أستاذ علم اجتماع: التعليم التكنولوجي أصبح طريقًا رئيسيًا للنجاح في ظل تحولات سوق العمل
أكد الدكتور وليد رشاد، أستاذ علم الاجتماع بالمركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية، أن الصورة التقليدية للنجاح التي تربط بين التفوق والالتحاق بكليات القمة لم تعد كافية في ظل التغيرات المتسارعة التي يشهدها العالم، موضحًا أن التحولات التكنولوجية أعادت تشكيل سوق العمل بشكل جذري.
وأوضح خلال حلقة برنامج "ناس تك"، المذاع على قناة الناس، اليوم السبت، أن أغلب الأسر لا تزال تتخيل مستقبل أبنائها من خلال الالتحاق بكليات مثل الطب أو الهندسة أو الإعلام، باعتبارها المسار الطبيعي للنجاح، إلا أن الواقع الحالي يفرض مسارات جديدة تعتمد بشكل أساسي على المهارات التكنولوجية والقدرة على التعامل مع النظم الحديثة.
وأشار إلى أن العالم لم يعد يتغير بوتيرة بطيئة، بل يشهد تسارعًا كبيرًا في كل المجالات، بدءًا من طبيعة الوظائف، مرورًا بالصناعة، وصولًا إلى أنماط الحياة اليومية التي أصبحت تعتمد بشكل متزايد على التكنولوجيا والأنظمة الذكية، وهو ما أدى إلى تغير متطلبات سوق العمل.
وأضاف أن السوق بات يبحث عن نوعية مختلفة من الكوادر، قادرة على تشغيل التكنولوجيا وصيانتها وتطويرها، وليس مجرد الحصول على شهادة جامعية، لافتًا إلى أن التعليم التكنولوجي الحديث لم يعد كما كان يُنظر إليه سابقًا، بل أصبح قائمًا على بيئات تعليمية متطورة تضم معامل رقمية وتطبيقات عملية متقدمة.
وأوضح أن هذا النوع من التعليم يشمل التعامل مع الروبوتات، والطباعة ثلاثية الأبعاد، وأنظمة التحكم الآلي، والطاقة المتجددة، والذكاء الاصطناعي، ما يجعله تعليمًا متقدمًا يواكب احتياجات العصر، وليس مجرد تعليم مهني تقليدي.
وأشار إلى أن الدولة اتجهت إلى إنشاء مدارس تكنولوجية تطبيقية بالتعاون مع كبرى الشركات والمصانع، بحيث يجمع الطالب بين الدراسة النظرية والتدريب العملي، وهو ما يمنحه خبرة حقيقية قبل التخرج، ويختصر عليه سنوات البحث عن فرصة تدريب بعد الدراسة.
وأضاف أن دمج التدريب داخل العملية التعليمية يمثل نقلة نوعية، حيث يتخرج الطالب وهو يمتلك خبرة عملية بالفعل، ما يجعله أكثر جاهزية لسوق العمل مقارنة بخريجي المسارات التقليدية.
ولفت إلى أن استمرار تردد بعض أولياء الأمور تجاه هذا النوع من التعليم يرجع إلى ثقافة مجتمعية قديمة تقيس النجاح باسم الكلية وليس بحجم الإنجاز، موضحًا أن هذه النظرة تحتاج إلى مراجعة في ظل الواقع الجديد.
وأكد أن الاقتصاد الحديث لم يعد يعتمد فقط على حاملي الشهادات، بل على أصحاب المهارات والكفاءات، مشيرًا إلى أن التطور التكنولوجي، بما في ذلك الذكاء الاصطناعي، لا يلغي دور العامل الفني، بل يزيد من أهميته، حيث تحتاج كل منظومة ذكية إلى من يديرها ويصونها ويطورها.
وأوضح أن العديد من الدول المتقدمة تستثمر بشكل كبير في التعليم المهني والتكنولوجي، إدراكًا منها أن الصناعة لا يمكن أن تنهض دون وجود فنيين مهرة، لافتًا إلى أن نقص العمالة الماهرة يمثل تحديًا عالميًا، وهو ما يفتح فرصًا أكبر لخريجي هذا المسار.
وأشار إلى أن هناك تحولًا ملحوظًا في وعي بعض الأسر، حيث لم يعد السؤال الأساسي هو "التحق بأي كلية؟"، بل أصبح "يعمل أين؟"، وهو ما يعكس تغيرًا تدريجيًا في معايير تقييم النجاح.
وشدد على أن التعليم التكنولوجي يمثل أحد الركائز الأساسية لدعم الاقتصاد، مؤكدًا أن المستقبل سيمنح الأفضلية لمن يمتلك المهارة والقدرة على التكيف مع متطلبات العصر، وليس فقط لمن يحمل شهادة جامعية.