البخاري في زمن الترند.. لماذا يظل «الصحيح» ساحة جدل لا تهدأ؟
د. إبراهيم نجم,
في مساء من مساءات رمضان الماضي، كنت أتابع - كما يتابع كثيرون - حلقة تلفزيونية جمعت ضيفين: أحدهما يهاجم “صحيح البخاري” بلغة حادة، يُخيَّل للمشاهد منها أن الكتاب اكتُشفت فيه عيوب كثيرة، والآخر يرد بلغة الدفاع المطلق التي لا تحتمل سؤالًا واحدًا. بين الهجوم الذي يستهين، وبين الدفاع الذي يقدس، ضاع المشاهد العادي، وضاع معه سؤال مشروع كان يستحق جوابًا هادئًا: ما هذا الكتاب الذي يثير كل هذا الجدل؟ ولماذا لا يهدأ الجدل حوله منذ أن ظهر إلى اليوم، عبر المطابع، ثم عبر الشاشات، ثم عبر منصات التواصل؟
تلك اللحظة التلفزيونية تتكرر في كل موسم، برمضان أو بغيره، وكأن "البخاري" موضوع لا يُستهلك، صالح دائمًا لصناعة الحلقة، والعنوان، والمقال. وبين هذا وذاك، تبقى الحقيقة العلمية أعمق وأكثر تركيبًا من أيٍّ من طرفي الجدل، وهي ما سنحاول أن نقترب منه في هذه السطور، لا بلغة المحاضرة الجامعية، بل بلغة من عاش مع هذا الكتاب سنوات طويلة، قارئًا، وشارحًا، ومدافعًا عن حق النقد فيه في آن واحد.
شيخ المحدثين ومعاركه التي لم تهدأ
محمد بن إسماعيل البخاري، المولود في بخارى سنة 194 للهجرة، ليس شخصية هادئة العيش، كما يُخيَّل لبعضنا حين يسمع "الإمام"، فيتصوره جالسًا في زاوية مسجد بعيدًا عن ضجيج الحياة. كان رجلًا طاف الأقاليم من بخارى إلى العراق، والحجاز، والشام، ومصر، يلتقي الشيوخ ويكتب عنهم، ويُمتحن أمام كبار علماء عصره في مجالس علنية كانت تشبه، إلى حد ما، "المناظرات" المعاصرة، حيث يقلب الممتحنون له متون الأحاديث وأسانيدها ليختبروا حفظه وفهمه، فلا يتلعثم ولا يخطئ.
وقد واجه في حياته خصومات حقيقية، بعضها علمي محض حول مسائل في الحديث والفقه، وبعضها اتصل بعلاقته بأهل السلطة. كما انتهى خلافه مع شيخه محمد بن يحيى الذهلي في نيسابور إلى انفضاض كثيرين عن مجلسه، ثم اضطر إلى مغادرة بخارى، حتى توفي غريبًا عن موطنه الأول في قرية قريبة من سمرقند.
هذه السيرة المضطربة تكشف أمرًا مهمًا: أن "الجدل" لم يكن غريبًا عن البخاري نفسه في حياته؛ فهو رجل عالم عاش وسط بيئة علمية شديدة التنافس، حيث يتفاوت العلماء، ويتناقشون، ويتنافسون على الدقة، وليس رجلًا وُضع فوق النقاش بقرار متأخر.
وهذا بالضبط ما يغيب عن كثير من الصورة الإعلامية المعاصرة، التي تقدم البخاري تارةً كقديس فوق البشرية، وتارةً كخصم يجب إسقاطه، بينما هو، في الحقيقتين التاريخيتين معًا، عالم كبير عاش معاركه العلمية بشجاعة، وقُبل عمله بعد ذلك تلقيًا واسعًا امتد قرونًا، وهذا التلقي بالذات هو ما يستحق أن نفهمه قبل أن نحكم على الكتاب من عنوان صحفي عابر.
