البخاري شيخ المحدثين.. معارك لا تنتهي
د. أحمد نبوي
إن كتاب “الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله ﷺ وسننه وأيامه” المشهور بـ”صحيح البخاري”، أحد أعظم المنجزات العلمية التي عرفتها الحضارة الإسلامية، إذ إنه ثمرة مشروع علمي بالغ الدقة، اجتمعت فيه سعة الرواية، وعمق النقد، ودقة المنهج، حتى أصبح نموذجًا فريدًا في البحث التاريخي والتحقيق العلمي.
ومن هنا فإن فَهم مكانة صحيح البخاري يبدأ بفهم المنهج الذي أُلف به، والطريق الذي سلكه مؤلفه في اختيار مادته العلمية، إذ إن قيمة أي عمل علمي إنما تُقاس أولًا بمنهجه قبل نتائجه.
كيف جمع الإمام البخاري صحيحه؟
نشأ الإمام محمد بن إسماعيل البخاري في بيئة كان طلب العلم فيها يقوم على الرحلة، ولم يكن طالبُ الحديث يكتفي بما يسمعه في بلده، بل يشد الرحال إلى الأمصار والأقطار، فارتحل البخاري منذ حداثة سنه والتقى مئات الشيوخ، وسمع منهم، وقابل روايات بعضهم ببعض، حتى تكوَّنت لديه ثروة حديثية هائلة.
ولما رام البخاري أن يصنف كتابًا اقتصر على أعلى درجات الصحيح، فكان عمله اختيارًا وانتقاءً، حتى استقر في كتابه ما رآه مستوفيًا لأعلى شروط الصحة، واستغرق في تأليفه نحو ست عشرة سنة، وهي مدة تكشف عن طبيعة المشروع؛ إذ لم يكن المقصود تدوين النصوص فحسب، بل مراجعتها، والموازنة بينها، وترتيبها في أبواب فقهية محكمة، حتى أصبح الكتاب بناءً علميًا متماسكًا، يجمع بين صحة الرواية ودقة الاستنباط.
وكان إذا أراد أن يكتب حديثًا في صحيحه توضأ، وصلى ركعتين، ثم استخار الله تعالى قبل إثباته، وهي طريقة تكشف عن مقدار الشعور بالمسئولية، وإدراكه أن نسبة حديث إلى رسول الله ﷺ ليست شأنًا علميًا مجردًا، بل أمانة دينية وأخلاقية تستوجب غاية التثبت والتحري.
المنهج العلمي الذي اتبعه الإمام البخاري
إن الإمام البخاري لم ينشئ قواعد نقد الحديث من عنده، وإنما ورث منهجًا علميًّا متكاملًا عن شيوخه، ثم مارسه بأعلى درجات الدقة والانضباط. وقد قام منهجه على أصول رئيسة، في مقدمتها التحقق من اتصال السند، وعدالة الرواة، وكمال ضبطهم، وسلامة الرواية من الشذوذ والعلة القادحة. ولم يكن يكتفي بمجرد إمكان اللقاء بين الراوي وشيخه، بل كان يميل إلى التشدد في إثبات السماع والاتصال، ولذلك عُدَّ شرطه في الصحيح من أدق الشروط التي التزمها أصحاب كتب الحديث.
وقد جعل لكل باب ترجمة تحمل معنى فقهيًا، ثم أورد تحتها من الأحاديث ما يدل على ذلك المعنى بطريق التصريح أو الإشارة أو الاستنباط.
كيف وصل صحيح البخاري إلينا؟
كان الإمام البخاري يُحدِّث بكتابه في حياته، ويقرؤه على طلابه في مجالس العلم، فيسمعونه منه مباشرة، ثم ينسخونه ويقابلون نسخهم بالأصل، شأن جميع المصنفات الحديثية الكبرى في ذلك العصر. حتى قال محمد بن يوسف الفِرَبْرِي – وهو أشهر تلامذته ورواة صحيحه -: «سمع كتاب الصحيح من محمد بن إسماعيل البخاري تسعون ألفًا».
وليس المقصود من هذا الخبر مجرد الإشارة إلى انتشار الكتاب، وإنما الدلالة على أنه خرج إلى الناس في حياة مؤلفه، وتلقاه عنه عدد كبير من أهل العلم، فلم يكن كتابًا مجهول الأصل، ولا نسخة يتيمة انفرد بها راوٍ واحد.
ومع أن رواية الفِرَبْرِي من أشهر الروايات التي وصل من خلالها الصحيح، فإنها لم تكن الطريق الوحيد إليه؛ فقد رواه عن البخاري عدد من أصحابه، وانتقلت نسخه إلى مختلف الأمصار الإسلامية، وتداولها الحفاظ بالمقابلة والتصحيح.
وقد وصل إلينا صحيح البخاري عبر شبكة واسعة من الرواة والحفاظ والنساخ، أحاطت نصه بعناية دقيقة، وحفظته جيلاً بعد جيل.
