رئيس مجلس الادارة

عمــر أحمــد ســامي

رئيس التحرير

طــــه فرغــــلي


مضيق هرمز قلب المفاوضات.. شروط إيران ترسم مسار التهدئة أو عودة التصعيد

9-8-2026 | 15:47


مضيق هرمز

محمود غانم

يواصل مضيق هرمز تصدّر المشهد الإقليمي والدولي، مع اقتراب المفاوضات الإيرانية-العُمانية من بلورة تفاهمات بشأن استئناف حركة الملاحة البحرية عبر أحد أهم الممرات المائية في العالم، إلا أن طهران وضعت شروطًا سياسية واقتصادية مقابل إعادة فتح المضيق، محوّلةً هذا الملف الحيوي للاقتصاد العالمي إلى ورقة ضغط في مواجهة الولايات المتحدة، وسط ترقّب دولي لما ستؤول إليه المحادثات والموقف الأمريكي من المطالب الإيرانية.

غير أن التوصل إلى اتفاق لا يمثل، بالنسبة إلى طهران، العامل الحاسم لإعادة فتح مضيق هرمز، إذ ربط وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي هذه الخطوة بتحقق شروط أخرى، من بينها حصول إيران على تعويضات من الولايات المتحدة.

وفي المقابل، يتلخص الموقف الأمريكي في خيارين رئيسيين: إما التوصل إلى اتفاق يفضي إلى إعادة فتح المضيق واستئناف حركة الملاحة، وإما فشل المفاوضات، بما قد يعني استئناف العمليات العسكرية من جديد.

وبين هذا وذاك، تتأكد أهمية التوصل إلى تفاهمات بشأن مضيق هرمز خلال المفاوضات الإيرانية-العُمانية، باعتبارها عاملًا حاسمًا في تحديد مسار المرحلة المقبلة، وما إذا كانت المنطقة ستتجه نحو تثبيت فرص السلام والتهدئة، أم العودة إلى التصعيد والاقتتال.

مسار المفاوضات

وفي غضون ذلك، قال الدكتور محمد عبد الحميد الزهار، الخبير الاستراتيجي في الشؤون الدولية، إن التطورات الأخيرة حول مضيق هرمز تمثل واحدة من أهم حلقات الصراع الحالي بين إيران والولايات المتحدة، لأن القضية لم تعد مجرد خلاف حول فتح ممر ملاحي، وإنما أصبحت جزءًا من عملية تفاوض أوسع حول شكل الترتيبات الأمنية والسياسية في الخليج ومستقبل العلاقة بين طهران وواشنطن.

واللافت في التطورات الأخيرة، كما يضيف «الزهار» في حديثه لـ«دار الهلال»، أن إيران وسلطنة عُمان اقتربتا من التوصل إلى اتفاق بشأن تنظيم حركة الملاحة ووضع ترتيبات جديدة لعبور السفن عبر المضيق، وهو تطور مهم للغاية؛ لأنه يعني أن هناك قدرة على بناء تفاهمات عملية حتى في ظل استمرار الخلاف السياسي الكبير بين إيران والولايات المتحدة.

لكنه يلفت إلى أنه يجب هنا التمييز بين أمرين: الأول هو التفاهم الإيراني-العُماني بشأن تنظيم حركة الملاحة، والثاني هو قرار إيران بإعادة فتح المضيق بشكل كامل.

ويشير إلى أن إيران نفسها تؤكد أن التوصل إلى اتفاق مع سلطنة عُمان لا يعني بالضرورة إعادة فتح المضيق، وأن القرار النهائي مرتبط باستجابة الولايات المتحدة لمطالب طهران، موضحًا أن هذا يكشف أن سلطنة عُمان تؤدي دور الوسيط والقناة التي تمر من خلالها التفاهمات، ولكنها لا تملك وحدها مفاتيح التسوية النهائية.

ويعتقد الخبير الاستراتيجي في الشؤون الدولية أن أهمية الدور العُماني تتجاوز مسألة الوساطة التقليدية، لأن مسقط نجحت تاريخيًا في الحفاظ على قنوات اتصال بين أطراف متخاصمة، وهو أمر شديد الأهمية في الأزمة الحالية، خصوصًا أن وزير الخارجية الإيراني أكد في التاسع من أغسطس أنه لا توجد في الوقت الراهن مفاوضات مباشرة بين طهران وواشنطن، وأن الرسائل تنتقل بين الطرفين من خلال الوسطاء.

أما الولايات المتحدة فهي الطرف الأكثر تأثيرًا في المعادلة، لأنها تريد إعادة حركة الملاحة إلى طبيعتها، لكنها في الوقت نفسه لا تريد أن يتحول الاتفاق إلى اعتراف بوضع جديد تصبح فيه إيران صاحبة القرار المنفرد في تحديد قواعد المرور داخل المضيق، حسبما يقول.

