النيران لا تحرق الحقيقة.. حرائق تكشف جرائم قتل وسرقة
في بعض البلاغات الجنائية، تبدأ القصة بحريق داخل شقة أو سيارة أو محل تجاري، فيظن المحيطون بالمكان أن الواقعة لا تتجاوز حادثًا عرضيًا، إلا أن وصول رجال الأدلة الجنائية والنيابة العامة وبدء أعمال المعاينة قد يكشف عن تفاصيل مغايرة تمامًا، ويظهر أن النيران لم تكن سببًا في الواقعة، وإنما استُخدمت كوسيلة لمحاولة طمس آثار جريمة سابقة.
وخلال التحقيقات في عدد من القضايا، ظهرت محاولات من بعض الجناة لإشعال الحرائق عقب ارتكاب جرائم قتل أو سرقة أو إتلاف مستندات، اعتقادًا منهم أن النيران قادرة على التخلص من الأدلة وإخفاء معالم مسرح الجريمة، إلا أن الفحص الفني الدقيق قد يكشف آثارًا تساعد في إعادة بناء تسلسل الأحداث.
ومن بين الوقائع التي ظهرت فيها أهمية المعاينة الفنية، قضية مقتل طبيبة في كفر الشيخ، والتي بدأت ببلاغ عن اندلاع حريق داخل شقتها.
ومع انتقال الأجهزة المختصة وفحص موقع الواقعة، كشفت نتائج الفحص والتحقيقات أن الحريق لم يكن الواقعة الأساسية، وإنما اندلع في أعقاب الجريمة في محاولة لإخفاء آثارها، قبل أن تقود التحريات إلى تحديد هوية المتهم واتخاذ الإجراءات القانونية حياله.
وفي واقعة أخرى بمدينة 6 أكتوبر، شهدت إحدى الشقق حريقًا عقب الاعتداء على سيدة، إلا أن الفحوص الفنية وتقارير الطب الشرعي ساعدت في تحديد توقيت الإصابات والوفاة، وبيان مدى ارتباطها بالحريق، وهو ما ساهم في تغيير مسار التحقيق من مجرد واقعة حريق إلى جريمة جنائية محل تحقيق.
ولم تقتصر محاولات استخدام الحرائق على جرائم القتل، إذ كشفت تحقيقات في بعض وقائع حرائق المحال والمخازن عن شبهات بإشعال النيران عمدًا عقب ارتكاب جرائم سرقة أو اختلاس أو إتلاف مستندات، بهدف التخلص من الأدلة التي قد تقود إلى مرتكبيها.
وتلعب الأدلة الجنائية دورًا مهمًا في هذه النوعية من الوقائع، إذ يجري فحص موقع الحريق لتحديد مصدر الاشتعال وطبيعة المواد المحترقة، إلى جانب الاستعانة بتسجيلات كاميرات المراقبة، وأقوال الشهود، ونتائج التحريات، للوصول إلى التسلسل الزمني للواقعة.
كما يمكن للطب الشرعي أن يسهم في تحديد سبب الوفاة وتوقيت حدوث الإصابات، بما يساعد على معرفة ما إذا كانت الوفاة سبقت اندلاع الحريق أم نتجت عنه، وهو ما قد يكون عنصرًا مهمًا في كشف السيناريو الحقيقي للجريمة.
ويؤكد خبراء الأدلة الجنائية أن تعرض مسرح الجريمة للحريق لا يعني بالضرورة اختفاء جميع الآثار، فالمعاينة الدقيقة قد تكشف مؤشرات تساعد على تحديد كيفية اندلاع النيران، بينما يمكن أن تقدم التسجيلات والبيانات والآثار الأخرى خيوطًا إضافية للتحقيق.
وتظل كل واقعة خاضعة لفحص مستقل من جهات التحقيق والخبراء المختصين، ولا يمكن الجزم بأن أي حريق متعمد أو مرتبط بجريمة أخرى إلا بناءً على الأدلة والفحوص والتحقيقات الرسمية.
وهكذا، قد يعتقد الجاني أن ألسنة اللهب قادرة على محو الحقيقة، لكن النيران لا تحرق دائمًا كل الأدلة؛ ففي بعض القضايا، يتحول الحريق نفسه إلى خيط يقود جهات التحقيق إلى ما حاول مرتكب الجريمة إخفاءه.