التغير المناخي والجزر الحرارية.. تحد مزدوج يواجه المدن الحديثة
أفرزت التغيرات المناخية المتسارعة العديد من الظواهر البيئية التي باتت تشكل تحديا متزايدا أمام المدن والمجتمعات ، ومن أبرزها ظاهرة الجزر الحرارية التي تجعل المناطق الحضرية أكثر سخونة مقارنة بالمناطق الريفية والضواحي المحيطة بها ؛ نتيجة امتصاص المباني والطرق والأسطح الخرسانية والأسفلتية لحرارة الشمس وتخزينها ثم إعادة إطلاقها تدريجيا خاصة خلال ساعات الليل.
وتتفاقم حدة الظاهرة مع التوسع العمراني وكثافة المباني وتراجع المساحات الخضراء وارتفاع استهلاك الطاقة، فضلا عن الحرارة الناتجة عن وسائل النقل وأجهزة التكييف والأنشطة الصناعية، بما يؤدي إلى احتفاظ المدن بالحرارة لفترات أطول.
ومع استمرار ارتفاع درجات الحرارة وتزايد موجات الحر المرتبطة بالتغير المناخي ؛ تزداد خطورة الجزر الحرارية وانعكاساتها على البيئة وجودة الحياة ، الأمر الذي يجعل مواجهتها ضرورة تتطلب حلولا مستدامة تبدأ من التخطيط العمراني وتوفير مساحات للتهوية الطبيعية ثم تمتد إلى التوسع في التشجير واستخدام مواد وأساليب بناء تقلل من امتصاص الحرارة.
وتواجه العديد من المدن في منطقة الشرق الأوسط هذه الظاهرة ، خاصة في ظل ارتفاع درجات الحرارة وطبيعة المناخ الجاف في أجزاء واسعة من المنطقة ، ومن بينها القاهرة والرياض ودبي والدوحة وبغداد.
كما تعاني مدن كبرى من الظاهرة ذاتها من بينها لندن وباريس ونيويورك ولوس أنجلوس ، حيث يتجه البعض منها إلى زيادة المساحات الخضراء عبر زراعة الأشجار وإنشاء الأسطح الخضراء إلى جانب استخدام مواد عاكسة للحرارة في المباني والطرق.
وفي هذا السياق ، أجرت وكالة أنباء الشرق الأوسط حوارا مع الدكتورة إيمان شاكر رئيس مركز الاستشعار عن بعد بالهيئة العامة للأرصاد الجوية ، تناولت خلاله أسباب ظاهرة الجزر الحرارية وطرق رصدها ، وتأثير المساحات الخضراء والتخطيط العمراني في الحد منها، ودور البيانات المناخية في تصميم المدن الجديدة والتكيف مع آثار التغير المناخي.
وحول كيفية إسهام الخرسانة والأسفلت والمباني المرتفعة في احتجاز الحرارة داخل المدن والفارق في درجات الحرارة بين قلب المدينة وأطرافها ؟ .. أجابت شاكر قائلة : "إن الخرسانة والأسفلت والمباني المرتفعة تسهم في امتصاص جزء كبير من الإشعاع الشمسي خلال النهار ثم يتم إعادة إطلاق الحرارة تدريجيا خلال ساعات الليل ؛ ما يؤدي إلى ارتفاع درجات الحرارة داخل المناطق العمرانية مقارنة بالمناطق المفتوحة أو الزراعية".
وأوضحت أن المباني المرتفعة والمتقاربة تقلل من حركة الهواء وتحجز الإشعاع الحراري داخل الشوارع ، كما يسهم ارتفاع النشاط البشري وحركة السيارات وأجهزة التكييف في إضافة مصادر أخرى للحرارة.
وقالت : "إنه لا يوجد رقم ثابت للفارق الحراري بين المناطق ، إذ يتغير وفقا لوقت القياس وحالة الطقس وسرعة الرياح وكثافة المباني ونسبة المساحات الخضراء" .. مشيرة إلى أن بعض الدراسات والأبحاث التي أجريت على القاهرة الكبرى أظهرت فروقا ملحوظة بين المناطق العمرانية والمحيطة بها.