كيف وُلد “الجامع الصحيح”؟
من الشائع أن نسمي كتاب البخاري "صحيح البخاري"، أو نطلق عليه أحيانًا "مسند البخاري"، وهذا استخدام متداول لا حرج فيه إطلاقًا، لكن من الأمانة العلمية أن نذكر - بلا تعالٍ ولا تصحيح لأحد - أن اسمه العلمي المروي أدق وأوسع دلالة: "الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه".
وهذا الاسم الطويل ليس حشوًا لغويًا، بل هو، في الحقيقة، وصف دقيق لمنهج الكتاب؛ فهو "جامع" لأنه لم يقتصر على أبواب العقائد أو الأحكام فقط، بل جمع أبواب الإيمان، والعبادات، والمعاملات، والسيرة، والتفسير، والأدب، وغيرها. وهو "مسند" لأن مقصوده الأصلي الأحاديث الموصولة إلى النبي صلى الله عليه وسلم. وهو "صحيح" لأن مؤلفه قصد إلى انتقاء ما ثبتت صحته وفق شروطه الدقيقة. وهو "مختصر" لأنه انتخب من ذخيرة هائلة بلغت، بحسب ما نُقل عنه، مئات آلاف الروايات.
وقد جاوزت أحاديث الكتاب سبعة آلاف عند عدِّ المكرر، أما الأحاديث المرفوعة الموصولة بلا تكرار، فهي في حدود ألفين وستمائة حديث، وهذا الاختصار نفسه دليل على جهد اختياري مضاعف، لا على عمل عشوائي أو جمع سريع.
يروي البخاري عن نفسه أنه لم يكتب حديثًا في كتابه إلا بعد أن يتوضأ ويصلي ركعتين يستخير الله فيهما، وهذه التفصيلة، سواء أخذناها على ظاهرها التام أو فهمناها تعبيرًا عن شدة تحريه، تكشف طبيعة العلاقة النفسية التي أقامها المصنف مع مادته؛ فلم يكن ناقلًا محايدًا يجمع كل ما وصله، بل كان "محررًا"، بالمعنى الصحفي للكلمة، يغربل مادة هائلة بمعيار صارم قبل أن يقدمها للناس.
وهذه الحقيقة بذاتها تفسر جانبًا من قوة الكتاب، وجانبًا من الجدل حوله معًا؛ فالانتقاء الصارم يعني ثقة عالية في كل ما اختير، لكنه يعني أيضًا أن هناك اجتهادًا بشريًا وراء كل اختيار، والاجتهاد البشري - كما نعلم - قابل للمراجعة والمناقشة في تفاصيله، وإن كان صائبًا في جملته وغالبه.
منهج الانتقاء: صرامة لم تكن معهودة قبله
الأهم من قصة التأليف هو المنهج الذي اتبعه البخاري في قبول الحديث ورفضه؛ لأن هذا المنهج هو مصدر المكانة العلمية للكتاب أكثر من أي شيء آخر.
تحرَّى البخاري اتصال السند وثبوت السماع بين الراوي وشيخه تحريًا بالغًا، وقد اشتهر عند طائفة من العلماء التعبير عن ذلك باشتراط ثبوت اللقاء، بينما ناقش المحققون المتأخرون دقة هذا الإطلاق وتفاصيله.
وفي جميع الأحوال، لم تكن المعاصرة النظرية عنده بابًا للتساهل، بل كان يبحث في تواريخ الرواة، ورحلاتهم، وإمكان أخذ بعضهم عن بعض.
كما اشترط في الراوي العدالة والضبط معًا، فلا يكفي أن يكون صادقًا في حياته العامة، بل لا بد أن يكون متقنًا لما يرويه، سليم الأداء من التخليط والاضطراب.
ثم قارن الطرق والألفاظ، وبحث عن الشذوذ والعلل الخفية التي لا تظهر بمجرد النظر إلى ظاهر السند، ومن خلال هذا الفحص المقارن كان نقد المتن حاضرًا داخل نقد الرواية، لا مرحلة منفصلة عنه، ولا حكمًا انطباعيًا يُلقى على النص من خارجه.
