من ميادين القتال إلى منظومة الحرب.. ما الدروس المستفادة من الحروب الراهنة؟
لم تعد متابعة الحروب الراهنة تقتصر على رصد نتائج المعارك أو التعرف إلى الأسلحة الجديدة التي تدخل ميدان القتال، وإذا كانت هذه الحروب قد قدمت لنا شيئًا مؤكدًا، فهو أنها لم تغير فقط أسلحة القتال، وإنما بدأت تغير بعض التصورات التي استقر عليها التفكير العسكري والاستراتيجي لعقود. فالحروب التي نعايشها بداية من الحرب الأوكرانية التي بدأت في فبراير 2022، والحرب المستمرة على قطاع غزة منذ أكتوبر 2023، والحرب بين إيران وكل من إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية والتي بدأت جولتها الأولى في يونيو 2025، واستأنفت جولتها الثانية في (فبراير- مايو 2026)، وما زال استخدام العمل العسكري قائما على نطاق مختلف، إن هذه الحروب كشفت وتكشف عن تحولات أعمق تمس عملية إدارة الحرب نفسها، وسرعة انتقال الخبرة من ميدان إلى آخر، وتداخل المجالات العسكرية والتكنولوجية والاقتصادية والمعلوماتية. فما يظهر في حرب قد يتحول خلال فترة قصيرة إلى درس استراتيجي أو تكتيكي في حرب أخرى.
ومن هذا المنطلق عقد المركز المصري للفكر والدراسات الاستراتيجية ورشة عمل لمناقشة ما الذي يمكن استخلاصه من دروس تقدمها هذه الحروب، واستجابة للتطورات التي تشهدها البيئة الاستراتيجية الإقليمية والدولية، والتي أدت إلى تسارع التحولات في طبيعة الحروب المعاصرة، وتنامي دور التكنولوجيا المتقدمة في إدارة العمليات العسكرية.
وتبنت الورشة قناعة أساسية مفادها أن هذه الحروب ليست أحداثاً عسكرية منفصلة، وإنما تمثل مؤشرات على تحولات بنيوية في طبيعة القوة والصراع. ولذلك فإن الورشة لم تستهدف دراسة كل حرب بصورة منفردة، وإنما سعت إلى تحليل القضايا المشتركة التي أفرزتها هذه الحروب، واستخلاص الأنماط العامة التي يمكن الاستفادة منها في تطوير الفكر الاستراتيجي. وتستند الورشة إلى مفهوم "الدروس المستفادة" بوصفه عملية تحليل منهجية للخبرات العملية بهدف تحويلها إلى سياسات، ومبادئ، وإجراءات قابلة للبحث وقابلة للتنفيذ، وربما توفر الفرصة لمراجعة عدد من الافتراضات والمبادئ التي حكمت التفكير العسكري والاستراتيجي فيما مضى.
ولتحقيق هذ الهدف، سعت الورشة من خلال ثلاث جلسات عمل أن تجيب عن الأسئلة التالية: ما الذي تغير فعلًا في طبيعة الحرب وأدواتها، وما الذي ظل ثابتًا؟ وما الدروس الاستراتيجية التي ينبغي استخلاصها من خبرة الحروب الراهنة على المستوى التكتيكي والاستراتيجي؟ وكيف يمكن أن تظهر الدروس المستفادة في الحروب المحتملة مستقبلا؟
تناولت أعمال الورشة مجموعة من الأوراق البحثية التي قدمها الخبراء والعسكريين والفنيين المتخصصين، وجمعت الأوراق في تحليلاتها بين المستوى العام في تحليل الاتجاهات العامة للتغيرات الرئيسية في الحروب، وتحليل أهم العوامل النوعية المكملة للعمل العسكري فيها. ثم انتقلت للمستوى التخصصي لتحليل واستخلاص الدروس المستفادة على مستوى عمل الأفرع الرئيسية في العمل العسكري (بريا وجويا وبحريا وتقنيا وغيرها). واتسع النقاش ليشهد حالة من العصف الذهني والثراء المعرفي ويبرز سؤال أكثر عمقًا: هل تغيرت الحرب بالفعل، أم أن الذي تغير هو أدواتها ووسائطها وأساليب إدارتها؟
لم تقتصر أهمية الورشة على الأوراق البحثية المقدمة، وإنما امتدت إلى ما شهدته جلساتها من نقاش واسع وتفاعل بين المشاركين، وهو ما أتاح الانتقال من عرض الخبرات إلى مراجعة ومناقشة بعض التصورات التقليدية حول الحرب، وما إذا كانت بعض الظواهر التي كشفتها الحروب الراهنة تمثل تحولات مؤقتة فرضتها ظروف بعينها، أم أنها تعبر عن اتجاهات أعمق ستؤثر في شكل الحروب المقبلة.