وأشارت شاكر إلى أن إحدى الدراسات أظهرت أن متوسط الفرق بين المناطق الحضرية والريفية في درجة حرارة سطح الأرض بلغ نحو درجتين مئويتين خلال الليل ، مع اختلاف الفارق خلال ساعات النهار.
وتابعت : إن المناطق المزدحمة داخل القاهرة تكون أكثر حرارة من بعض المناطق العمرانية الجديدة أو الأطراف بعدة درجات، خاصة خلال الليل، ويظهر ذلك بصورة واضحة خلال فصل الشتاء حيث تكون المدن الجديدة والمناطق المفتوحة ذات المساحات الواسعة أكثر برودة خلال ساعات الليل بينما يختلف الوضع خلال فصل الصيف.
وعما إذا كانت تتوفر محطات رصد تقيس التباين الحراري بين الأحياء المزدحمة والأحياء ذات التخطيط المفتوح أو الخضراء.. أوضحت "شاكر" أنه لا توجد محطات مخصصة لرصد هذا التباين على المستوى المحلي .. مشيرة إلى أن محطات الرصد التابعة للهيئة تعمل وفق معايير الرصد المعتمدة من المنظمة العالمية للأرصاد الجوية.
وقالت رئيس مركز الاستشعار عن بعد بالهيئة العامة للأرصاد الجوية : إن المحطة سواء كانت موجودة داخل منطقة مزدحمة وذات مبان مرتفعة ومتقاربة أو داخل منطقة من المدن الجديدة ذات المساحات الواسعة، تطبق معايير الرصد نفسها.
وأوضحت أن من شروط محطات الرصد وضع الترمومتر داخل كشك خشبي مفتوح من الجوانب بفتحات بميل معين، وعلى ارتفاع مترين من سطح الأرض بما يضمن توحيد معايير قياس درجات الحرارة.
وقالت : إن قياس التباين الحراري داخل الأحياء على المستوى المحلي يحتاج إلى شبكة رصد من نوع مختلف ، كما يمكن الاستعانة ببيانات الأقمار الصناعية وتقنيات الاستشعار عن بعد ونظم المعلومات الجغرافية لإنتاج خرائط أكثر تفصيلا للتباين الحراري داخل المدن ، ودراسة تأثير المساحات الخضراء ودرجة حرارة سطح الأرض على نطاق واسع.
وردا على سؤال حول كيفية توفير بيانات حركة واتجاهات الرياح لمساعدة المخططين العمرانيين في عمليات البناء ؟.. أجابت "شاكر" بأن بيانات اتجاهات وسرعات الرياح يتم توفيرها من محطات الرصد ومخرجات نماذج التنبؤات العددية للجهات المعنية في الدولة عند طلبها ، خاصة فيما يتعلق بالمشروعات الاستراتيجية والتخطيط العمراني والمدن الجديدة والخطط المستقبلية طويلة المدى.
وأكدت أن الأهم بالنسبة للتخطيط العمراني هو تحويل هذه البيانات إلى خرائط مناخية للرياح توضح الاتجاهات السائدة وسرعات الرياح ومناطق التهوية الطبيعية ، بما يساعد المخططين على تحديد اتجاهات الشوارع والممرات الهوائية ومواقع المباني والتشجير بما يحافظ على حركة الهواء ويحد من تأثير درجات الحرارة المرتفعة.
وعن التأثير الفعلي للتوسع في المساحات الخضراء والمسطحات المائية.. أفادت شاكر بأن المساحات الخضراء تسهم في خفض درجات حرارة الأسطح والهواء من خلال التبخر والنتح وتوفير الظل ؛ ما يساعد على تحسين الاحساس بدرجات الحرارة وتقليل الإجهاد الحراري.
وقالت : إن الأشجار تلعب دورا مهما في تحسين جودة الهواء من خلال امتصاص ثاني أكسيد الكربون وإطلاق الأكسجين، فضلا عن قدرتها على احتجاز بعض الملوثات والجسيمات العالقة، بما يسهم في تحسين البيئة الحضرية والحد من بعض آثار تغير المناخ.