هذا المنهج، الذي تناولته دراسة وصفية متخصصة حاولت رصد ملامحه بدقة، لم يكن ترفًا أكاديميًا، بل كان استجابة لحاجة حقيقية في عصر انتشرت فيه الأحاديث الموضوعة والمكذوبة بفعل الصراعات المذهبية والسياسية التي عرفتها القرون الأولى، فاحتاجت الأمة إلى من يفرز هذا الركام الهائل (انظر الدراسة الوصفية لمنهج البخاري).
ومن أهم ملامح منهجه الفني أنه كان يورد الحديث الواحد في أبواب متعددة من كتابه بروايات مختلفة الألفاظ؛ ليستخرج من كل رواية فائدة فقهية تخص الباب الذي وضعه فيه، وهذا ما يُعرف بأسلوب "التراجم الفقهية"، حيث يضع عنوان الباب إشارة إلى فهمه واستنباطه من الحديث، لا لمجرد سرد النص، فيصير الباب نفسه اجتهادًا فقهيًا مصغرًا.
ومن هنا كانت عبارة العلماء المتكررة: "فقه البخاري في تراجمه"، وهي إشارة إلى أن الإمام لم يكن ناقلًا فحسب، بل فقيهًا يمرر اجتهاده عبر طريقة ترتيبه، لا عبر تصريح مباشر دائمًا.
كيف وصل إلينا هذا الكتاب عبر القرون؟
من أكثر الأسئلة التي يتجاهلها الجدل الإعلامي السريع، وهي، في الحقيقة، من أهم الأسئلة العلمية: كيف انتقل هذا الكتاب من يد مؤلفه في القرن الثالث الهجري إلى أيدينا اليوم بعد اثني عشر قرنًا كاملة؟
الجواب هو منظومة متكاملة من التثبت، لا تشبه انتقال أي كتاب أدبي أو تاريخي عادي.
فقد رواه عن البخاري تلاميذه بالسماع المباشر، أي أنهم حضروا وهو يقرأ كتابه، فسمعوه بآذانهم، لا بمجرد نقل ورقي.
ثم تناقلته الأجيال بطريق "المقابلة"، وهي أن يقابل الناسخ نسخته بنسخة شيخه حرفًا حرفًا؛ ليضبط أي خطأ كتابي محتمل، وهذا تقليد استمر قرونًا طويلة قبل عصر الطباعة.
ومن أشهر هذه الروايات المتصلة رواية الفِرَبْري، ورواية النسفي، وغيرهما، وقد تفاوتت بينها فروق لفظية طفيفة جدًا لا تمس جوهر الأحاديث، وهذا التفاوت الطفيف نفسه دليل على واقعية النقل البشري، لا على عيب فيه؛ لأنه لو كان النقل مصطنعًا موحدًا بلا أي فارق، لكان ذلك مثار شك، بينما وجود فروق دقيقة مضبوطة موثقة يدل على نقل حي حقيقي جرى عبر أجيال من النساخ الذين وثقوا كل فارق بدقة متناهية.
ثم جاء طور الشروح، وهو الطور الذي أعاد للكتاب حياة جديدة في كل عصر، فكتب العلماء عشرات الشروح على "الجامع الصحيح"، أشهرها "فتح الباري" لابن حجر العسقلاني، الذي يمثل تتويجًا لقرون من محاولات الفهم، والتفسير، والربط بين الأحاديث وتراجمها، ومناقشة الإشكالات التي طرحها النقاد على مدى الزمن.
وهذه الشروح ليست تكرارًا للنص، بل هي، في جوهرها، عملية "قراءة نقدية" مستمرة، يورد فيها الشارح سؤال المعترض، ثم يجيب عنه، أو يورد التوجيه الفقهي المختلف حول الحديث الواحد.
