رئيس مجلس الادارة

عمــر أحمــد ســامي

رئيس التحرير

طــــه فرغــــلي


التربية وتجديد الخطاب الديني

17-8-2026 | 22:07


د. محمد السيد فرج ألماظ

د. محمد السيد فرج ألماظ

أضحت قضية تجديد الخطاب الديني من أهم وأبرز القضايا المطروحة بقوة منذ سنوات على الساحة الدينية والسياسية والفكرية والإعلامية، حيث تثير هذه القضية العديد من المناقشات والسجالات والحوارات بسبب سوء الفهم أو الخلط الحاصل بين مفهوم تجديد الخطاب الديني بما يتلاءم مع مستجدات العصر وروحه دون المساس بثوابت العقيدة وأصولها من جهة، وبين بعض الدعوات المغرضة التي استغلت دعوة تجديد الخطاب الديني لكي تنشر بعض الأفكار المضطربة والمشوشة وغير الواضحة والتي تهدف لتغيير مضمون الدين ذاته أما لجهلها أو للخلط بين مفهوم الخطاب الديني الدعوي الذي ينتجه الدعاة والوعاظ والخطباء والمفتين والباحثين، وبين مفهوم الخطاب الديني الإلهي والذي لا يمكن المساس به، وذلك على خلاف الخطاب البشري الذي يمكن أن يتجدد وبتطور ويتغير من شكل إلى آخر. 

 

وفي هذا الصدد يمكن الإشارة إلى أن النص الديني هو كل ما ثبت صدوره عن الله وعن رسوله الكريم، أي القرآن الكريم والسنة النبوية، أما الخطاب الديني، هو الأداة والاجتهاد الذي يوضح ويظهر النص الديني، ومن ثم فإن النص الديني كتاب الله وسنة رسوله الكريم، من الثوابت التي لا تحتمل الخطأ لأنهما من الله ورسوله، وعلى هذا فإن الخطاب الديني قائم على الاجتهاد، فهو ما يفهمه أو ما يستنبطه البشر من النص الديني، وبالتالي فهو قابل للتجديد والتقويم؛ لأنه اجتهاد بشري قد يحمل الخطأ، بخلاف النص الديني فهو ثابت بالقرآن والسنة. 

وهنا يمكن النظر إلى تجديد الخطاب الدينى، على أنه يُشير إلى العمل بالثوابت والأصول التى تتسق مع مقاصد الشريعة الإسلامية، مع الأخذ بمبدأ تجديد الأحكام فى الفروع والمتغيرات بما يتلاءم مع طبيعة العصر ومستجداته، وبما لا يتنافى مع تلك المقاصد؛ ومن ثم فإن مفهوم "تجديد الخطاب الديني"، يُقصد به الجمع بين التمسك بالثوابت الإسلامية الراسخة والانفتاح الواعي على متطلبات العصر الحديث بما يحقق مصالح الناس. 

 

ووسط تلك الأجواء ظهرت دعوات المطالبة بتجديد الخطاب الديني لعدة اعتبارات وأهداف متعددة من أهمها: فهم صحيح الدين الإسلامي ومستجدات الواقع، ومواجهة المفاهيم والأفكار المتطرفة حيث إن بعض الجماعات المتشددة لديها مفاهيم خاطئة نتجت عن قراءة كتب التراث مع عدم القدرة على التفرقة بين ما هو نص ثابت في القرآن والسنة، وما هو رأي يحتمل الخطأ والصواب، كذلك فإن هناك ضرورة لتجديد الخطاب الديني لتعزيز الأخلاق والقيم الإنسانية المشتركة بين الأديان، وقبول الآخر والتعايش السلمي واحترام التنوع الديني والثقافي؛ ما يعزز فكرة السلم الاجتماعي، كذلك تأتي أهمية تجديد الخطاب الديني لتحقيق مقاصد الشريعة الإسلامية، وتجاوز الجمود الديني والفكري والذي يسبب انفصال الدعوة الإسلامية عن واقع الناس ويفقدها تأثيرها؛ لذا فإن قضية التجديد ضرورة ملحة لإحياء روح الدين ومواكبة متطلبات العصر. 

 

إن قضية تجديد الخطاب الديني ليس فقط مسئولية رجال الدين والمؤسسات الدينية، وإنما مسئولية مشتركة بين كل مؤسسات الدولة المصرية، ولا شك أن التربية ومؤسساتها المختلفة من أهم الضمانات والوسائل الفعالة لتحقيق أهداف تجديد الخطاب الديني، حيث يمكن للمؤسسات التربية أن تساهم بفعالية مؤثرة في توجيه النشء والشباب نحو سماحة الدين الاسلامي وواقعيته من خلال ربطه بمعطيات العصر وتحدياته الراهنة. 

 

وتتمثل أبرز ملامح أزمة الخطاب الديني في البيئة التربوية في عجزه عن مواكبة العصر وتلبية احتياجات النشء الفكرية والنفسية، وانتشار ثقافة التلقين، حيث إن التعليم الديني التقليدي يعتمد غالباً على الحفظ والتلقين بدلاً من التفكير النقدي والحوار والعقلانية والفهم والتحليل، كذلك فإن هناك خلط بين الثوابت والمتغيرات، وتقديم الاجتهادات كأنها نصوص مقدسة لا تقبل النقاش، كما أن الجو الذي يسيطر على عدد كبير من المؤسسات التربوية هو جو الكبت الفكري الذي يعمل على تعطيل طاقات النمو، ويؤدي إلى رفض المتعلم المؤسسة التعليمية وللعلم بشكل عام، فالأفراد الذين يعانون من فقدان القدرة على التفكير والنقد والتحليل والتساؤل والحوار والمناقشة هؤلاء هم الأفراد الذين خضعوا لتنشئة اجتماعية تقليدية متصلبة في مراحل طفولتهم، فأجواء التسلط تدفع الفرد إلى دوائر الجمود والانصياع والسلبية, وكل ذلك عوامل معيقة تقف أمام قضية تجديد الخطاب الديني. 

