رئيس مجلس الادارة

عمــر أحمــد ســامي

رئيس التحرير

طــــه فرغــــلي


من الفكر المتطرف إلى السلاح الخفي.. كيف تشابكت خيوط جريمة 15 مايو؟

18-8-2026 | 08:52


المتهم

كشفت التحقيقات في جريمة 15 مايو عن تفاصيل تتجاوز في ظاهرها حدود الخلاف العائلي، بعدما بدأت تتشكل صورة أكثر تعقيدًا حول شخصية المتهم، وما نُسب إليه من أفكار متشددة وتفسيرات منحرفة للنصوص الدينية، إلى جانب ما أثير بشأن طريقة حصوله على السلاح المستخدم في الجريمة. وبحسب ما ورد في التحقيقات، لم تكن الواقعة مجرد لحظة غضب عابرة، وإنما سبقتها أفكار وتصورات تعامل من خلالها المتهم مع الخلاف باعتباره مواجهة تستوجب الانتقام، مع توظيف بعض النصوص الدينية خارج سياقها بما يخدم رؤيته الخاصة.

وتزداد القضية تعقيدًا مع ما أشارت إليه التحقيقات بشأن حصول المتهم على السلاح عبر الإنترنت المظلم «Dark Web»، وهو ما يفتح بابًا واسعًا للتساؤل حول العلاقة بين التطرف الفكري وإمكانية الوصول إلى أدوات الجريمة عبر بيئات رقمية يصعب تتبع مستخدميها. ما هو الـDark Web؟ ولا يعني مصطلح «الإنترنت المظلم» في حد ذاته أنه مساحة مخصصة للجريمة، إذ يشير إلى جزء من شبكة الإنترنت لا تظهر خدماته عادة في محركات البحث التقليدية، ويمكن الوصول إلى بعض هذه الخدمات باستخدام تقنيات مصممة لتعزيز الخصوصية وإخفاء هوية المستخدم أو موقع الخدمة. وتكمن الخطورة في إمكانية إساءة استخدام بعض هذه البيئات في أنشطة غير قانونية، من بينها تجارة المخدرات والأسلحة والبيانات المسروقة، فضلًا عن استغلال بعض المساحات الرقمية المغلقة في نشر الدعاية المتطرفة والتحريض والتجنيد. وهنا يجب التمييز بين الـDark Web باعتباره بيئة تقنية، وبين أسواق الـDarknet التي قد تستغل هذه البيئة في عرض سلع وخدمات غير مشروعة.

السلاح لا ينتقل عبر الإنترنت ورغم استخدام عبارة «شراء سلاح عبر الإنترنت»، فإن السلاح في النهاية جسم مادي يحتاج إلى الانتقال من البائع إلى المشتري، وهو ما يجعل العملية مرتبطة بعناصر مادية يمكن أن تصبح محل فحص وتحقيق، مثل وسيلة التسليم، وحركة الأموال، والاتصالات، والأجهزة المستخدمة. وتشير الدراسات والتقارير الدولية إلى أن الإنترنت أضاف وسيلة جديدة إلى تجارة الأسلحة غير المشروعة، لكنه لم يلغِ شبكات التهريب التقليدية، إذ لا تزال تجارة السلاح غير القانوني تعتمد بدرجة كبيرة على شبكات ووسطاء ومسارات مادية خارج العالم الرقمي. عندما تتقاطع الجريمة مع التطرف وتبرز خطورة المسألة عندما يلتقي شخص يحمل أفكارًا تبرر العنف مع إمكانية الوصول إلى أدوات تساعده على تنفيذها، إذ يمكن للبيئات الرقمية أن توفر مساحات للتواصل والتأثير والتجنيد، بينما توفر بعض الأسواق الخفية قنوات لأنشطة إجرامية مختلفة. ولا يعني ذلك أن كل من يستخدم تقنيات الخصوصية أو يتصفح الإنترنت المظلم متورط في نشاط إجرامي، كما أن وجود سلاح تم الحصول عليه إلكترونيًا لا يثبت وحده وجود شبكة إرهابية أو تنظيمية، وإنما تظل هذه الأمور خاضعة لما تكشفه التحقيقات والأدلة. من الإنترنت المفتوح إلى البيئات المغلقة وتكشف التطورات الرقمية أن مسارات التطرف لم تعد مرتبطة ببيئة إلكترونية واحدة؛ فقد يبدأ المستخدم في منصة عامة، ثم ينتقل إلى مجموعات مغلقة وتطبيقات مراسلة، وصولًا إلى بيئات أكثر سرية. وتحذر الجهات الدولية المعنية بمكافحة الإرهاب من تنامي استغلال التكنولوجيا في نشر الدعاية المتطرفة والتجنيد والتحريض والتواصل بين أصحاب الأفكار العنيفة. وفي حالة مذبحة 15 مايو، يبقى السؤال الأهم أمام جهات التحقيق هو مدى ارتباط هذه المسارات بعضها ببعض: هل كانت الأفكار المتشددة مجرد قناعات شخصية؟ وكيف وصل السلاح إلى المتهم؟ وهل كان حصوله عليه عملية فردية أم امتدت إلى أطراف أخرى؟ وتظل الإجابة عن هذه التساؤلات مرتبطة بما ستسفر عنه التحقيقات والأدلة الفنية والجنائية، في الوقت الذي تكشف فيه القضية جانبًا جديدًا من التحدي الذي تفرضه الجرائم الحديثة، عندما تلتقي الأفكار المتطرفة مع التكنولوجيا والجريمة في مسار واحد.