ثم جاء عصر الطباعة في القرن التاسع عشر، فأعاد نشر الكتاب بشكل واسع، وتلاه في القرن العشرين عصر التحقيق العلمي الحديث، الذي حاول ضبط النسخ، ومقارنتها، وتخريج أحاديثها، وترقيمها، وأخيرًا نعيش اليوم عصر الرقمنة والفهارس الإلكترونية، التي جعلت البحث في الكتاب متاحًا لكل من يريد بضغطة إصبع.
وهذه السلسلة الطويلة - سماع، ونسخ، ومقابلة، وشرح، وطباعة، وتحقيق - هي بالضبط ما يفسر لنا كيف تشكلت مكانة هذا الكتاب عبر الزمن؛ فليست المكانة قرارًا مفاجئًا من جهة سلطوية معينة، بل هي محصلة تراكمية لشبكة تلقٍّ علمي واسعة امتدت أجيالًا، كما تناولته دراسة حديثة تتبعت هذا التشكل عبر المنهج وشبكات التلقي (انظر هذه الدراسة).
كيف نقرأ البخاري قراءة صحيحة؟
هنا نصل إلى سؤال عملي مهم: كيف يقرأ القارئ العادي، غير المتخصص، هذا الكتاب دون أن يقع في فخَّي التقديس الأعمى أو الرفض المتسرع؟
أول قاعدة هي أن الحديث الواحد قد يتكرر في الكتاب في مواضع عدة بألفاظ مختلفة قليلًا، وهذا ليس تناقضًا، كما يظن بعض القراء الجدد، بل هو أسلوب البخاري في "التقطيع"، حيث يقطع الحديث الطويل ليضع كل جزء منه في الباب الذي يناسبه فقهيًا.
فإذا رأى القارئ اختلافًا بين رواية وأخرى للحديث نفسه، فليعلم أنه أمام رواية مختصرة أو مطولة، أو منظورة من زاوية فقهية مختلفة، لا أمام روايتين متعارضتين تنقض إحداهما الأخرى.
القاعدة الثانية أن هناك فرقًا دقيقًا بين ما التزم البخاري بشرطه الصارم فيه، وهو "الأصول" التي يرويها بسند متصل كامل، ويصدرها بصيغة الجزم، كـ"حدثنا" أو "أخبرنا"، وبين "التعليقات" التي يحذف فيها بداية السند إشارة إلى شهرة الحديث أو لغرض آخر، وبين "المتابعات والشواهد" التي يوردها استئناسًا وتقويةً، لا استقلالًا. فليست كل الأسطر في الكتاب على درجة واحدة من الصرامة الحديثية، وهذا التفاوت الداخلي في الكتاب نفسه هو أحد أدق أبواب الدراسة الحديثية التي تناولها العلماء المتخصصون بتفصيل واسع، ولم يكن هذا التفاوت خافيًا عليهم أو مسكوتًا عنه، بل هو من بديهيات علم مصطلح الحديث الذي يُدرَّس في المعاهد الشرعية.
القاعدة الثالثة، وهي الأهم، أن قراءة الحديث المفرد، بلا ربطه بترجمة الباب، وبالأحاديث المصاحبة له، وبشرح العلماء المتراكم عبر القرون، هي السبب الأول لسوء الفهم الذي يتصيد بعض الإعلام آثاره. فحين ننتزع حديثًا واحدًا من سياقه الفقهي والزمني، ونعرضه معزولًا في منشور أو مقطع مصور قصير، نرتكب خطأً منهجيًا لا يقل خطورة عن انتزاع آية من سياقها، وهذا الانتزاع هو بالضبط ما يجعل نصًا علميًّا رصينًا يبدو صادمًا أو غريبًا لعين القارئ العابر.
هل يجوز نقد البخاري؟ نعم، وهذا شرف العلم لا نقيصته
من أكبر الأخطاء المنهجية أن يُصوَّر السؤال كما لو كان بين خيارين لا ثالث لهما: إما التسليم المطلق بكل حرف في الكتاب دون سؤال، وإما الرفض الكامل له بذريعة أنه "من صنع البشر". والحقيقة أن هذا التقابل مصطنع لا يعكس تاريخ العلم نفسه.