وهنا تكمن العقدة الحقيقية في المفاوضات، وفق الزهار، فالقضية ليست فقط: هل سيفتح مضيق هرمز؟ وإنما: من سيحدد قواعد الحركة بعد فتحه؟ ومن يراقب السفن؟ ومن يحدد إجراءات العبور؟ ومن يتحمل مسؤولية تأمين الملاحة؟

ولهذا فإنه يرى أن مفاوضات هرمز أصبحت في حقيقتها مفاوضات على قواعد النفوذ في الخليج، وليس فقط على حركة السفن.

الشروط الإيرانية

وحسب الزهار، فإن الشروط الإيرانية تعكس رغبة واضحة من جانب طهران في تحويل مضيق هرمز من نقطة ضغط عليها إلى ورقة قوة تفاوضية في مواجهة الولايات المتحدة.

وفي المقابل، يقول إن إيران تدرك جيدًا أن المضيق ليس ممرًا إيرانيًا خالصًا، وإنما ممر استراتيجي دولي ترتبط به مصالح اقتصادية وأمنية لدول كثيرة، ولذلك فإن قدرتها على التأثير في حركة الملاحة تمنحها ورقة تفاوضية شديدة القوة في هذه المرحلة.

ولفت إلى أن طهران أعلنت بوضوح أن إعادة فتح المضيق مرتبطة بعدد من المطالب، من بينها وقف الأعمال والتهديدات العسكرية الأمريكية، ورفع العقوبات والحصار، والإفراج عن الأصول الإيرانية المجمدة، ودفع تعويضات عن الأضرار التي تقول إيران إنها تعرضت لها.

وفي رأيه، فإن المطالبة بالتعويضات تحديدًا تحمل بُعدًا سياسيًا أكبر من بُعدها المالي، لأن قبول الولايات المتحدة بمبدأ التعويضات بصورة مباشرة يمكن أن يُنظر إليه باعتباره اعترافًا بالمسؤولية عن الأضرار التي لحقت بإيران، وهو أمر بالغ الصعوبة على أي إدارة أمريكية.

وفي تقديره، فإن هذه النقطة ستكون من أكثر نقاط التفاوض تعقيدًا، وأن تبحث الأطراف عن صيغ بديلة تحقق لإيران مكاسب اقتصادية حقيقية دون أن تقدم الولايات المتحدة الأمر في صورة تنازل سياسي مباشر.

لكن في المقابل، يقول إن هناك نقطة أعمق من مسألة التعويضات، وهي مسألة السيطرة على حركة الملاحة؛ فالمعلومات التي ظهرت خلال الأيام الماضية تشير إلى وجود خلافات حول طبيعة السيطرة على حركة السفن، وحول الرسوم التي يمكن أن تُفرض على السفن العابرة للمضيق، حيث طرحت إيران رسومًا أعلى، بينما ناقشت سلطنة عُمان رسومًا أقل، في حين ترفض الولايات المتحدة فكرة فرض رسوم على المرور.

وهذا يكشف جوهر الخلاف، كما يضيف الزهار، فإيران تريد أن تخرج من الأزمة وهي صاحبة دور أساسي في تنظيم حركة الملاحة، بينما تريد الولايات المتحدة ودول الخليج منع تحول هذا الدور إلى سيطرة سياسية أو اقتصادية دائمة على واحد من أهم الممرات البحرية في العالم.

ولذلك يرى أن المفاوضات الحقيقية ليست حول فتح المضيق فقط، وإنما حول شكل المضيق بعد فتحه، مؤكدًا أن هذه نقطة سوف يكون لها تأثير مباشر على مستقبل التوازن الاستراتيجي في الخليج.

ماذا يعني التوصل إلى اتفاق؟

ويعتقد الزهار أنه إذا تم التوصل إلى اتفاق قابل للتنفيذ بشأن مضيق هرمز، فسوف يكون ذلك تطورًا سياسيًا مهمًا للغاية، لأنه سيعني أن الأطراف استطاعت الانتقال، ولو بصورة جزئية، من منطق المواجهة إلى منطق التفاهم.

لكنه يشير إلى أنه يجب ألا نخلط بين اتفاق تنظيم الملاحة وبين اتفاق إنهاء الحرب أو تسوية الصراع، موضحًا أن فتح المضيق لا يعني تلقائيًا انتهاء المواجهة، وإنما يمكن أن يكون خطوة أولى لبناء الثقة بين الأطراف.

وأوضح أنه إذا عادت السفن إلى المرور بصورة آمنة ومنتظمة، وإذا توقفت عمليات استهداف السفن، وإذا تراجعت الإجراءات العسكرية المتبادلة، فسوف تتشكل بيئة سياسية أكثر ملاءمة للانتقال إلى ملفات أكبر وأكثر تعقيدًا.

وهنا يمكن أن يتحول مضيق هرمز من نقطة صراع إلى نقطة انطلاق نحو تسوية أوسع، وفق الزهار.

ويرى أن الملفات الحقيقية التي تقف وراء الأزمة أكبر من المضيق نفسه، وتشمل العقوبات، والبرنامج النووي الإيراني، والضمانات الأمنية، ومستقبل الوجود العسكري الأمريكي في الخليج، وترتيبات الأمن الإقليمي.

