الاعتراف وحده لا يكفي.. الأدلة الفنية تكشف الحقيقة وتسقط روايات المتهمين
في عالم التحقيقات الجنائية، لا يُعد الاعتراف وحده دليلًا حاسمًا في كل القضايا، فالمتهم قد يعترف بارتكاب جريمة لم يرتكبها، أو يقدم رواية يحاول من خلالها تضليل جهات التحقيق، وهنا يظهر الدور المهم للأدلة الفنية والعلمية التي تستطيع تأكيد أقواله أو كشف تعارضها مع الحقيقة.
وخلال السنوات الأخيرة، أصبحت التحقيقات الجنائية تعتمد بصورة متزايدة على مجموعة متكاملة من الأدلة، من بينها تقارير الطب الشرعي، والأدلة الجنائية، وكاميرات المراقبة، وتحليل الهواتف المحمولة، والبصمة الوراثية، والمعاينات الفنية، إلى جانب أقوال الشهود، بهدف إعادة بناء مسرح الجريمة والوصول إلى الرواية الأقرب للواقع.
ومن أبرز القضايا التي ظهرت فيها أهمية الأدلة الفنية، قضية مقتل الإعلامية شيماء جمال، حيث لم تتوقف التحقيقات عند أقوال المتهمين، وإنما جرى فحص مجموعة من الأدلة والقرائن الفنية، شملت تقارير الطب الشرعي والأدلة الجنائية ونتائج الفحوص المعملية وبيانات الهواتف المحمولة، بما ساعد جهات التحقيق والمحكمة في تكوين صورة متكاملة عن الواقعة.
وفي قضية مقتل الطالبة نيرة أشرف أمام جامعة المنصورة، لعبت تسجيلات كاميرات المراقبة دورًا بارزًا في توثيق جانب مهم من تسلسل الأحداث، وأصبحت المواد المصورة من بين الأدلة التي جرى فحصها والاستناد إليها إلى جانب باقي عناصر القضية.
كما تكشف بعض القضايا الجنائية عن محاولات من متهمين تقديم روايات مغايرة للواقع، إلا أن الطب الشرعي قد يحسم جانبًا مهمًا من هذه الروايات، من خلال تحديد طبيعة الإصابات وسبب الوفاة ومدى توافقها مع السيناريو الذي يقدمه المتهم.
وفي وقائع أخرى، ساهم تفريغ كاميرات المراقبة وتحليل بيانات الهواتف المحمولة في كشف تحركات متهمين، ومقارنة خط سيرهم بالأقوال التي أدلوا بها أمام جهات التحقيق، وهو ما قد يكشف وجود تناقضات تستوجب مزيدًا من الفحص والتحقيق.
ويؤكد رجال القانون أن الاعتراف، مهما كانت أهميته، لا يُنظر إليه بمعزل عن باقي عناصر الدعوى، إذ تخضع الأدلة لتقدير جهات التحقيق والمحكمة وفقًا للقواعد القانونية، مع ضرورة التحقق من صحتها وسلامة إجراءات الحصول عليها ومدى اتساقها مع باقي الأدلة.
وتتسع دائرة الأدلة الفنية لتشمل كل ما يمكن أن يساعد في إعادة بناء الجريمة، بداية من آثار مسرح الواقعة والبصمات، مرورًا بتحليل المواد والأدوات المضبوطة، ووصولًا إلى التسجيلات المصورة والبيانات الرقمية والهواتف المحمولة.
ومع التطور الكبير في وسائل الفحص والتحليل الجنائي، أصبحت الروايات المتناقضة أكثر عرضة للاختبار، حيث يمكن مقارنة أقوال المتهمين بالتوقيتات والتسجيلات والآثار المادية والبيانات الرقمية، للوصول إلى مدى توافقها مع الوقائع.
وتؤكد هذه القضايا أن الوصول إلى الحقيقة في ملفات الجنايات لا يعتمد على عنصر واحد، وإنما على منظومة متكاملة من الأدلة والقرائن، فبينما يمكن للإنسان أن ينكر أو يراوغ، تظل الأدلة الفنية وسيلة مهمة لكشف التناقضات وإعادة رسم تفاصيل الواقعة أمام جهات التحقيق والمحكمة.