فقد نقد الإمام الدارقطني، وهو من أئمة الحديث الكبار الذين عاصروا القرون التالية للبخاري مباشرة، عددًا من الأحاديث في "الصحيحين" – البخاري ومسلم معًا – في كتابه المعروف بـ"التتبع"، وتناول فيه إشكالات في بعض الأسانيد، أو الاتصال، أو توثيق راوٍ معين.
ولم يكن هذا النقد إسقاطًا للكتاب، بل كان استمرارًا لتقليد علمي داخلي، حيث رد عليه علماء لاحقون، كابن حجر وغيره. فبعض ما نقده الدارقطني أجيب عنه بجواب مقنع مفصل، وبعضه اعتُبر ملحوظة دقيقة لا تنقض المتن، بل تفتح بابًا للنظر في درجة رواية معينة، دون أن تُسقط الحديث من أصله؛ لأنه غالبًا موجود بروايات أخرى تُسند القصة نفسها.
وهذا التقليد النقدي – النقد، ثم الرد، ثم إعادة النظر – هو جوهر ما نسميه اليوم "المنهج العلمي التراكمي"، وهو نفسه الذي جعل مكانة "الصحيح" تزداد رسوخًا مع كل موجة نقد لا تسقط بها؛ لأن كل نقد صادق يُدرَس بجدية يزيد الثقة في الباقي حين يثبت صموده أمام الفحص المتكرر.
وقد اهتمت الدراسات المتخصصة في نقد الحديث بالتمييز الدقيق بين نوعين من النقد: نقد السند، الذي يتناول سلسلة الرواة وأحوالهم، ونقد المتن، الذي يفحص النص نفسه من جهة موافقته للعقل، والواقع، والنصوص الأخرى الثابتة.
وهذا الأخير – نقد المتن – له تقليد عريق في التراث الإسلامي، لم يبدأ اليوم ولا في القرن الماضي، بل يمتد إلى قرون مبكرة، كما تُبيّن دراسة تناولت تاريخ هذا النوع من النقد في التراث الإسلامي وأدواته المتنوعة (انظر هذه الدراسة عن نقد المتن).
فالنقد إذن ليس دخيلًا مستوردًا من مناهج حديثة معاصرة، كما يظن بعضهم، بل هو أصل من أصول علم الحديث نفسه، لكن الفارق الجوهري – وهو ما يغيب عن كثير من النقاشات المعاصرة – أن هذا النقد كان نقدًا "بأدوات التخصص"، يُجرى داخل شروط علم الحديث، ومصطلحاته، ورجاله، لا نقدًا يصدر من خارج التخصص بانطباع عابر، أو حساسية أيديولوجية، أو رغبة في إثارة الرأي العام.
أصح كتاب بعد كتاب الله: وصف علمي لا تعبير تسويقي
كثيرًا ما يُستقبل وصف "أصح كتاب بعد كتاب الله" بريبة، وكأنه شعار دعائي أُطلق ليمنع النقاش. والحقيقة أن هذا الوصف نشأ من داخل الحقل العلمي نفسه، لا من خارجه، وهو تقييم نسبي مقارن، لا تقييم مطلق يعني العصمة من كل خطأ محتمل.
ومعناه أن هذا الكتاب، من بين كل ما صُنِّف في جمع الحديث النبوي، هو الأكثر التزامًا بشروط الصحة الصارمة التي اتفق عليها علماء الحديث، وأن نسبة قبول أحاديثه بين أهل التخصص عبر القرون بلغت درجة من الإجماع لم يبلغها كتاب حديثي آخر، حتى "صحيح مسلم"، الذي يُذكر معه غالبًا في رتبة تالية، بفوارق منهجية دقيقة يعرفها المتخصصون.
وهذا الإجماع التراكمي –أن يتفق عشرات الأجيال من المحققين المتخصصين، على اختلاف مذاهبهم الفقهية وتوجهاتهم، على قبول الكتاب في جملته – هو ظاهرة علمية نادرة تستحق التوقف عندها بجدية، بدل التسرع في اعتبارها مجرد "تقديس موروث" بلا أساس.
