رئيس مجلس الادارة

عمــر أحمــد ســامي

رئيس التحرير

طــــه فرغــــلي


«عندما يغني النيل».. الإبداع والموسيقى يجتمعان في ندوة «نغمات نيلية» بدار الكتب

19-8-2026 | 11:26


جانب من الفعاليات

فاطمة الزهراء حمدي

في إطار احتفالات وزارة الثقافة بـ "وفاء النيل"، وترسيخاً للقيم الحضارية والتاريخية لنهر النيل الخالد الذي طالما كان مصدر إلهام للمبدعين والمفكرين عبر العصور، نظمت الهيئة العامة لدار الكتب والوثائق القومية برئاسة الدكتور أسامة طلعت، ندوة ثقافية وفنية بعنوان «نغمات نيلية»، عقدتها الإدارة المركزية لدار الكتب برئاسة الأستاذ الدكتور مينا رمزي، في قاعة علي مبارك بدار الكتب، وذلك استمراراً لدور دار الكتب القومية في الاهتمام بالمناسبات القومية والترويج للتراث الثقافي والفني المرتبط بالنهر الخالد.

 

وقد شارك في هذه الندوة نخبة متميزة من كبار المبدعين والنقاد والباحثين الذين أثروا الفعالية برؤاهم الأدبية والفكرية، وفي مقدمتهم الشاعر والكاتب الكبير الأستاذ أحمد فضل شبلول الذي قدم كلمة بعنوان "النيل بين أحمد شوقي وأم كلثوم"، والشاعر والناقد الأدبي الأستاذ جابر بسيوني الذي تناول موضوع "مطربون خلدهم النيل"، إلى جانب الدكتور عبد الحميد يحيى أستاذ الإدارة وخبير التدريب وتنمية الموارد البشرية والباحث في التراث الموسيقي، والذي تحدث عن الأبعاد الحضارية والرمزية والموسيقية لنهر النيل الخالد.

 

 

وقد بدأت الندوة فعالياتها بالسلام الجمهوري، وقدمتها الأستاذة رشا أحمد مدير قاعة الموسيقى، حيث أضفت الأجواء الفنية انطباعاً مميزاً منذ اللحظات الأولى وتخللها فقرات غنائية ممتعة، كما شهدت القاعة حضوراً جماهيرياً ونوعياً كبيراً كان من بينهم كبير المنشدين الشيخ طه الإسكندراني، والكاتبة غادة مأمون، والكاتب حسام أبو العلا، والدكتورة نجلاء السناري، وبحضور مؤسسه عظيمات مصر بالإضافة إلى مشاركة واسعة من طلبة إدارتي العجوزة والحوامدية التعليميتين.

 

ومضيئةً على أبعادٍ جديدة في علاقة الإبداع بالنهر الخالد، انطلقت أوراق العمل والأطروحات الفكرية في الندوة لتعكس قيمة النيل كرمز استقرار وخلود بشري، حيث استعرض المشاركون كيف استطاع هذا الشريان المعطاء أن يربط بلاد مصر ببعضها البعض ويشكل المقوم الأساسي للهوية المصرية عبر التاريخ، وقد تجلت هذه المعاني في كلمة الشاعر والكاتب أحمد فضل شبلول الذي أخذ الحضور في رحلة أدبية تناولت العبقرية الاستثنائية للشاعر أحمد شوقي وتلاقيه مع صوت كوكب الشرق أم كلثوم؛ موضحاً أنه على الرغم من أن أم كلثوم لم تغنِ قصائد لأمير الشعراء في حياته، إلا أنها غنّت له تسع قصائد بعد رحيله، كان من بينها قصيدة "النيل" التي بلغت مائة وثلاثاً وخمسين بيتاً اختارت منها أم كلثوم أربعة وعشرين بيتاً للغناء، وهي القصيدة التي شدا في مطلعها: "من أي عهد في القرى تتدفق،وبأي كف في المدائن تغدق"، وأكد شبلول على التفرد الفني لهذه القصيدة التي جمعت بين شعر شوقي، وصوت أم كلثوم الفخم، ولحن رياض السنباطي العبقري، مشيراً إلى أن شوقي مدح النيل وكأنه إنسان كريم معطاء أحبه كما أحبه المصريون القدما، كما استعرض شبلول آراء النقاد في القصيدة، لافتاً إلى رأي الدكتور زكي مبارك الذي رأى أن قصيدة النيل لشوقي هي أعظم قصيدة قالها شاعر في وصف النيل، ورأي أم كلثوم نفسها التي كانت تراها من أروع القصائد الوطنية التي كتبها شوقي، فضلاً عن إشارة الشاعر فاروق شوشة إلى أن شوقي فُتن بالنيل على عادة المصريين جميعاً ورأى فيه إلهاماً متجدداً لشاعريته الجياشة.