واستشهدت بإحدى الدراسات التي ركزت على مدينة القاهرة والتي أظهرت أنه عند وضع سيناريو لزيادة نسبة الأشجار إلى نحو 50% ، انخفضت درجة حرارة الهواء بما يتراوح بين 0.5 إلى 1 درجة مئوية مع تحسن في مؤشرات الراحة الحرارية.
وشددت على أن التوسع في التشجير وزيادة المساحات الخضراء يمثل أحد الاتجاهات المهمة التي تتبناها الدولة المصرية بالتعاون مع الجهات المعنية وعلى رأسها وزارة البيئة ، في إطار جهود تحسين جودة البيئة والتكيف مع آثار التغيرات المناخية والحد من تأثير موجات الحر داخل المناطق الحضرية.
وحول استخدام الأسطح والطرق المبردة (Cool Roofs / Cool Pavements) .. قالت "شاكر" : إنه من الناحية المناخية يمكن اعتبار الأسطح والطرق ذات الانعكاسية الشمسية المرتفعة والعزل الحراري الجيد من الحلول الواعدة لتقليل امتصاص الحرارة، خاصة في المناخ الحار والجاف مثل مصر.
وأوضحت أن اختيار المواد يجب أن يستند إلى دراسة محلية تأخذ في الاعتبار الانعكاسية الشمسية والانبعاثية الحرارية والغبار والعمر الافتراضي وحركة المرور والصيانة.. مؤكدة أن الأفضل ألا يكون الحل منفردا، وإنما ضمن حزمة متكاملة تشمل التشجير والتظليل والتهوية الطبيعية وتحسين العزل واختيار مواد الرصف المناسبة.
وعما إذا كانت بيانات الهيئة تمثل شرطا أساسيا عند وضع المخططات العامة للمدن الجديدة .. أجابت شاكر بأنه تم طلب بيانات مناخية من الهيئة للعديد من المشروعات القومية ، تشمل درجات الحرارة والرياح واتجاهاتها والرطوبة والإشعاع الشمسي والظواهر الجوية المتطرفة والأمطار، بما يسمح بتصميم مدن أكثر قدرة على التكيف مع تغير المناخ وموجات الحر.
وعما إذا كان يتم إصدار خرائط تفاعلية للإجهاد الحراري؟ .. قالت رئيس مركز الاستشعار عن بعد: إن الهيئة تصدر تقريرا يوميا لجودة الهواء (Air Quality Health Index)، ومؤشر التهوية ومؤشر الأشعة فوق البنفسجية، بينما يتم إصدار مؤشر الإجهاد الحراري عند طلبه من الجهات المعنية بالدولة.
وعن كيفية قياس درجة الحرارة التي يستشعرها الإنسان في الشارع ؟.. أجابت شاكر بأن درجة الحرارة التي يشعر بها الإنسان لا تعتمد على درجة حرارة الهواء وحدها، وإنما تتأثر بعدة عناصر من بينها درجة حرارة الهواء والرطوبة وسرعة الرياح والإشعاع الشمسي إلى جانب خصائص الملابس والنشاط البدني.
وأوضحت أن الهيئة تصدر النشرات الجوية التي تشمل درجة الحرارة المتوقعة ودرجة الحرارة المحسوسة.. مشيرة إلى أن درجة الحرارة المحسوسة تكون عادة أعلى من المتوقعة خلال فصل الصيف بسبب ارتفاع نسب الرطوبة بينما تكون أقل من المتوقعة خلال فصل الشتاء في حالة نشاط الرياح ؛ ما يجعل الطقس أكثر برودة.
وتكشف هذه المعطيات أن مواجهة الجزر الحرارية لم تعد قضية منفصلة عن التغير المناخي بل أصبحت جزءا أساسيا من جهود المدن للتكيف مع ارتفاع درجات الحرارة وموجات الحر، وهو ما يتطلب دمج البعد المناخي في التخطيط العمراني، والتوسع في التشجير والمساحات الخضراء، وتحسين حركة الهواء، واستخدام حلول ومواد تساعد على تقليل امتصاص الحرارة، بما يعزز قدرة المدن على مواجهة تحديات المناخ مستقبلا.