فحين يتفق فقيه شافعي، وحنفي، ومالكي، وحنبلي، رغم خلافاتهم الفقهية الحادة في قضايا أخرى كثيرة، على تعظيم هذا الكتاب بعينه، فإن هذا الاتفاق يستحق أن يُقرأ دليلَ قوة، لا مجرد عادة موروثة.
لكن الأمانة العلمية تقتضي أيضًا أن نقول بوضوح: هذا الوصف لا يعني أن الكتاب "قرآن ثانٍ"، أو أنه معصوم من كل احتمال خطأ في تفصيل جزئي، فالبخاري بشر يجتهد، وقد يخطئ في تقييم راوٍ نادرًا، وقد توجد ملحوظة دقيقة هنا أو هناك، كما رأينا في نقد الدارقطني، لكن هذه الاحتمالات النادرة والمدروسة لا تُسقط الحكم الكلي على الكتاب، كما أن وجود خطأ طباعي نادر في نسخة معتمدة من دستور دولة لا يُسقط الدستور كله.
والفارق بين "معظم" و"معصوم" هو الفارق الذي يضيع غالبًا في عناوين الصحف والمنشورات السريعة، فيُحمَّل كلام العلماء عن "الصحة" أكثر مما قصدوه، ثم يأتي من يهاجم هذا التحميل الزائد باعتباره هجومًا على الكتاب نفسه، بينما القضية الحقيقية أبسط وأدق من كل هذا الصخب.
لماذا يعشق الإعلام إثارة موضوع البخاري من حين لآخر؟
بعد كل هذا العرض العلمي، يبقى سؤال لا بد من مواجهته بصراحة: لماذا يعود الجدل حول البخاري في كل موسم، وكأنه موضوع لا يشيخ ولا يُستهلك في نشرات الأخبار وبرامج الرأي؟
الإجابة تكمن في طبيعة العمل الإعلامي نفسه أكثر مما تكمن في طبيعة الكتاب. فالإعلام، بحكم منطقه الاقتصادي، يعمل وفق ما يُسمى "اقتصاد الانتباه"، حيث الجملة الصادمة تجذب أكثر من الجملة الدقيقة، والعنوان المستفز يحقق نسب مشاهدة أعلى من العنوان المتوازن. وهذا ليس عيبًا أخلاقيًا بالضرورة في كل الحالات، بل هو، أحيانًا، نتيجة حتمية لسرعة الإيقاع الذي يفرضه العصر الرقمي، حيث لا وقت لمقدمة طويلة ولا لشرح منهجي هادئ، بل المطلوب "مشهد" يصلح للمشاركة في ثلاثين ثانية.
ومن أسباب تكرار هذا الجدل أيضًا اختزال السياق، فيُنتزع حديث واحد أو رواية واحدة من موضعها الفقهي، والزمني، والثقافي، ويُعرض بمنطق اليوم مباشرة، دون المرور بأي جسر تفسيري، فيبدو غريبًا أو مستفزًا لعين لا تعرف خلفياته.
ويزيد الأمر تعقيدًا خلط شائع بين "نقد رواية بعينها بأدوات علم الحديث" وبين "الطعن في السنة النبوية جملة". فالأول عمل علمي مشروع مطلوب، والثاني موقف أيديولوجي مختلف تمامًا، لكن الخلط بينهما في الخطاب الإعلامي السريع يجعل كل نقاش تخصصي دقيق يتحول فورًا إلى استقطاب هوياتي حاد، حيث يصطف الناس في معسكرين متقابلين حسب مواقفهم المسبقة، لا حسب فهمهم للمسألة العلمية الدقيقة المطروحة.
