"فورين بوليسي": الصين توسع منظومة أمنها الاقتصادي لمواجهة القيود التجارية الغربية
تعمل الصين بصورة متواصلة منذ عام 2020، على توسيع منظومتها للأمن الاقتصادي، بهدف مواجهة القيود التجارية و المالية الغربية.
وترى مجلة "فورين بوليسي" الأمريكية أن ما بدأ باعتباره إطارا دفاعيا إلى حد كبير، تطور حاليا إلى بنية قانونية، تستهدف معاقبة الشركات و الأفراد الذين يمتثلون للعقوبات الأجنبية وضوابط التصدير.
وأشارت المجلة إلى أن بكين تولي أهمية خاصة لمواجهة مبدأ "الولاية القضائية خارج الحدود"، الذي تستخدمه حكومات، في مقدمتها الولايات المتحدة، لفرض عقوباتها على شركات وأفراد أجانب يتعاملون مع الجهات المستهدفة بالعقوبات.
وتشمل الإجراءات الصينية لمواجهة هذا الأمر، قانون مراقبة الصادرات لعام 2020، وقائمة الكيانات غير الموثوقة، وقانون مكافحة العقوبات الأجنبية لعام 2021، إلى جانب لائحة مكافحة التطبيق غير المبرر خارج الحدود الإقليمية للدول الأجنبية التي أصدرها مجلس الدولة الصيني (مجلس الوزراء) في 2026، وأحكام أمن سلاسل الإمداد.
واعتبرت المجلة أن الأدوات سالفة الذكر، تعكس تحولا مهما في النهج الصيني، إذ تعمل بكين بصورة منهجية على مقاومة الامتداد الخارجي للقوانين الغربية، وفي الوقت نفسه بناء آليات صينية ذات طابع مماثل تتيح لها توسيع نطاق ولايتها القضائية إلى ما وراء حدودها.
ونبهت المجلة إلى أن هذا الواقع يضع الشركات الأجنبية أمام معضلة قانونية متزايدة، حيث قد تتعرض للمساءلة في الغرب إذا انتهكت العقوبات الغربية، وفي الصين إذا التزمت بها.
ووفقا لفورين بوليسي، يحتل قانون مكافحة العقوبات الأجنبية موقعا محوريا في هذا التحول، إذ تمنح المادة 12 منه الأفراد و الكيانات الصينية حق رفع دعاوى ضد أشخاص أو شركات تنفذ، أو تساعد في تنفيذ، إجراءات تقييدية أجنبية تضر بالمصالح الصينية، وهو ما يتيح للشركاء الصينيين مقاضاة الشركات الأجنبية عندما ترفض تنفيذ التزامات تعاقدية بسبب مخاطر العقوبات أو ضوابط التصدير.
وقد ظهرت أول قضية معلنة بموجب المادة 12 أمام المحكمة البحرية في نانجينج الصينية عام 2024، بعدما امتنعت شركة سويسرية عن دفع نحو 12 مليون دولار لشركة صينية للهندسة البحرية، بدعوى مخاوف مرتبطة بالعقوبات، وحصلت الشركة الصينية على أمر قضائي بحجز السفينة محل النزاع، مع السماح باستمرار أعمال بنائها، وانتهت القضية لاحقا بوساطة قضائية بعدما حصلت الشركة السويسرية على إعفاء أمريكي من العقوبات، لكنها أظهرت قدرة المادة 12 على توفير نفوذ قانوني للصين و الحفاظ على أصولها ودفع الأطراف الأجنبية إلى العودة إلى طاولة التفاوض.
وتم تعزيز هذا الاتجاه في قضية أخرى أمام المحكمة البحرية في شنغهاي عام 2025، عندما قضت المحكمة ضد شركة شحن سنغافورية رفضت تسليم بضائع إلكترونية إلى شركة في هونج كونج بعد اكتشاف إدراج الأخيرة على قائمة الكيانات الأمريكية، حيث اعتبرت المحكمة أن الرفض يمثل تنفيذا لـ "إجراءات تقييدية أجنبية تمييزية".
وفي يونيو الماضي، أدرجت المحكمة الشعبية العليا الصينية القضية ضمن ست قضايا بحرية نموذجية، في إشارة إلى أهميتها و إلى الكيفية التي قد تتعامل بها المحاكم الصينية مع قضايا مماثلة مستقبلا.
كما بدأت بكين في تفعيل قواعد تمنع الكيانات الصينية من الامتثال لعدد من القوانين الأجنبية.. ففي مايو الماضي، استخدمت الصين هذه القواعد للمرة الأولى، عندما منعت خمس شركات بتروكيماويات صينية من الالتزام بالعقوبات الأمريكية على خلفية اتهامات بشراء النفط الإيراني، وكان التحرك محسوبا بعناية، إذ إن الشركات المستهدفة تعمل بدرجة كبيرة في السوق المحلية، و لا تعتمد بصورة كبيرة على النظام المالي الأمريكي؛ ما قلل مخاطر التداعيات الفورية، وأتاح لبكين اختبار فعالية هذه الأدوات.
وأكدت المجلة الأمريكية أن لائحة مكافحة التطبيق خارج الحدود من شأنها تصعيد المواجهات التجارية بين بكين وواشنطن وأوروبا، إذ لا تكتفي بحماية الشركات الصينية من القوانين الأجنبية، بل تتيح لبكين فرض ولايتها القضائية على أي ممارسات أجنبية ترتبط بالصين..فعلى سبيل المثال، في مايو الماضي، اعتبرت وزارة العدل الصينية أن تحقيقا أجرته المفوضية الأوروبية بشأن شركة الأمن الصينية "نوكتيك" يمثل ممارسة غير مشروعة لاختصاص قضائي خارج الحدود، وتكشف هذه التطورات عن واقع قانوني جديد للشركات متعددة الجنسيات، إذ أصبحت عالقة بين مطالب الحكومات الغربية بالامتثال للعقوبات وضوابط التصدير، وبين تهديد الصين بالعقوبات أو الدعاوى القضائية إذا رأت أن هذا الامتثال يمثل خضوعا لقيود أجنبية غير مبررة.
وبالتوازي مع الإجراءات الصينية سالفة الذكر، نوهت المجلة إلى أن الصين تعمل على تقليص اعتمادها على النفوذ المالي الغربي عبر تطوير قنوات دفع بديلة وتدويل اليوان، بما في ذلك نظام CIPS الصيني للمدفوعات، ومنصة mBridge للعملات الرقمية للبنوك المركزية، ومشروع اليوان الرقمي.
ورغم أن هذه الأدوات لا تضاهي حتى الآن النفوذ العالمي للدولار، إلا أنها تشكل جزءا من استراتيجية أوسع لتقليص قدرة الغرب على ممارسة الضغط الاقتصادي، وزيادة قدرة بكين على فرض نفوذها الخاص.
والنتيجة، واقع جديد، حيث لم يعد السؤال بالنسبة للشركات العالمية يقتصر على مدى تعرضها للعقوبات الأمريكية أو الأوروبية، بل أصبح أيضا: هل يمكن أن يؤدي امتثالها إلى تحمل مسؤولية قانونية في الصين؟ و هو ما يضع هذه الشركات، بلا شك، بين شقي الرحى.