خبير سعودي: الترابط الحضاري بين مصر والسعودية تاريخي وممتد ويرسخ التكامل العربي في مجال التراث والأثار الغارقة
أكد مدير إدارة التراث الثقافي المغمور بالمياه بالهيئة السعودية للتراث الدكتور ماجد العنزي، أهمية العلاقات الحضارية بين مصر والمملكة العربية السعودية وأنها تضرب بجذورها في أعماق التاريخ، وأن ما تكشفه الآثار والمواقع المغمورة بالمياه، دليلاً حيا على التواصل المستمر والترابط والعمق الحضاري بين شعوب البلدين العريقين عبر آلاف السنين، مضيفا القول: "نسعى إلى ترسيخ التكامل العربي والريادة الإقليمي في مجال التراث الثقافي المغمور بالمياه من خلال التعاون بين مصر والسعودية في مجال الآثار".
وقال الخبير السعودي - في تصريحات خاصة لوكالة أنباء الشرق الأوسط؛ بمناسبة الاحتفال باليوم العالمي للتراث الثقافي المغمور بالمياه بمكتبة الإسكندرية - إن مصر تمتلك إمكانيات كبرى وكوادر علمية رائدة بمواصفات عالمية وإقليمية في مجال التراث الثقافي المغمور بالمياه ويمكن توظيفها في مجالات التكامل العربي والإقليمي في حماية التراث الثقافي المغمور بالمياه.
وأضاف أن الخبرات المصرية المتراكمة والعمق الثقافي والتعليمي والمؤسسي الذي تتمتع به المؤسسات الأكاديمية والبحثية في مصر، إلى جانب ما تمتلكه دول المنطقة من قدرات وخبرات حديثة، تتيح فرصاً واسعة لبناء تكامل عربي في مجال دراسة التراث المغمور بالمياه وحمايته وتوثيقه، مؤكداً أهمية الاستثمار في الأجيال الجديدة وتمكينها من استخدام التكنولوجيا الحديثة لخدمة هذا القطاع وهناك مشروعات مشتركة بين (القاهرة) و(الرياض) في هذا الصدد.
وأوضح العنزي؛ بمناسبة مشاركته في فعاليات الاحتفال باليوم الدولي للتراث الثقافي المغمور بالمياه في مكتبة الإسكندرية، أن هذا الحدث يأتي استكمالاً للدور الرائد الذي اضطلعت به مصر، ممثلة في جامعة الإسكندرية وكرسي اليونسكو، في طرح فكرة اليوم العالمي للتراث الثقافي المغمور بالمياه، مشيداً بما قدمه الباحثون والمؤسسات المصرية من إسهامات رائدة في هذا المجال على المستويين العربي والدولي.
وشدد على أن التراث الثقافي المغمور بالمياه لا يمكن النظر إليه باعتباره ملكاً لدولة أو مؤسسة بعينها، وإنما يمثل شاهداً على التواصل الحضاري بين الشعوب، موضحاً أن عدداً من الباحثين والمتخصصين من الجامعات والمراكز العلمية المصرية يعملون بالفعل مع نظرائهم في مشروعات مشتركة، إلى جانب وجود دعوات للمشاركة في مشروعات بحثية على السواحل المصرية.
ولفت إلى أن الآثار المغمورة بالمياه تقدم أدلة واضحة على عمق العلاقات الحضارية والتجارية التي ربطت شعوب المنطقة منذ مئات وآلاف السنين، مشيراً إلى أن التعاون القائم حالياً بين مصر والسعودية في هذا المجال يمثل امتداداً طبيعياً لذلك التاريخ العريق، ويعيد إحياء جسور التواصل الحضاري التي عرفتها المنطقة منذ القدم.
وأوضح أن الترابط الحضاري بين مصر والسعودية يستند إلى مجموعة من العوامل المشتركة، في مقدمتها الجغرافيا والدين واللغة والعمق الثقافي والتاريخ المشترك، مشيراً إلى أن الإنسان عرف واستوطن مناطق واسعة من الجزيرة العربية وشمال شرق إفريقيا منذ أكثر من مليون عاما، وأن حركة الإنسان وتنقله وتواصله عبر المياه والبحار والأنهار والممرات البرية والمائية استمرت عبر العصور وحتى العصر الحديث.
وأشار إلى أن الاكتشافات الأثرية الحديثة تقدم نماذج ملموسة على هذا التواصل التاريخي، ومن أبرزها سفينة «أملج» المكتشفة في المملكة العربية السعودية، والتي تمثل توأماً أو سفينة شقيقة لسفينة «سعدانة» المكتشفة في مصر، لافتاً إلى أن السفينتين ارتبطتا بخط تجاري واحد، حيث عُثر على إحداهما في البحر الأحمر والأخرى في البحر المتوسط.
وقال إن هذا الاكتشاف يمثل دليلاً مهماً على امتداد العلاقات التجارية بين مصر وشبه الجزيرة العربية عبر التاريخ، مؤكداً أن العلاقات التجارية لم تكن منفصلة عن العلاقات الثقافية والاجتماعية، وإنما شكلت جميعها منظومة متكاملة من التواصل الحضاري بين شعوب المنطقة.
وأضاف أن دراسة التراث المغمور بالمياه تتيح إعادة قراءة تاريخ المنطقة من منظور مختلف، من خلال الكشف عن طرق الملاحة والتجارة وحركة البشر والبضائع والأفكار، بما يؤكد أن البحار والممرات المائية كانت على مر التاريخ جسوراً للتفاعل بين الحضارات.
وفيما يتعلق بجهود المملكة العربية السعودية في هذا المجال، أوضح الخبير أن العمل في قطاع الآثار والتراث المغمور بالمياه في المملكة يمتد إلى ستينيات القرن الماضي، مشيراً إلى أن هيئة التراث تعمل حالياً على وضع استراتيجية متكاملة للنهوض بقطاع التراث المغمور بالمياه.
وكشف عن توجه المملكة نحو إطلاق مركز للتراث المغمور من الفئة الثانية تحت مظلة اليونسكو، بما يعكس الاهتمام المتزايد الذي توليه السعودية لهذا النوع من التراث، ويعزز حضورها في منظومة التعاون الدولي المعنية بحمايته ودراسته.
وأضاف أن هيئة التراث أنشأت في مطلع عام 2025 إدارة متخصصة للتراث المغمور بالمياه، تتولى مسؤولية اكتشاف هذا التراث والتعريف به ووضع الخطط المستقبلية لحمايته وتوثيقه، مشيراً إلى أن المملكة تعمل على توسيع نطاق عمليات التوثيق وإنشاء قاعدة بيانات متكاملة لمواقع التراث المغمور بالمياه في مختلف أنحاء البلاد.
وأكد أن الهدف لا يقتصر على توثيق هذه المواقع علمياً، وإنما يتضمن تفعيلها وإتاحتها للزيارة أمام المواطنين والسياح، بما يحول التراث المغمور بالمياه إلى رافد جديد من روافد المعرفة والثقافة والسياحة، ويعزز ارتباط المجتمع بتراثه وتاريخه.
واختتم بالتأكيد على أن تعزيز التعاون بين مصر والسعودية في مجال التراث الثقافي المغمور بالمياه يمثل فرصة مهمة للجمع بين الخبرة المصرية الرائدة والإمكانات السعودية المتنامية، بما يمكن البلدين من الإسهام بصورة أكبر في حماية التراث المشترك للمنطقة، وتعزيز الحوار بين الحضارات، وإبراز العمق التاريخي للعلاقات التي جمعت شعبي وادي النيل والجزيرة العربية عبر آلاف السنين.