ولرمزية البخاري في الوعي الجماعي حساسية خاصة، فهو ليس عالمًا عاديًا في ذهن كثير من الناس، بل أصبح رمزًا لهوية دينية جماعية كاملة، وهذا يجعل أي نقاش حوله محمَّلًا بمشاعر أعمق من مجرد نقاش أكاديمي في سند حديث، فيتحول النقاش من: "هل هذه الرواية بعينها صحيحة الإسناد؟" إلى: "هل ديننا كله موضع شك؟"، وهذا انزلاق خطير يبعدنا كثيرًا عن حجم السؤال الأصلي.
ويُضاف إلى ذلك فجوة حقيقية بين لغة التراث ولغة العصر؛ فمصطلحات مثل "التعليق"، و"المتابعة"، و"الجرح والتعديل" لغة متخصصة دقيقة، حين تُترجم بسرعة، وبلا أمانة، إلى لغة صحفية مبسطة، تفقد كثيرًا من دقتها الأصلية، فيظهر معنى مختلف تمامًا عن المقصود العلمي الدقيق.
وأخيرًا، هناك عامل الدورة الموسمية نفسها: رمضان، والمولد النبوي، وذكرى وفاة الإمام، ومناسبات أخرى، تصنع محطات متكررة يعود فيها الموضوع إلى الواجهة، وكل عودة تحمل معها الأخطاء نفسها، والتبسيطات نفسها؛ لأن قلة من صناع المحتوى يعودون فعليًا إلى المصادر العلمية قبل الكتابة أو التصريح.
هل نحتاج اليوم إلى “تنقية” الصحيح؟
هذا هو السؤال الذي يطرحه كثيرون بحسن نية، متأثرين بأصداء نقاشات إعلامية تتحدث عن "حذف" أحاديث معينة من الكتاب أو "مراجعته" بقرار مؤسسي أو إداري.
والجواب الذي يجب أن يُقال بوضوح تام: إن الفارق شاسع بين "النقد العلمي المستمر" وبين "التنقية الإدارية أو الإعلامية"، والخلط بينهما هو مصدر كثير من الالتباس المعاصر.
فالنقد العلمي، كما رأينا في نقد الدارقطني وردود الحفاظ عليه، عملية حية مستمرة داخل التخصص، تراجع الروايات بأدواتها الدقيقة، وتضع كل رواية في درجتها الصحيحة من القوة، وتفتح المجال لفهم جديد أو ترجيح مختلف حين تتوافر أدلة قوية. وهذا النقد كان قائمًا منذ القرون الأولى، ولم ينقطع، وهو مطلوب ولازم لصحة العلم واستمراره، بل إن غيابه هو الخطر الحقيقي؛ لأن علمًا بلا نقد داخلي هو علم ميت جامد.
أما "التنقية"، بمعنى حذف أحاديث من الكتاب بقرار مؤسسي معاصر استجابة لحساسية إعلامية أو ضغط رأي عام، فهذا أمر مختلف جذريًا، وينطوي على مخاطر جسيمة من زوايا متعددة.
أولها أنه يفتح بابًا لا يُغلق: فمن يقرر أي حديث "يُحذف"؟ وبأي معيار؟ وهل المعيار علمي متخصص أم معيار الإحراج الإعلامي اللحظي الذي يتغير كل موسم؟ فإذا كان المعيار هو الإحراج، فإن كل جيل سيطالب بحذف ما يحرجه هو، وسينتهي الكتاب – أي كتاب – إلى نص متغير بتغير الحساسيات، وهذا نقيض تمامًا لمعنى "التوثيق التاريخي" الذي هو أصل قيمة الكتاب.
وثانيها أن الحذف الإداري يقطع الصلة بالسلسلة التاريخية الكاملة للنقل – السماع، والمقابلة، والشروح – التي تحدثنا عنها، فيصبح الكتاب "نسخة جديدة" منقطعة عن تراثها الموثق، بينما قيمة الكتاب الأصلية أنه نص تلقته الأمة بسلسلة متصلة موثقة، جيلًا بعد جيل.