ونؤكد هنا على نقطة جوهرية مفصلية وهي أن الأحاديث التي تضمنها الصحيح ليست معزولة عن بقية مصادر السنة، بل إن عامة أحاديثه مروية أيضًا في دواوين الحديث الأخرى، كصحيح مسلم، والسنن، والمسانيد، والمعاجم، وإن اختلفت الأسانيد أو الألفاظ أو مواضع التخريج. وهذا التعدد في طرق النقل من أهم وسائل التوثيق عند المحدثين.
كيف ينبغي أن نقرأ صحيح البخاري؟
إذا كان صحيح البخاري قد أُلِّف وفق منهج علمي بالغ الدقة، فإن قراءته كذلك تحتاج إلى منهج يراعي طبيعة الكتاب ومقاصده، ولا يتعامل معه بوصفه كتابًا أدبيًا أو تاريخيًا مجردًا. فلكل علم أدواته، ولكل مصنف سياقه الذي لا تُفهم نصوصه إلا في إطاره.
وأول ما ينبغي إدراكه أن صحيح البخاري كتاب حديث وفقه معًا، وليس مجرد مجموعة من الروايات المتتابعة. ولذلك فإن ترتيب أبوابه، واختياره لعناوينها، وطريقة توزيعه للأحاديث فيها، كلها تحمل دلالات علمية مقصودة. وقد أدرك العلماء هذه الحقيقة حتى قالوا: «فقه البخاري في تراجمه»؛ إشارة إلى أن كثيرًا من اجتهاداته الفقهية تظهر في عناوين الأبواب قبل أن تظهر في متن الحديث نفسه؛ لأن عناوين الأبواب لم تكن مجرد عناوين تنظيمية، بل كانت خلاصة اجتهاد فقهي عميق، يكشف عن قدرة مؤلفه على الجمع بين الرواية والدراية.
ومن المهم أيضًا أن تُقرأ الأحاديث في ضوء مجموع السنة، لا بمعزل عنها؛ لأن المحدثين والفقهاء لم يكونوا يبنون الأحكام على حديث منفرد إذا وجد ما يفسره أو يقيده أو يخصصه في روايات أخرى. وكذلك ينبغي مراعاة أسباب ورود الحديث، وملابساته، وسياقه التاريخي واللغوي، فإن كثيرًا من الإشكالات التي تُثار في العصر الحاضر ترجع إلى اقتطاع النص من سياقه، أو قراءته بعقلية معاصرة مجردة من أدوات الفهم التي اعتمدها علماء الحديث والفقه والأصول.
ومن هنا فإن القراءة المنهجية لصحيح البخاري ليست قراءة انتقائية تبحث عن نصوص توافق موقفًا سابقًا، وإنما قراءة علمية تتعامل مع الكتاب بوصفه جزءًا من منظومة معرفية متكاملة، لها مصطلحاتها وقواعدها وأصولها.
لماذا عُدَّ صحيح البخاري أصح كتاب بعد القرآن الكريم؟
لقد استقر رأي جمهور علماء الأمة من بعد القرن الخامس الهجري على أن صحيح الإمام البخاري هو أصح الكتب بعد كتاب الله تعالى. ولم يكن هذا الحكم تعبيرًا عن تقديس شخص الإمام البخاري، ولا عن إغلاق باب البحث، وإنما كان نتيجة تقييم علمي استمر قرونًا، اشترك فيه كبار أئمة الحديث ونقاده.
ويرجع هذا التقديم إلى أسباب متضافرة، في مقدمتها دقة الشروط التي التزمها البخاري في قبول الرواية، وقد بلغ من احتياطه أنه ترك عددًا كبيرًا من الأحاديث الصحيحة التي لم ير إدراجها في كتابه، لأن غايته لم تكن استيعاب الصحيح كله، بل جمع أصح ما ثبت عنده.
ثم إن هذا الكتاب لم يكتسب مكانته بمجرد ظهوره، بل ظل قرونًا طويلة محل دراسة وتمحيص، فتناوله الحفاظ بالشرح، والنقد، والموازنة، والاستدراك، وبحثوا في أسانيده ومتونه، حتى غدا أكثر كتب السنة خدمةً في تاريخ الإسلام. ولو كان في الكتاب ما يقدح في أصله أو يسقط الثقة بمنهجه، لكان أول من كشف ذلك هم أولئك النقاد الذين كرَّسوا أعمارهم لخدمة السنة وتمحيص رواياتها.
ومن هنا فإن وصف صحيح البخاري بأنه أصح كتاب بعد القرآن، إنما هو خلاصة تقويم علمي طويل، قامت به أجيال متعاقبة من أهل الاختصاص، مع بقاء باب البحث العلمي مفتوحًا في المسائل الجزئية وفق أصول النقد وقواعده، دون أن يمس ذلك المكانة العامة التي حازها الكتاب عبر تاريخه.
هل يجوز نقد صحيح البخاري؟
إن صياغة هذا السؤال قد توحي أحيانًا بأن الكتاب ظل خارج دائرة البحث العلمي، أو أن مكانته عند العلماء تعني منعه من الدراسة والمراجعة، وهذا تصور لا ينسجم مع طبيعة المنهج العلمي الذي نشأت عليه علوم الحديث نفسها.