ولذلك فإنه يعتقد أن نجاح الوساطة العُمانية يمكن أن يمثل اختبارًا مهمًا لإمكانية بناء تفاهم أوسع بين إيران والولايات المتحدة.

وأكد أن فتح المضيق سيكون له أثر مباشر على الاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة وحركة التجارة الدولية، لأن استمرار اضطراب الملاحة في هذا الممر لا يضر إيران أو دول الخليج فقط، وإنما يرفع تكلفة الطاقة والنقل والتأمين على مستوى العالم.

وهنا يلفت إلى أن التوصل إلى اتفاق سيعطي رسالة سياسية واقتصادية مهمة بأن المنطقة بدأت تتحرك من مرحلة التصعيد إلى مرحلة احتواء الأزمة.

واستدرك قائلًا: «نجاح الاتفاق لن يُقاس فقط بفتح المضيق، وإنما بقدرته على الاستمرار»، مشيرًا إلى أن الهدف الحقيقي يجب أن يكون الوصول إلى تفاهم يضمن حرية الملاحة ويمنع استخدام المضيق مستقبلًا كأداة للضغط السياسي، وفي الوقت نفسه يضمن عدم تحويل أمن الخليج إلى مسألة تخضع لإرادة قوة واحدة.

ماذا يعني فشل المفاوضات؟

فشل المفاوضات في هذه المرحلة، حسب الزهار، سيكون تطورًا خطيرًا، لأنه لن يعني فقط استمرار أزمة الملاحة، وإنما قد يعني انهيار إحدى أهم قنوات الاتصال الموجودة حاليًا بين الأطراف.

ومع ذلك، لا يعتقد أن فشل المفاوضات سيؤدي بالضرورة إلى عودة الحرب الشاملة بصورة فورية، لأن جميع الأطراف تدرك أن تكلفة الحرب المفتوحة أصبحت مرتفعة للغاية.

لكن الخطر الحقيقي، كما يضيف، هو الدخول في مرحلة من التصعيد التدريجي؛ أي استمرار الضغوط العسكرية والاقتصادية، واستمرار تقييد الملاحة، وظهور عمليات جديدة ضد السفن، ثم الرد عليها بإجراءات عسكرية أو اقتصادية، موضحًا أن هذا النوع من التصعيد قد يكون أخطر من المواجهة المباشرة، لأنه يمكن أن يستمر لفترة طويلة ويستنزف جميع الأطراف.

وشدد على أن التطورات الميدانية الأخيرة تؤكد أن مستوى الثقة لا يزال منخفضًا للغاية رغم التقدم في المفاوضات؛ ففي الوقت الذي تتحدث فيه إيران وسلطنة عُمان عن الاقتراب من اتفاق بشأن ترتيبات الملاحة، لا تزال هناك حوادث بحرية وتوترات عسكرية في المنطقة، وهذا يعني أن المسار السياسي لم يصبح بعد أقوى من المسار العسكري.

ولهذا يشير إلى أن الأولوية الآن يجب أن تكون للحفاظ على قنوات التفاوض وعدم السماح بانهيارها.

واعتقد أن هناك فرصة حقيقية أمام الوساطة العُمانية لكي تتحول من مجرد وساطة لفتح المضيق إلى وساطة لإعادة بناء الثقة بين إيران والولايات المتحدة، مؤكدًا أن المنطقة لا تحتاج إلى هدنة مؤقتة فقط، وإنما تحتاج إلى إطار سياسي يمنع تكرار الأزمة.

وفي تقديره، فإن المعادلة الأساسية الآن هي أن فتح مضيق هرمز يمكن أن يكون بداية للتهدئة، لكن التهدئة وحدها هي التي تستطيع ضمان استمرار فتح المضيق.

ولهذا فإن المطلوب ليس فقط أن تعبر السفن، كما يقول، وإنما أن يتم الاتفاق على قواعد واضحة ومستقرة للملاحة، وأن تكون هناك ضمانات تمنع العودة إلى استخدام المضيق كورقة ضغط في أي أزمة مقبلة.

وفي النهاية، يشير إلى أن أزمة مضيق هرمز كشفت أن الأمن في الخليج لم يعد قضية إقليمية منفصلة عن الأمن الدولي، وإنما أصبح مرتبطًا مباشرة بأمن الطاقة والتجارة العالمية، مؤكدًا أن أي تسوية حقيقية يجب أن تقوم على التوازن بين أمن الملاحة وحقوق دول المنطقة، وعدم السماح بتحويل الممرات الدولية إلى أدوات للصراع السياسي.

واختتم حديثه مشددًا على أن نجاح الوساطة العُمانية في هذه اللحظة يمكن أن يمثل نقطة تحول حقيقية، إذا استطاعت أن تنقل الأطراف من مجرد إدارة أزمة هرمز إلى معالجة جذور الأزمة التي أدت إلى إغلاقه في الأساس.