المولد النبوي في سوهاج.. حكاية محبة تتوارثها الأجيال بين الحلوى والابتهالات وصلة الرحم
في سوهاج لا تمر ذكرى المولد النبوي الشريف كغيرها من المناسبات، فهي موعد يتجدد معه عبق السيرة العطرة، وتستعيد فيه البيوت والأحياء والقرى طقوسًا شعبية ودينية توارثتها الأجيال، لتظل المحبة النبوية حاضرة في وجدان الأسر السوهاجية، تنتقل من الآباء والأجداد إلى الأبناء والأحفاد في مشهد يجمع بين الروحانيات ودفء العائلة وملامح التراث الشعبي.
ومع اقتراب المولد النبوي، تتبدل ملامح الشوارع والأسواق في مدن وقرى المحافظة، فتنتشر الشوادر وتزدان المحال بألوان حلوى المولد والعرائس والحصان، بينما تستعد المساجد والساحات والجهات الثقافية والدينية لفعاليات تستحضر سيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم، في أجواء يختلط فيها الابتهال بالفرحة، وعبق الماضي بملامح الحاضر.
ويحمل الاحتفال بالمولد النبوي في الذاكرة الشعبية المصرية جذورًا تاريخية ضاربة في القدم، وتوارثت الأسر عبر أجيال متعاقبة كثيرًا من مظاهر الاحتفال التي ارتبطت بالمناسبة، حتى أصبحت جزءًا من الموروث الاجتماعي والثقافي الذي تحرص العائلات على نقله إلى أبنائها.
وفي سوهاج، تبدو هذه العادات أكثر حضورًا في القرى والنجوع، حيث لا تزال المناسبة فرصة لاجتماع أفراد الأسرة حول مائدة واحدة، وتبادل التهاني، وشراء الحلوى للأطفال، واستعادة ذكريات الآباء والأجداد الذين كانوا يحتفلون بالمولد بالبساطة نفسها، وإن اختلفت تفاصيل الحياة من زمن إلى آخر.
ومن العصر المملوكي وما ارتبط به من مظاهر احتفاء بالمناسبات الدينية في مصر، إلى العصر الحديث، ظلت ذكرى المولد النبوي حاضرة في الوجدان الشعبي، تتغير بعض مظاهرها بمرور الزمن، بينما تبقى روح المناسبة وقيمها الدينية والاجتماعية حاضرة في حياة الناس.
وفي أسواق سوهاج، تروي حلوى المولد حكاية أخرى من حكايات المناسبة، فخلف كل قطعة حلوى ذكرى عائلية، وخلف كل عروسة أو حصان حكاية طفل ينتظر فرحته السنوية، وتزدحم المحال والشوادر بمختلف أصناف الحلوى، من السمسمية والفولية والسودانية إلى العرائس والحصان وغيرها، فيما تتحول عملية الشراء نفسها إلى طقس عائلي يشارك فيه الآباء والأبناء والأحفاد.
ولا تتوقف الحلوى عند حدود البيت، بل تتحول إلى وسيلة للتواصل وصلة الرحم، إذ تتبادلها الأسر مع الأقارب والجيران والأصدقاء، لتصبح قطعة الحلوى في كثير من الأحيان رسالة محبة وتهنئة، وامتدادًا لعادات اجتماعية ظلت حاضرة عبر السنين.
ولا تكتمل أجواء المولد في سوهاج دون الصوت الذي يخرج من المساجد والساحات، حاملًا آيات القرآن الكريم والابتهالات والمدائح النبوية، وتنظم مديرية أوقاف سوهاج عددًا من الاحتفالات والفعاليات الدينية التي تتناول السيرة النبوية وأخلاق الرسول الكريم، وتسلط الضوء على قيم الرحمة والتسامح والعفو والتكافل وحسن معاملة الناس.
وتتحول هذه اللقاءات إلى لحظات تستعيد فيها القلوب معاني المحبة النبوية، ويستمع الحاضرون إلى كلمات عن سيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم، في أجواء إيمانية تذكّر الجميع بأن الاحتفاء الحقيقي بالمولد يرتبط بالاقتداء بأخلاق النبي الكريم وسنته.
وفي ساحات الثقافة والفنون، تستعيد سوهاج جانبًا آخر من تراثها خلال الاحتفال بالمولد النبوي، حيث تقدم فرق الإنشاد الديني والموسيقى العربية عروضها، إلى جانب الفنون الشعبية والتنورة والتحطيب.
وتمنح هذه الفعاليات الأجيال الجديدة فرصة للتعرف على جانب من التراث الذي عرفه الآباء والأجداد، فيما يجد كبار السن فيها مساحة لاستعادة ذكريات الماضي، حين كانت حلقات الإنشاد والمديح جزءًا أصيلًا من ليالي المولد.
وتشارك قصور الثقافة بمراكز المحافظة في تقديم برامج فنية وثقافية تتناسب مع أجواء المناسبة، بينما تنظم جامعة سوهاج ومنطقة سوهاج الأزهرية ندوات ولقاءات تثقيفية لتعريف الطلاب بالسيرة النبوية وتعزيز قيم الاقتداء بأخلاق الرسول الكريم.
ويبقى المشهد الأكثر دفئًا في احتفالات المولد النبوي داخل البيوت السوهاجية، حين يجتمع أفراد الأسرة حول ذكريات واحدة، ويستعيد الأب ما كان يفعله جده، ويحكي الجد للأحفاد كيف كانت مظاهر الاحتفال في طفولته.
إنها مناسبة تتجاوز شراء الحلوى أو حضور الاحتفالات، لتصبح موعدًا سنويًا تلتقي فيه الأجيال، وتتجدد فيه صلة الرحم، ويجد فيه الأبناء فرصة للجلوس إلى آبائهم وأجدادهم والاستماع إلى حكايات الزمن الجميل.
وفي قرى سوهاج، حيث لا تزال العلاقات العائلية تحتفظ بقوتها، يتحول المولد النبوي إلى مناسبة للزيارات وتبادل التهاني وإدخال البهجة إلى نفوس الأطفال، في مشهد يجمع بين أصالة الماضي وحيوية الحاضر.
وهكذا تبقى ذكرى المولد النبوي الشريف في سوهاج أكثر من مناسبة على التقويم، إنها حالة من المحبة والروحانية، وذاكرة شعبية تحفظها الأسر، وتراث تتناقله الأجيال، وموعد تلتقي فيه المساجد بالبيوت والأسواق بالساحات والثقافة بالدين.
ومن جيل إلى جيل، تتغير تفاصيل الحياة، وتتبدل أشكال الاحتفال، لكن تبقى السيرة النبوية حاضرة في القلوب، وتظل فرحة المولد موعدًا تتعانق فيه الذكريات مع الحاضر، وتلتقي فيه الأجيال حول معنى واحد، المحبة والرحمة وصلة الرحم والاقتداء بسيرة خير خلق الله.