فقد شهدت الورشة حضورًا ومشاركة من عدد من القيادات والخبراء والمتخصصين في مجالات الأمن والدفاع، الذين أثروا النقاش من واقع خبراتهم وفكرهم، السادة مستشاري الأكاديمية العسكرية للدراسات العليا والاستراتيجية سيادة اللواء أ.ح دكتور/ أشرف فارس، وسيادة اللواء أ.ح دكتور/ محمد ذكي الألفي. ومن مركز الدراسات الاستراتيجية التابع للقوات المسلحة، حضر سيادة العميد دكتور/ مراد معتصم "رئيس المركز" وسيادة اللواء دكتور/ أسامة إبراهيم "مستشار المركز". إلى جانب عدد من السادة ممثلي وزارة الدفاع والأجهزة المختصة، فضلًا عن الخبراء والمتخصصين المشاركين في أعمال الورشة. وقد عكس هذا التنوع في الحضور تعدد الخبرات والرؤى، وأتاح مساحة واسعة للحوار حول طبيعة التحولات التي كشفت عنها الحروب الراهنة، وما يمكن استخلاصه منها من دروس.
تعددت واتسعت الاستخلاصات التي انتهت إليها أعمال الورشة، ولعل أهمها أن التغيرات التي أحدثتها هذه الحروب لم تلغِ الثوابت الأساسية للحرب؛ فما زالت الأهداف السياسية، والقيادة، والجغرافيا، والإرادة، والقدرة على الاستمرار والصمود، عناصر مؤثرة في نتائج الصراعات. وربما لا تكمن أهمية الحروب الراهنة في أنها أوجدت «حربًا جديدة» بصورة كاملة، وإنما في أنها أعادت صياغة العلاقة بين هذه الثوابت والمتغيرات، وأظهرت أن امتلاك التكنولوجيا المتقدمة لا يضمن وحده تحقيق النتيجة الاستراتيجية، ما لم يقترن بالأهداف السياسية الواضحة والمحددة والممكنة، والقدرة على التكامل والتكيف، والموارد اللازمة للاستمرار.
كما أوضح النقاش أن الحروب لم تعد مجرد مواجهة عسكرية بين جيوش نظامية، بل أصبحت تجمع بين العمليات العسكرية التقليدية وغير التقليدية والعمليات السيبرانية والحروب النفسية والإعلامية والضغوط الاقتصادية، وأضافت التكنولوجيا الحديثة العديد من الأبعاد والتأثيرات لكل هذه العمليات بما يؤدي لتداخل الأدوات العسكرية والسياسية والاقتصادية والتكنولوجية والنفسية والخلط بين الأهداف العسكرية والمدنية بصورة غير مسبوقة.
وكان من أهم ما ناقشته الورشة كذلك هو هذا الاختلاط غير المسبوق بين "العسكري" و"المدني" في تلك الحروب، والذي بات ينعكس بعمق على بناء الجاهزية للحرب، وتشكيل مناعة الدولة، وبنوك الأهداف وحمايتها، وتعزيز القدرة العسكرية دفاعاً وهجوماً، ومن ثم فإن هذه الحروب قد أكدت بأن "المكون المدني" بات يكتسب قيمةً وتأثيرًا أكبر بكثير مما مضى سواء في الإعداد للحرب أو في إدارتها أو تحديد وحصد نتائجها.
وربما يكون الدرس الأعمق الذي تفرضه الحروب الراهنة أن الحرب لا تتغير عندما تظهر أسلحة جديدة فحسب، وإنما عندما تتغير الطريقة التي تفكر بها الدول في القوة والحرب والنصر. فالتكنولوجيا قد تمنح الجيوش سرعة أكبر ومدى أوسع ودقة أعلى، لكنها لا تستطيع وحدها أن تحسم حربًا، كما أن التفوق في معركة لا يساوي بالضرورة القدرة على تحقيق غاية سياسية أو تحمل حرب طويلة. وبينما تتغير الأدوات بسرعة غير مسبوقة، تظل أسئلة الحرب الكبرى حاضرة: من يملك القدرة على التعلم أسرع؟ ومن يستطيع التكيف مع مفاجآت الميدان؟ ومن يمتلك القدرة على الاستمرار عندما تطول الحرب وتستنزف الموارد؟ وربما لهذا السبب فإن أهم ما ينبغي أن نتعلمه من حروب اليوم ليس "كيف نخوض الحرب القادمة بأسلحة الحاضر"، وإنما "كيف نبني القدرة على فهم حرب لم تأتِ بعد، والتكيف معها قبل أن تفرض علينا قواعدها". فالتاريخ العسكري لا يكافئ دائمًا من امتلك السلاح الأفضل، بقدر ما يكافئ من أدرك مبكرًا أن قواعد اللعبة قد بدأت تتغير.