فالحقيقة أن صحيح البخاري كان منذ ظهوره موضع عناية العلماء ونظرهم، فلم يتعاملوا معه باعتباره نصًا مغلقًا لا تجوز مناقشته، وإنما درسوه وشرحوه وحققوا رواياته، وبحثوا في مسائله الحديثية والفقهية. ومن أشهر ذلك ما صنعه الإمام الدارقطني في كتابيه "الإلزامات والتتبع"، حيث ناقش بعض الأحاديث التي رأى أن فيها مجالًا للنظر، وكان هذا العمل نفسه دليلًا على حيوية المنهج النقدي عند علماء المسلمين.
بيد أن الفارق الجوهري يكمن في طبيعة النقد وأدواته؛ فالنقد العلمي ليس موقفًا نفسيًّا من الكتاب أو المؤلف، وليس مجرد إعلان الاعتراض، وإنما هو عملية معرفية لها شروطها وضوابطها. فلا يمكن أن يُنقد حديث من أحاديث الصحيح بمعزل عن علوم الإسناد، ومعرفة أحوال الرواة، وطرق التخريج، وقواعد العلل، ودقائق اللغة والسياق. ومن يقتحم هذا المجال بغير أدواته قد لا يصل إلى نقد النص، بل إلى نقد تصوره الخاص عن النص.
إن السؤال الصحيح ليس: هل يجوز نقد البخاري؟ وإنما: ما المنهج الذي ينبغي أن يُتبع في نقده؟ فإذا كان النقد قائمًا على العلم والتخصص والدليل، فهو امتداد طبيعي للمسيرة العلمية التي عرفها التراث الإسلامي. أما إذا قام على الهوى، أو على القراءة الانتقائية، أو على تجاهل قواعد الفن الذي يُراد نقده، فإنه يتحول من بحث علمي إلى مجرد انطباع شخصي.
هل يجب تنقية صحيح البخاري اليوم؟
تظهر بين حين وآخر دعوات تتحدث عن ضرورة "تنقية" صحيح البخاري، وكأن الكتاب لم يخضع من قبل للفحص والتمحيص، أو كأن الأمة قد تلقت هذا المصنف عبر تاريخها الطويل دون مراجعة أو دراسة، رغم أن النظر في تاريخ الكتاب يكشف أن مفهوم التنقية قد بدأ مع الإمام البخاري نفسه قبل أن يصل كتابُهُ إلى أيدي الناس.
فالبخاري لم يجمع في صحيحه كل ما وصل إليه من الروايات، بل كان شديد الانتقاء، يختار من بين عدد هائل من المرويات ما استوفى عنده شروط الصحة، ويترك كثيرًا مما لا يراه مناسبًا لمنهجه أو لا يبلغ الدرجة التي اشترطها لكتابه. ومن ثم فإن الصحيح هو ثمرة عملية اختيار علمي دقيق.
ثم جاءت بعد ذلك قرون طويلة من العناية بالكتاب، حتى أصبح أكثر الكتب التي نالت نصيبًا من البحث والتحليل في تاريخ المكتبة الإسلامية. وهذه العناية المتراكمة تمثل في حقيقتها صورة من صور المراجعة العلمية المستمرة التي تحفظ للكتاب مكانته، وتكشف عن مواطن البحث فيه.
ولهذا فإن الحديث عن "تنقية" صحيح البخاري بصيغة عامة يفتقر إلى الدقة؛ لأنه يتجاهل تاريخًا طويلًا من النقد العلمي الذي مارسه علماء الأمة على الكتاب؛ لأن المشكلة ليست في وجود النقد، بل في غياب المنهج، فكل كتاب بشري يمكن أن يكون محل دراسة، لكن الدراسة العلمية لا تبدأ من التشكيك، وإنما تبدأ من الفهم. ولا يكون التعامل مع التراث بإسقاطه أو تقديسه، بل بقراءته قراءة واعية تستوعب سياقه التاريخي ومنهجه العلمي وقيمته المعرفية.
وخلاصة القول:
إن قصة صحيح البخاري ليست قصة كتاب جمع أحاديث ثم انتشر، وإنما قصة مشروع علمي متكامل، حتى أصبح أحدَ أبرز الشواهد على قدرة الحضارة الإسلامية على بناء منظومة دقيقة لحفظ المعرفة؛ من أجل ذلك سيبقى صحيح البخاري نموذجًا فريدًا في تاريخ التأليف الإسلامي؛ ليس لأنه كتاب لا يُبحث، وإنما لأنه كتاب بُحث كثيرًا، ونال من عناية العلماء ما لم ينله كتاب مثله، وإن أفضل طريقة للتعامل معه ليست الدعوة إلى هدمه أو إعادة تشكيله خارج سياقه، وإنما قراءته قراءة علمية واعية، تدرك قيمته، وتفهم منهجه، وتفتح باب البحث الرصين بعيدًا عن الإفراط والتفريط.