 

 

وفي سياق متصل، قدم الشاعر والناقد الأستاذ جابر بسيوني كلمة مستفيضة بمناسبة الاحتفال بعيد وفاء النيل، تناول فيها ارتباط المصريين بشريان الحياة نهر النيل منذ آلاف السنين تعظيماً لدوره في حياتنا كباعث للنماء والخير وموضع للحضارة المصرية وصاحب العطاء وممهد الازدهار والتقدم، وقد حرص بسيوني في حديثه على نفي الأسطورة القائلة بأن أهل مصر كانوا يلقون فتاة حية جميلة في النيل كقربان له، مؤكداً أن هذه الروايات ما هي إلا أساطير من وحي الخيال لا أساس لها من الصحة. كما أفاض جابر بسيوني في الحديث عن أثر النيل الخالد في الغناء المصري، مشيراً إلى أن كبار المطربين قد حرصوا على التغني للنيل، مما جعله مخلداً في آلامهم وآمالهم وألحانهم، واستعرض بسيوني نماذج من هؤلاء المطربين الخالدين وأبرز أغنياتهم التي تغنت بالنيل، ومنهم المطربة تيتا صالح (المولودة في العريش، والمتوفاة في عام 2014)، التي تغنت للنيل بكلمات رقيقة قائلة: "يا حلاوة زهر النيل لما الأغصان تتمايل، بدلال وجمال، من حسنه ماله مثيل"، والمطرب جلال حرب (المولود في عام 1921، والمتوفى في عام 2006)، الذي قدم أغنية نيلية تقول كلماتها: "محلاك يا نيل، أسمر وجميل، بين الشطين، حواليك برواز، أحمر و زهر، هواه مسكين، محلاك يا نيل"، والمطرب فايد محمد فايد (المولود في عام 1924، والمتوفى في عام 1988)، الذي اشتهر بأغنية: "يا حلاوة النيل، يا جمال النيل، أسمر وجميل".

 

 

ولم تقتصر الندوة على التناول الأدبي والفني فحسب، بل تعمقت في الأبعاد الحضارية والرمزية بفضل المساهمة القيمة للدكتور عبد الحميد يحيى، أستاذ الإدارة وخبير التدريب وتنمية الموارد البشرية والباحث في التراث الموسيقي، والذي تحدث عن أهمية نهر النيل باعتباره منحة من الخالق سبحانه وتعالى اختص بها شعب مصر منذ القدم، بالإضافة إلى كونه جوهر الحضارة المصرية الممتدة لآلاف السنين وشريان الحياة على أرضها، حيث يربط بين شمالها وجنوبها في مسيرة طولية شبه مستقيمة، مما سهل على المصريين مرونة وسرعة التنقل بين الشمال والجنوب، وأوضح الدكتور عبد الحميد يحيى أنه مع مرور الزمن، طبع نهر النيل في نفوس المصريين الأحاسيس الفنية الإبداعية شعراً وغناءً وطرباً، فألهم الفنانين التغني به. كما أثرى د. عبد الحميد الجلسة بعرض نماذج غنائية بصوته، تناول فيها أغنيات للموسيقار محمد عبد الوهاب وأغنيات لكوكب الشرق أم كلثوم، بالإضافة إلى بعض أغنيات العندليب عبد الحليم حافظ والمطربة الكبيرة نجاة. وفي ختام الكلمة، فتح باب النقاش حيث أجاب الدكتور عبد الحميد يحيى عن تساؤلات بعض الحاضرين فيما يخص امتداد الحضارات ومدى تأثر الفن المصري بها.

 

 

وتكتمل اللمسات الفنية للندوة من خلال برنامج فني متكامل أعدته وشهد مشاركة متميزة من الأستاذة هبة رمضان مدربة الغناء الشرقي، والتي ألقت كلمة تحدثت فيها عن المكانة العظيمة لنهر النيل وأثره الوجداني في الفن، كما أطربت الحضور بتقديم فقرة غنائية أدت خلالها روائع الغناء الوطني والموسيقي شملت أغنيتي "عطاشى" و"ما شربتش من نيلها" وسط تفاعل كبير من الحاضرين، ليتكامل هذا الأداء الشجي مع الأمسيات الشعرية والمعرض الفني للوحات الذي سلّط الضوء على أبرز الأغاني الخالدة التي شدا بها كبار الفنانين، إلى جانب المعارض الوثائقية والتراثية المتخصصة التي نظمتها دار الكتب على هامش الندوة، ومن بينها معرض الكتب بقاعة الاطلاع الرئيسية الذي ضم أبرز الإصدارات والمؤلفات التي تناولت نهر النيل وأثره الحضاري العظيم.