الطب جامعة عين شمس

أ ش أ

أكد الدكتور محمد بركة، أستاذ أمراض التخاطب بكلية الطب جامعة عين شمس، أن مرض "الأبركسيا الكلامية" أو ما يعرف باللغة العربية بـ "تعذر الأداء النطقي"، يعد من الأمراض النطقية المهمة التي لطالما عانت من عدم التقييم الدقيق والإجحاف التشخيصي مقارنة بأمراض نطقية أخرى أكثر شهرة، مشيراً إلى أن هذا المصطلح اللاتيني الأصل (المكون من حرف A والذي يفيد النفي، وكلمة Praxis التي تعني القدرة على أداء الحركات الماهرة والدقيقة)، يعكس وجود صعوبة بالغة في أداء الحركات النطقية الماهرة اللازمة للكلام.

وقال الدكتور محمد بركة، في تصريح خاص لوكالة أنباء الشرق الأوسط، اليوم السبت، إن الخلل في حالات الأبركسيا الكلامية لا يعود مطلقاً إلى وجود شلل أو ضعف في العضلات أو الجهاز الحركي أو الحسي أو المخيخ المسئول عن التناسق الحركي، بل يعود عند أعلى مستويات الجهاز الحركي (جهاز التخطيط والبرمجة الحركية)، السائد حتى على القشرة الدماغية التي تصدر الأوامر النطقية وتبثها عبر الألياف العصبية للأعضاء المسؤولة عن الكلام مثل اللسان والشفتين والفك وسقف الحلق الرخو، موضحاً أن الأبركسيا قد تصيب أيضاً الأطراف والجسم، أو عملية البلع، أو الأداء الكلامي والنطقي.

وأوضح الدكتور بركة أن الأبركسيا الكلامية تصنف كمرض غير شائع التشخيص، نظراً لأنها تستخفي غالباً وتتداخل مع أمراض أخرى أكثر شيوعاً وشهرة مثل "العي" (فقدان الكلام بعد اكتسابه بسبب إصابة الجهاز العصبي المركزي) أو "الحبسة الكلامية"، مما يؤدي إلى عدم إعطائها حجمها الحقيقي، مشيراً إلى أن نسب حدوث الأبركسيا بشكل منفرد تتراوح طبقا للأبحاث العالمية بين شخص إلى شخصين لكل 1000 شخص، بينما ترتفع هذه النسبة لتصل إلى ما بين 5% و6% في حال تداخلها مع الأمراض اللغوية والنطقية.

وأضاف أستاذ أمراض التخاطب أن الأبركسيا الكلامية تنقسم إلى نوعين أساسيين؛ إما "نمائية فطرية" يولد الطفل باستعداد جيني لها وتبدأ أعراضها بالظهور في عمر السنة والنصف تقريباً، أو "مكتسبة" تصيب الأطفال والكبار نتيجة أسباب صحية طارئة مثل الجلات الدماغية، والحوادث، وإصابات الرأس، والتهابات المخ والأغشية المحيطة به، أو الأورام الدماغية التي تشغل مساحة داخل الجمجمة.

وأشار الدكتور بركة إلى أن التحليل السمعي لكلام مريض الأبركسيا يكشف عن مظاهر ملفتة للغاية؛ حيث يكون المريض مدركاً تماماً لحالته وللأخطاء التي يرتكبها دون أن يقدر على التنبؤ بها أو منعها، وتظهر على كلامه أشكال متعددة من الأمراض والاعتلالات مثل التحريف، أو الحذف، أو الإضافة، أو الإبدال في الأصوات الكلامية (الفونيمات). وشدد على أن أهم ما يميز الأبركسيا عن غيرها من أمراض النطق هو "عدم ثبات الخطأ"، إذ يُنطق الصوت أو الكلمة ذاتها بطرق خاطئة مختلفة وغير متوقعة في كل مرة يُعاد فيها محاولة النطق.

ولفت إلى أن صعوبة النطق تزداد بصورة طردية كلما كانت الكلمات طويلة أو متعددة المقاطع، أو عندما يتزايد التوتر العصبي وتركيز الانتباه على المريض أثناء الحديث، كاشفاً عن اختبارات تشخيصية دقيقة يُلجأ إليها لقياس قدرة المريض على أداء الحركات المتسلسلة والتبادلية والإطار اللحني (التنغيم) بين الأصوات الأمامية والخلفية (مثل تتابع أصوات: با - تا - كا / PA - TA - KA)، للوقوف على مدى كفاءة التنسيق والنطق المتتابع لدى المريض.

وأكد الدكتور بركة أن الخطة العلاجية للأبركسيا الكلامية تعتمد بالأساس على مبدأ "التكامل بين الحس والحركة"، حيث ثبت علمياً أن المعالجة الحسية (سواء الحس السطحي كاللمس والحرارة، أو العميق كأحساس المفاصل والعضلات، أو الخاص كالبصر والسمع) تُسهم بشكل مباشر في تحسين وإعادة بناء الأداء الحركي لأعضاء النطق، مشدداً على ضرورة البدء بعلاج السبب العضوي إن وجد، ثم إجراء تدريبات التسهيل (Facilitation) والتأهيل لأعضاء الكلام (اللسان، الشفتين، الفك، سقف الحلق الرخو).

واختتم الدكتور محمد بركة تصريحاته بالتشديد على أهمية التدريب على الحركات المتسلسلة والتبادلية للأصوات النطقية وتعميمها تدريجياً لتبدأ من الصوت المنفرد، ثم الكلمات والمقاطع المتعددة، وصولاً إلى الجمل والمحادثة الكاملة، داعياً إلى رفع الوعي المجتمعي والطبّي بهذا المرض لضمان الاكتشاف المبكر وتقديم البرنامج التأهيلي المناسب، بما يمنح المرضى فرصة حقيقية لاستعادة التوافق النطقي وتسهيل اندماجهم الأكاديمي والاجتماعي وجودة الحياة.