وثالثها، وهو الأهم عمليًا، أن الحذف لا يحل المشكلة، بل يخفيها فقط؛ فالرواية المحذوفة من نسخة معاصرة تبقى موجودة في آلاف النسخ القديمة، والشروح، والمكتبات حول العالم، فلا يُنتج الحذف إلا انطباعًا كاذبًا بالحل، مع بقاء "الإشكال" – إن كان ثمة إشكال فعلي أصلًا – كما هو، بل يضيف إليه شبهة التستر والتلاعب بالتراث.
والأجدى – وهو ما ينبغي أن تتبناه المؤسسات الدينية والإعلامية معًا – هو الاستثمار في "حسن القراءة" بدل "التنقية"، أي تكثيف الشرح العلمي الميسر الذي يضع كل حديث في سياقه، وتوسيع التحقيق العلمي الرصين الذي يواصل تقليد النقد الداخلي بلا خوف ولا مواربة، وتطوير برامج تعليمية تُقرِّب منهج علم الحديث إلى الجمهور العام بلغة عصرية دقيقة، لا مبتذلة، وفتح قنوات حوار حقيقية بين المتخصصين وصناع المحتوى الإعلامي قبل تناول الموضوع، لا بعده.
وهذا الطريق أصعب من قرار الحذف السريع، لكنه الطريق الوحيد الذي يحافظ على أمانة النص، وعلى ثقة الجمهور معًا، بدل أن يربح معركة إعلامية عابرة ويخسر مصداقية علمية طويلة الأمد.
من إعلام المعركة إلى إعلام المعرفة
نعود إلى تلك الحلقة التلفزيونية التي افتتحنا بها، ونتخيل – كما ينبغي أن يكون – حلقة أخرى مختلفة تمامًا: مذيع يفتح النقاش بسؤال حقيقي، لا بعنوان استفزازي، وضيفان متخصصان؛ أحدهما يشرح منهج البخاري في القبول والرد بلغة واضحة يفهمها غير المتخصص، والآخر يعرض بأمانة ما قاله النقاد التاريخيون، وكيف أُجيب عنهم، دون أن يتحول النقاش إلى مباراة لكسب النقاط أو استعراض مواقف مسبقة.
وهذا النوع من الإعلام - إعلام المعرفة – أصعب في الإنتاج من إعلام المعركة؛ لأنه لا يعتمد على الصدمة السريعة، ولا يمنح جمهوره إثارة لحظية، لكنه وحده القادر على بناء وعي جماعي قادر على التمييز بين النقد المشروع والتشويه، وبين السؤال المشروع والاستغلال الإعلامي لهذا السؤال.
إن الشباب الذين يطرحون أسئلتهم عن البخاري وصحيحه اليوم عبر منصات التواصل ليسوا خصومًا للدين، كما يستعجل بعضهم في تصنيفهم، بل هم، في الغالب، يحملون حيرة مشروعة تستحق جوابًا صادقًا، لا تسكيتًا متعجلًا، ولا استغلالًا إعلاميًا مضادًا.
والمؤسسات الدينية مدعوة اليوم، أكثر من أي وقت مضى، إلى أن تخرج من موقع الدفاع المرتبك إلى موقع الشرح الواثق، وأن تنتقل من "رد الفعل" الذي يلهث خلف كل عنوان مستفز، إلى "الفعل" الذي يسبق الجدل بالمعرفة الرصينة المتاحة بلغة العصر.
وصحيح البخاري، في نهاية المطاف، ليس بحاجة إلى من يدافع عنه بالصوت العالي، بقدر ما هو بحاجة إلى من يشرحه بالفهم العميق؛ فهو كتاب صمد أمام اثني عشر قرنًا من النقد والتحقيق؛ لأنه بُني على منهج علمي متين، وسيصمد أمام موجات الجدل المعاصر بالطريقة نفسها التي صمد بها أمام موجات سابقة: بالعلم الهادئ، لا بالضجيج العابر، وبإعلام يوقظ العقل بدل أن يستفزه فقط، ويبني الفهم بدل أن يستهلك الإثارة، ثم ينتقل إلى موضوع آخر، تاركًا القارئ في حيرته الأولى نفسها.