 

والواقع أن ربط التربية بتجديد الخطاب الديني ضرورة ملحة؛ فالخطاب لا يتجدد ولا يتبدل بمجرد المنابر الدينية أو الإعلامية، بل يبدأ من بناء العقول الناشئة وتخليصها من التلقين الجامد وتعزيز التفكير النقدي والقيم الإنسانية المشتركة بين الأديان التي تواجه تحديات العصر دون المساس بالثوابت الأصلية، فالتجديد الحقيقي لا يتحقق في المساجد والمؤسسات الدينية وحدها، بل يبدأ من مقاعد الدراسة وبناء العقول الناقدة، وتعزيز مبدأ الحوار في الخطاب الديني التربوي، والانفتاح التربوي على الأديان والثقافات العالمية، والبعد عن التشدد والغلو والتطرف. 

 

وتلعب المؤسسات التربوية دورًا أساسيًا وحاسمًا من خلال التأثير المباشر الذي تمارسه وانعكاساتهاعلى الفرد والمجتمع، فهي يمكن أن تكون إيجابية أو سلبية في دورها تجاه تجديد الخطاب الديني بالقدر الذي يكون محتواها وأسلوبها مرتبطًا بالعلم والمعرفة، وبقدر موقفها من العقل الإنساني، والفكر الديني، كما أنها يمكن أن تستخدم لغير ذلك عندما تسيطر عليها كيانات محدودة الفكر والرؤية، ويمكن للمؤسسات التربوية أن تعمل على المساهمة في قضية تجديد الخطاب الديني من خلال العمل على: 

 

- تشجيع مبدأ الاجتهاد الفقهي والقياس، وتأسيس بنية ثقافية ينمو في تربيتها العقل النقدي، الواعي بالتراث، والمتحرر من الغلو والتشدد، والراغب في التجديد والساعي إليه. 

 

- تحليل نقدي وفقهي للنصوص الدينية التي تستند اليها جماعات العنف والفكر التكفيري، والتي تضفي الشرعية الدينية على أساليبها الإجرامية كشرعية قتل وتكفير المسلمين وغيرهم، واستباحة أموالهم وممتلكاتهم، وتوضيح أن هذه النصوص التكفيرية إنما تقوم على القياس الخاطئ والتأويل المنحرف، ومن ثم فإن كشف وتفنيد افكار وآراء الجماعات المتطرفة والارهابية التي تتبنى القتل منهجًا ضرورة أساسية لمنع إعادة انتاج وتكوين العقل الاتباعي النقلي المعادي لقضية التجديد الديني. 

 

- مراجعة الخطاب الديني ونقده عملية ضرورية وحيويه لتقويم مسيرته وتطوير أدائه، باعتباره جهدًا بشريًا واجتهادًا لا عصمة له. 

 

- إعادة قراءة الموروث الثقافي من خلال المراجعة والمساءلة والفكر المنهجي وإعمال العقل والفكر النقدي.

 

- تنمية نزعة الفرد إلى إعمال العقل والفكر والبحث والنظر والتدبر والتأمل وحب المعرفة، وتنمية الروح النقدية، والتحرر من التعصب، وكلها مداخل أساسية لتكوين العقل النقدي. 

 

- اهتمام دور العبادة بنشر الخطاب الديني الوسطي المعتدل والذي يعبر عن روح الإسلام وجوهره السمح والحقيقي، مقابل خطاب جماعات العنف والتكفير. 

 

- البعد عن الأساليب الدينية التي تقوم على الجمود الفكري، وتقديس الأشخاص، وتقديس نصوص القدامى ورفعها من مرتبة الرأي الى مرتبة النصوص الدينية الملزمة. 

 

- إتاحة الفرص للطلاب لإثارة الأسئلة والحوار مع علماء الدين, للاستفسار عن العديد من مستجدات العصر، وتصحيح المفاهيم والمغالطات الفكرية لدى بعض الطلاب، حتى لا يقعوا فريسة للمتعصبين.

 

- تضافر جهود الأزهرالشريف ووزارة الأوقاف في نشر الوعي والتفسير والفهم الصحيح لأمور الدين، وقيم الانتماء وحب الوطن، والتسامح الفكري وقبول الآخر ونبذ التطرف الديني والتعصب والعنف، واحترام الآخر، ومواجهته بالحوار والحجة، ومحاورة الأفكار المتشددة ومعالجتها، ومقاومة ذهنية الجمود والتعصب. 

 

- مواجهة الأفكار والمعتقدات الرجعية المرتبطة بالخرافات والفكر الخرافي الذي ينسب لمصادر دينية، وهو على غير ذلك. 

 

- إعمال العقل في تفسير وتأويل النصوص الدينية، ورفض الوقوف عند ظواهر النصوص وحرفيتها، والتطبيق الدقيق لقواعد التفسير وقواعد التأويل بشكل عصري. 

 

وأخيرًا.. يجب أن نجعل من قضية تجديد الخطاب الديني هدفًا وطنيًا، على مجتمعاتنا ومؤسساتنا التربوية وحكومتنا تبنيه وشحذ كافة الجهود والموارد من أجل تحقيقه.